كاتي غودفري، استراتيجية الأعمال، ومقدمة البودكاست، ومؤلفة الكتاب الأكثر مبيعاً Get Off the Tools

خاص "هي".. كاتي غودفري: التوازن المثالي كذبة وهذا ما تحتاجه المرأة العاملة فعلاً

ثمة فكرة تبدو جذابة على الورق، لكنها مرهقة في الواقع: أن النجاح الحقيقي للمرأة يعني قدرتها على تحقيق توازن مثالي بين العمل والعائلة والحياة الشخصية، وكأن كل جانب من هذه الجوانب يجب أن يحصل على النسبة نفسها من الوقت والطاقة والاهتمام في كل يوم. لعقود طويلة، تحوّل هذا المفهوم إلى معيار غير معلن تُقاس من خلاله النساء، وإلى هدف يلاحقنه باستمرار، حتى أصبح الشعور بالتقصير جزءاً من التجربة اليومية للكثيرات منهن.

لكن كاتي غودفري، استراتيجية الأعمال، ومقدمة البودكاست، ومؤلفة الكتاب الأكثر مبيعاً Get Off the Tools، ترى أن المشكلة لا تكمن في النساء اللواتي يحاولن تحقيق هذا التوازن، بل في الفكرة نفسها. فبعد أكثر من 18 عاماً أمضتها في إدارة الأعمال والصالونات، وبناء علامة للمنتجات، وتأليف كتاب حقق مبيعات مرتفعة، ثم إرشاد آلاف النساء حول العالم، وصلت إلى قناعة واضحة: التوازن ليس حالة ثابتة يمكن الوصول إليها، بل عملية مستمرة ومتغيرة من التكيّف.

1

وتقول غودفري إن النساء يحملن على عاتقهن أكثر مما يُعترف به عادة. فهن يدِرن الأعمال، ويربين الأطفال، ويهتممن بالمنازل، ويرعين العلاقات، ويحاولن، وسط كل ذلك، إيجاد مساحة للعناية بأنفسهن أيضاً. وغالباً ما تكون هذه المساحة هي أول ما يتم التضحية به. وفي ظل هذا الكم من المسؤوليات، يصبح الضغط للقيام بكل الأدوار بإتقان وفي الوقت نفسه هائلاً، بينما تظل فكرة توزيع الوقت والطاقة بالتساوي بين جميع هذه الجوانب هدفاً غير واقعي، بل ومصدراً دائماً للشعور بالفشل.

وبالنسبة إليها، فإن الحياة لا تسير وفق معادلات ثابتة أو جداول متوازنة بشكل مثالي. فهناك مواسم مهنية تتطلب حضوراً كاملاً، سواء عند إطلاق مشروع جديد، أو مواجهة تحديات داخل الفريق، أو خلال مراحل النمو والتوسع، أو حتى في الأشهر الصعبة التي تحتاج إلى تركيز استثنائي. في هذه الفترات، من الطبيعي أن يستحوذ العمل على مساحة أكبر من الوقت والطاقة. وهذا ليس دليلاً على الفشل، بل انعكاساً لواقع تعيشه كل سيدة أعمال. وفي المقابل، تأتي مراحل أكثر هدوءاً، تمنح المرأة فرصة أكبر للحضور مع عائلتها وأطفالها، ولإعادة التواصل مع ذاتها.

ومن هنا، ترى غودفري أن المفتاح لا يكمن في تقسيم الذات بالتساوي بين كل شيء، بل في القدرة على الحضور الكامل في كل لحظة. فالوقت الحقيقي الذي يُقضى مع الأطفال أو العائلة، بعيداً عن الهاتف ومصادر التشتت، يحمل قيمة أكبر بكثير من ساعات طويلة يكون فيها الذهن منشغلاً في مكان آخر. فالأطفال، كما تؤكد، لا يحتاجون إلى كل وقت والدتهم، بل إلى وجودها الحقيقي عندما تكون معهم.

وهذا يقود إلى عنصر أساسي آخر في معادلة النجاح المستدام: الحدود الواضحة. فالحدود، في نظرها، ليست قواعد صارمة أو ممارسات قاسية، بل فعل احترام تجاه العمل والعائلة والنفس في آن واحد. ويتجلى ذلك في وضع أوقات محددة لا يكون فيها فريق العمل قادراً على التواصل إلا للحالات الطارئة فعلاً، أو تخصيص فترات أسبوعية للابتعاد الكامل عن متطلبات العمل، أو التعامل مع الوقت المخصص للأطفال والعائلة باعتباره وقتاً مقدساً لا يجوز المساس به. وهي أمور لا تحدث بالصدفة، بل تتطلب قرارات واعية وتصميماً مقصوداً.

العمل وفق الإيقاع الطبيعي للجسد

ومن بين القضايا التي ترى غودفري أنها لا تحظى بالنقاش الكافي في عالم الأعمال، تأتي العلاقة بين الهرمونات والأداء المهني للمرأة. فمعظم نماذج العمل الحديثة تفترض أن الجميع قادرون على العمل بالطاقة نفسها كل يوم من أيام الشهر، في حين أن الواقع مختلف تماماً بالنسبة للنساء.

