خطوات بسيطة تساعدكِ على الشعور براحة أكبر أثناء العمل

٥ طرق تساعدكِ على الاستمرار في عملكِ دون إحتراق

هل مررتِ يومًا بذلك الصباح الذي تجلسين فيه أمام شاشة العمل وتشعرين أن طاقتكِ اختفت بالكامل، وأن الحماس الذي كان يدفعكِ يومًا ما لم يعد موجودًا؟ هذا الشعور ليس كسلًا كما قد تظنين، وليس ضعفًا أيضًا، بل هو ما يُعرف بالاحتراق الوظيفي، وهي حالة حقيقية اعترفت بها منظمة الصحة العالمية رسميًا ضمن التصنيف الدولي للأمراض.

لكن المطمئن في الأمر أن الاحتراق الوظيفي لا يعني بالضرورة أنكِ مضطرة لترك كل شيء أو البدء من جديد. ففي كثير من الأحيان، لا تحتاجين إلى تغيير جذري بقدر حاجتكِ إلى عادات صغيرة وأكثر وعيًا تعيد التوازن إلى علاقتكِ بالعمل، وتجعلكِ قادرة على الاستمرار من دون أن تفقدي نفسكِ وسط الضغوط اليومية.

١. ميّزي بين التعب الطبيعي والإرهاق الحقيقي

كيف تتجنبين الشعور بالاستنزاف وسط المسؤوليات اليومية
كيف تتجنبين الشعور بالاستنزاف وسط المسؤوليات اليومية

أولى الخطوات تبدأ بفهم ما تشعرين به فعلًا. فالإرهاق الوظيفي أو الـ Burnout لا يشبه يومًا مرهقًا أو أسبوعًا مليئًا بالمهام، بل هو حالة متراكمة من الضغط المستمر الذي لم تتم إدارته بالشكل الصحيح. هذه الحالة تبدأ بالإنهاك العاطفي، حين تشعرين أنكِ مستنزفة حتى قبل أن يبدأ يومكِ، ثم السلبية المتزايدة التي تجعلكِ تنظرين إلى عملكِ ببرود أو انفصال عاطفي، وصولًا إلى الشعور بانخفاض الكفاءة وكأن كل ما تقومين به لا يكفي أو لا يحمل قيمة حقيقية.

فهم هذه النقطة مهم جدًا، لأن كثيرات يتعاملن مع الإرهاق الحقيقي وكأنه مجرد مبالغة، فيواصلن الضغط على أنفسهن أكثر، بينما يؤدي ذلك في الحقيقة إلى تعميق المشكلة واستنزاف الطاقة بشكل أكبر.

٢. ضعي حدودًا واضحة

الحدود الصحية في العمل ليست تصرفًا أنانيًا كما يعتقد البعض، بل هي من أكثر الأشياء التي تحافظ على إنتاجيتكِ واستقراركِ النفسي. فقد أظهرت دراسة لجامعة ستانفورد أن الإنتاجية تبدأ بالانخفاض بشكل واضح عندما تتجاوز ساعات العمل 55 ساعة أسبوعيًا، وأن العمل الإضافي المستمر لا يمنح نتائج أفضل كما نتخيل.

وجود حدود واضحة لا يعني رفض كل ما يُطلب منكِ، بل يعني أن يكون لديكِ إطار يحمي طاقتكِ وقدرتكِ على الاستمرار. من المهم مثلًا أن تحددي وقتًا واضحًا لانتهاء يوم العمل، وألا تتحول الرسائل المسائية إلى امتداد دائم لساعات الدوام إلا في الحالات الضرورية فعلًا. كما يفيد كثيرًا أن تضعي لنفسكِ ثلاث أولويات أساسية كل يوم، تركّزين عليها بدل محاولة إنجاز كل شيء دفعة واحدة.

ومن الأمور التي تحتاج إلى تدريب أيضًا أن تتوقفي عن الموافقة الفورية على كل طلب. ومع الوقت ستكتشفين أن الحزم لا يتعارض مع اللطف أبدًا، وأن بإمكانكِ أن تكوني متعاونة وواضحة في الوقت نفسه من دون الشعور بالذنب.

٣. استعيدي علاقتكِ بالعمل

الاستمرار في العمل يحتاج إلى توازن لا إلى ضغط دائم
الاستمرار في العمل يحتاج إلى توازن لا إلى ضغط دائم

مع مرور الوقت، يتحول العمل لدى كثيرين إلى سلسلة متكررة من المهام اليومية، ويضيع تدريجيًا ذلك الإحساس الأول بالمعنى. لكن الشعور بأن ما تفعلينه مهم فعلًا يعد من أقوى العوامل التي تحمي من الاحتراق الوظيفي وتخفف أثره.

