المصممة القطرية مشاعل النعيمي لـ"هي": الحرفيون حماة المعرفة المتوارثة وجوهر تصميم "مهفهف"

المصممة القطرية مشاعل النعيمي لـ"هي": الحرفيون حماة المعرفة المتوارثة وجوهر تصميم "مهفهف"

تعد الحِرف التقليدية اليوم مساحة خصبة للابتكار وإنتاج المعرفة. وبين الحرفيين والمصممين تنشأ شراكات جديدة تعيد تعريف هذه الممارسات، وتفتح أمامها مسارات معاصرة تضمن استمراريتها وتوسع حضورها خارج حدود المجتمعات التي نشأت فيها. ضمن هذا المشهد، تبرز المصممة القطرية مشاعل عبدالله النعيمي، مؤسسة علامة "مهفهف"، التي وصلت إلى عالم التصميم من طريق غير تقليدي.

الشيخة موزا بتصميم من مهفهف
صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، بتصميم مستُلهم من ثوب النشل القطري، وحملت على تطريزها: "سنكون يوماً ما نريد لا الرحلة بدأت ولا الدرب انتهى".

فبعد أكثر من عشرين عاماً أمضتها في القطاع المصرفي والاستثماري، قررت أن تبدأ فصلاً جديداً من حياتها المهنية مدفوعة بشغفها بالمواد الطبيعية والحِرف اليدوية. ومنذ بداياتها، انشغلت بالبحث عن نقاء الخامات واستدامتها، وهو ما قادها تدريجياً إلى التعاون مع الحرفيين في الخليج وآسيا وأفريقيا، وإلى تطوير تقنيات خاصة تمزج بين المعرفة التقليدية والتجريب المعاصر، لإنتاج مفردات جديدة تنطلق من جذورها الثقافية. 

ومن أبرز أعمالها تطوير تقنية نقش الحناء الثابتة على القماش، وهي التقنية التي لفتت الأنظار عندما ارتدت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر إحدى العباءات المزينة بها خلال فعاليات كأس العالم FIFA قطر 2022، كما اختارت صاحبة السمو الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني ارتداء عباءة من التقنية ذاتها خلال فعاليات Fashion Trust Arabia. وقد أسهمت هذه الإطلالات في إبراز هذا الابتكار المستوحى من الموروث المحلي أمام جمهور عالمي أوسع. كما حظيت تصاميم النعيمي باهتمام عدد من الشخصيات البارزة في قطر.

في هذا الحوار، تتحدث مشاعل النعيمي لـ"هي" عن علاقتها بالحرفيين، وكيفية انتقال المعرفة الحِرفية بين الأجيال والمجتمعات، والتوازن بين الهوية ومتطلبات السوق، والدور الذي يمكن أن تلعبه الحِرف في بناء اقتصاد إبداعي أكثر استدامة.

مشاعل النعيمي
صاحبة السمو الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني بتصميم من النعيمي بتقنية نقش الحناء الثابتة على القماش خلال فعاليات Fashion Trust Arabia

الحرفيون حُماة المعرفة

ترى مشاعل النعيمي أن علاقتها بالحرفيين تبدأ من الثقة والاحترام المتبادل قبل أي شيء آخر. وخلال رحلتها في التصميم، سعت إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات مع حرفيين من دول الخليج وآسيا وأفريقيا، مستفيدة من الفعاليات الثقافية والمعارف الشخصية والمبادرات الداعمة للحِرف.

 وتؤكد أن الحرفيين يشكلون جوهر عملها الإبداعي، لأنهم يحملون معرفة تراكمت عبر أجيال طويلة. تقول مشاعل: "يمثل الحرفيون جوهر تصاميمي، فهم حُماة المعرفة المتوارثة، وأُدرك المعنى والقيمة الكامنة وراء فنهم قبل دمجه في تصاميمي".

وتوضح أن هذا التعاون لا يقتصر على المحافظة على التقنيات التقليدية، بل يمتد إلى تطوير ممارسات جديدة تنطلق من القيم نفسها. فمن خلال إعادة توظيف الأقمشة المهملة وتحويلها إلى عباءات منسوجة يدويًا، أو تطوير تقنية نقش الحناء الثابتة على القماش، تحاول خلق لغة تصميمية جديدة تستند إلى المعرفة الحِرفية المتوارثة وتمنحها امتدادًا معاصرًا.