وتشير إلى أن هناك فترات تشعر فيها المرأة بتركيز عالٍ وطاقة كبيرة واستعداد للإبداع والتواصل واتخاذ القرارات، وهي الفترات المثالية للخطوات المهمة مثل إطلاق المشاريع، أو عقد الاجتماعات المؤثرة، أو الظهور الإعلامي، أو بناء العلاقات المهنية. وفي المقابل، هناك مراحل أخرى تنخفض فيها مستويات الطاقة، ويصبح الجسد والعقل بحاجة إلى مزيد من الراحة والهدوء. وخلال هذه الفترات، قد يكون التخطيط، والأعمال الإدارية، والتأمل، والعمل خلف الكواليس أكثر انسجاماً مع الاحتياجات الطبيعية للجسم.

وترى أن فهم هذه الدورات والعمل بانسجام معها بدلاً من مقاومتها ينعكس بشكل مباشر على مستوى الإنتاجية والرفاه النفسي. فعندما تتوقف المرأة عن إجبار نفسها على الأداء بالمستوى ذاته في جميع الأوقات، ينخفض خطر الاحتراق النفسي، ويتراجع الشعور بالإرهاق والاستياء، وتصبح أكثر قدرة على التحكم في إيقاع حياتها المهنية والشخصية.

العناية بالنفس ليست رفاهية

وفي قلب كل ذلك، تضع غودفري مسألة العناية الذاتية باعتبارها ضرورة لا يمكن التفاوض عليها. فالكثير من النساء، وخصوصاً الأمهات، اعتدن على منح الأولوية للجميع قبل أنفسهن، وعلى تأجيل احتياجاتهن الشخصية إلى وقت قد لا يأتي أبداً. لكن هذا النهج، بحسب رأيها، لا يخدم أحداً على المدى الطويل.

فإذا وصلت المرأة إلى مرحلة الاحتراق والاستنزاف الكامل، فإن قدرتها على رعاية فريقها أو عملائها أو عائلتها ستتأثر حتماً. ولهذا ترفض غودفري النظر إلى العناية الذاتية بوصفها ترفاً أو تدليلاً، وتعتبرها شكلاً من أشكال الصيانة الضرورية للحفاظ على القدرة على العطاء والاستمرار.

وقد تتمثل هذه العناية في روتين صباحي يمنح بداية متوازنة لليوم، أو ممارسة الرياضة، أو موعد عناية يتم حجزه مسبقاً والالتزام به، أو تناول وجبة بهدوء، أو إعطاء النوم الأولوية التي يستحقها. فهذه الأمور ليست مكافآت تُمنح بعد الإنجاز، بل عناصر أساسية لاستدامة النجاح نفسه.

وتشدد على أهمية التخطيط لهذه المساحات مسبقاً قبل أن تمتلئ الحياة بالالتزامات، لأن الانشغال سيأتي دائماً، وإذا لم تكن العناية بالنفس جزءاً من الجدول مسبقاً، فستكون أول ما يتم التخلي عنه، رغم أنها غالباً أكثر ما تحتاجه المرأة في تلك اللحظات.

التحرر من الشعور بالذنب

وربما يكون الشعور بالذنب، في نظر غودفري، أحد أكبر العوائق التي تمنع النساء من الاعتناء بأنفسهن. ذلك الشعور الذي يتسلل إليهن كلما خصصن وقتاً للراحة أو للصحة أو للمتعة الشخصية، بينما لا تزال هناك مهام أخرى تنتظر الإنجاز.

إلا أنها ترفض هذا المنطق تماماً. فالمرأة ليست أماً أفضل لأنها مرهقة، وليست قائدة أكثر كفاءة لأنها ضحت بصحتها وراحتها. على العكس تماماً، تصبح أكثر صبراً كأم، وأكثر إلهاماً كقائدة، وأكثر إبداعاً كسيدة أعمال عندما تعتني بنفسها بالشكل الصحيح.

إعادة تعريف النجاح

في نهاية المطاف، تدعو كاتي غودفري النساء إلى التخلي عن الضغط المستمر الذي يفرض عليهن القيام بكل شيء، وفي الوقت نفسه الظهور وكأن الأمر سهل وبديهي. فالنجاح لا يعني حياة مثالية مصقولة بعناية، ولا يعني القدرة على التوفيق بين كل شيء في كل لحظة.

النجاح الحقيقي، كما تراه، يعني بناء عمل مزدهر دون تدمير الذات في الطريق إليه. ويعني أطفالاً يشعرون بأنهم محبوبون ومرئيون، وامرأة تعرف قيمتها جيداً، وتضع حدودها بوضوح، ولا تشعر بالحاجة إلى الاعتذار عن ذلك.

ولهذا تدعو النساء إلى التوقف عن قياس التوازن بمدى قدرتهن على تقسيم أنفسهن بالتساوي بين جميع الأدوار، والبدء بدلاً من ذلك في قياسه من خلال مستوى الوعي والتعمد في اختياراتهن اليومية. هل هن حاضرات عندما يجب أن يكنّ حاضرات؟ هل يضعن الحدود عندما يحتجن إليها؟ وهل يمنحن أنفسهن القدر نفسه من الرعاية الذي يمنحنه للآخرين؟

لأن امتلاك عمل ناجح، وحياة عائلية غنية، وعلاقة صحية مع الذات، أمر ممكن بالفعل. لكن ليس بالضرورة أن تتصدر هذه الجوانب جميعها المشهد بالدرجة نفسها وفي الوقت نفسه. وهذا، بحسب غودفري، ليس فشلاً في تحقيق التوازن، بل أقرب ما يكون إلى التوازن الحقيقي.

مسؤولة التحرير في النسخة الورقية من مجلة "هي" ومسؤولة قسم تطوير الذات في الموقع الإلكتروني.