ويتحدث أستاذ علم النفس التنظيمي آدم غرانت كثيرًا عن فكرة “الوظيفة كرسالة”، أي أن يربط الإنسان بين ما يقوم به يوميًا وبين الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين. وحتى أكثر الوظائف روتينية يمكن العثور فيها على هذا المعنى إذا نظرتِ إليها من زاوية مختلفة.

حاولي أن تسألي نفسكِ سؤالًا بسيطًا: من الذي يستفيد مما أفعله كل يوم؟ ربما تكون عميلة تنتظر مساعدتكِ، أو طالبة تتعلم منكِ، أو فريقًا يعتمد على دوركِ حتى وإن بدا صغيرًا. اكتبي الإجابة لنفسكِ فقط، وستلاحظين كيف يعيد هذا السؤال ربطكِ بذلك الشعور القديم الذي جعلكِ تتحمسين لهذا الطريق في البداية.

٤. اجعلي الراحة جزءًا ثابتًا من يومكِ

نحن نعيش في ثقافة تعتبر الانشغال المستمر علامة نجاح، وتتعامل مع الراحة وكأنها شيء يجب أن نستحقه بعد الإنهاك الكامل. لكن الحقيقة أن الدماغ البشري لا يستطيع العمل بكفاءة طوال الوقت من دون توقف، بل يحتاج إلى لحظات راحة حقيقية حتى يستعيد تركيزه وإبداعه.

وتشير الأبحاث إلى ما يُعرف بالشبكة الافتراضية للدماغ أو Default Mode Network، وهي الحالة التي ينشط فيها العقل عندما نسترخي ونتركه يتحرك بحرية بعيدًا عن التركيز المستمر. والمفارقة أن كثيرًا من أفضل الأفكار والحلول تظهر خلال هذه اللحظات الهادئة لا أثناء الضغط المكثف.

الراحة لا تعني دائمًا السفر أو الانقطاع الكامل عن العالم، بل قد تكون في أشياء بسيطة جدًا مثل المشي لعشرين دقيقة في الخارج من دون هاتف، أو أخذ قيلولة قصيرة بين عشر وعشرين دقيقة، وهي عادة دعمتها أبحاث ناسا لتحسين التركيز والانتباه. كما يمكن أن تكون في قراءة شيء بعيد تمامًا عن مجال عملكِ، أو ممارسة نشاط يدوي تحبينه كالرسم أو الطبخ أو الحياكة.

الحفاظ على طاقتكِ النفسية جزء أساسي من نجاحكِ المهني
الحفاظ على طاقتكِ النفسية جزء أساسي من نجاحكِ المهني

٥. لا تحاولي تجاوز كل شيء وحدكِ

من أكثر الأسباب التي تزيد الاحتراق الوظيفي سوءًا الشعور بالعزلة. فحين نتعب، نميل غالبًا إلى الانسحاب وتحمل كل شيء بصمت، بينما يؤدي ذلك إلى تضخيم الضغط الداخلي أكثر فأكثر.

وجود شبكة دعم لا يعني أن تشاركي كل تفاصيلكِ مع الجميع، بل أن يكون لديكِ أشخاص محددون تشعرين معهم بالأمان والصدق. ربما تكون زميلة واحدة تستطيعين التحدث معها بصراحة عما تمران به، أو مديرة تثقين بأنها تدعم تطوركِ المهني ويمكنكِ فتح نقاشات حقيقية معها حول ضغط العمل.

وفي بعض الحالات، قد تكون الاستعانة بمختصة نفسية خطوة مهمة جدًا، خاصة إذا شعرتِ أن الإرهاق تجاوز قدرتكِ على التعامل معه وحدكِ. وهذا ليس ضعفًا أبدًا، بل من أكثر القرارات نضجًا ووعيًا بالنفس.

وقد أثبتت دراسة هارفارد الشهيرة عن السعادة، والتي استمرت لعدة عقود، أن جودة العلاقات الإنسانية تُعد من أقوى المؤشرات المرتبطة بالصحة النفسية والرضا عن الحياة، بما في ذلك بيئة العمل نفسها.

محررة في قسم المجوهرات واللايف ستايل