المعرفة التي تنتقل من يد إلى أخرى

بالنسبة إلى مشاعل، لا تنفصل الحِرفة عن المجتمع الذي نشأت فيه. فالمهارات الحِرفية، خصوصًا في مجال النسيج، كانت تنتقل تاريخيًا من الأمهات إلى البنات، ما منح كل منطقة أو قبيلة بصمتها الخاصة. توضح قائلة: "الحِرف تاريخيًا رسمت التضامن المجتمعي، فالنساء كن يجتمعن للنسيج، وتُورّث الأسرار المهنية داخل العائلات. هي شبكة اجتماعية بقدر ما هي عملية إنتاج".

تشير إلى أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة بعد اكتشاف النفط كادت أن تؤدي إلى اندثار كثير من هذه الممارسات، مع انتشار الألياف الصناعية والإنتاج الآلي. إلا أنها ترى أن الجهود التي تقودها المؤسسات الثقافية في قطر اليوم تسهم في إعادة إحياء الحِرف وتطويرها بما يتناسب مع العصر.

مشاعل النعيمي
عباية حرير التوت منسوج يدوياً مع فستان من أقمشة معاد تدويرها من عرض الأزياء لليوم الوطني القطري

عندما تقود الحِرفة السوق

لا تنطلق مشاعل النعيمي من متطلبات السوق عند التصميم، بل من قناعة شخصية ورؤية واضحة تجاه الخامات والحِرف التي تؤمن بها. وتستعيد بداياتها قائلة إنها دخلت هذا المجال بحثًا عن أقمشة طبيعية منسوجة يدويًا ومصبوغة بأصباغ طبيعية، وعندما لم تجد ما يناسب رؤيتها، بدأت بصنعه بنفسها.

توضح ذلك قائلة: "بدأت بصنع ما كان ينقصني، وأصمم بوعي واحترام لهويتنا وقيمنا وبيئتنا". وترى أن الالتزام بهذه الرؤية هو ما منح أعمالها خصوصيتها، وقادها إلى عرض تصاميمها في المتاحف والمعارض الفنية في قطر. 

كما تؤمن بأن الاستثمار في الحِرف لا يعني فقط الحفاظ على الماضي، بل أيضًا تطوير تقنيات جديدة يمكن أن تصبح جزءًا من الهوية الثقافية مستقبلاً، كما تأمل أن يحدث مع تقنية نقش الحناء الثابتة على القماش التي طورتها.

مشاعل النعيمي
عباءة من حرير التوت المنسوج يدويًا، تصُبغ بالزعفران والرمان والنيلة والكركم.

الاستثمار في الإنسان قبل الحِرفة

تؤكد مشاعل أن دعم الحرفيين يتجاوز فكرة الحفاظ على مهنة أو تقنية تقليدية، ليصبح استثمارًا مباشرًا في استمرارية الثقافة والهوية. بقولها: "بدعمنا للحرفيين، نستثمر في استمرارية تراثنا وتاريخنا وهويتنا".

وترى أن مسؤولية المؤسسات والمجتمعات لا تقتصر على توثيق الحِرف، بل تشمل أيضًا حماية البيئات والمساحات التي تسمح للحرفيين بالعمل والإبداع والنمو. ومن هذا المنطلق تعتبر أن الحِرف تشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الإبداعي، وأن استدامتها ترتبط باستدامة المجتمعات نفسها.

جزء من حركة خليجية أوسع

ورغم أن تجربتها تحمل بصمتها الخاصة، فإن مشاعل لا تنظر إليها كجهد فردي معزول، بل كجزء من حراك ثقافي أوسع تشهده المنطقة. وتوضح أن الاهتمام المتزايد بالحِرف والتراث بات واضحًا في المبادرات والبرامج التي تقودها المؤسسات والجمعيات الثقافية في دول الخليج.

تقول النعيمي: "أرى أن عملي جزء من حركة إقليمية أوسع تهدف إلى تعزيز الهوية والتراث والتاريخ، وهذا التوجه أصبح ملموسًا في المؤسسات والجمعيات الثقافية في الخليج". وبرأيها، فإن تكامل هذه الجهود هو ما يمنح الحِرف فرصة حقيقية للاستمرار والتطور والوصول إلى أجيال جديدة.

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.