خاص هيَ: العرفج يعبر البحر… إطلالة كويتية تحمل رسالة الصمود إلى ختام مهرجان كان
في مهرجان بحجم كان السينمائي، تحتكر لحظات الافتتاح جانباً كبيراً من الاهتمام، بينما يحمل الختام رمزية موازية في الأهمية؛ فهو المشهد الأخير الذي يبقى عالقاً في الذاكرة بعد انطفاء الأضواء وإعلان الجوائز. وفي الدورة التاسعة والسبعين من المهرجان، اختارت الإعلامية الكويتية حصة اللوغاني أن تسجل حضورها الأول على السجادة الحمراء في هذه اللحظة تحديداً، عبر إطلالة كويتية متكاملة تحولت من مجرد ظهور رسمي إلى رسالة ثقافية عن الصمود والاستمرارية والهوية.
الإطلالة جاءت ثمرة تعاون جمع المصممة الكويتية فرح المسباح، ومنسق المظهر الكويتي مساعد الصقر، ودار المجوهرات “غويشة” من عبداللطيف الأربش في مبادرة انطلقت من رمز وطني يحمل مكانة خاصة في الوجدان الكويتي: زهرة العرفج، الشجيرة الصحراوية المعمرة التي تتفتح أزهارها الصفراء في الربيع، وتختزن في حضورها معاني الازدهار والقدرة على الاستمرار رغم قسوة البيئة.
في زمن تميل فيه السجادات الحمراء إلى استعراض البهرجة والقوة البصرية المباشرة، اختار الفريق الإبداعي طريقاً أكثر هدوءاً. لم تتحول زهرة العرفج إلى عنصر زخرفي ظاهر على الفستان، ولم تُترجم الفكرة عبر رموز مباشرة أو سرد بصري متوقع، وإنما سكنت داخل البناء نفسه؛ في حركة القماش، وفي انسيابه، وفي العلاقة بين الرقة والثبات.

تقول فرح المسباح: “العرفج زهرة رقيقة تنبت في بيئة تقاوم طبيعة مناخ الكويت الذي إما يكون قاسياً أو معتدلاً، وفي كل الظروف تستمر وتزدهر فيه. وهو اليوم رمز للمقاومة في الكويت أثناء إحدى ظروفها الصعبة، راغبةً بالسلام والاستمرارية.” ومن هذا المعنى انطلقت رؤيتها الإبداعية. وتضيف: “أردت أن يبدو الفستان هادئاً بصرياً، لكن يحمل داخله حضوراً قوياً وصامتاً، تماماً كما تحمل زهرة العرفج معنى المقاومة الهادئة في الصحراء الكويتية.”

استند التصميم إلى فستان “نقاء” من مجموعة “الآيات”، مع إعادة صياغة عناصره لتخدم السردية الجديدة. وتوضح المسباح: “بدأنا في دمج الفكرة مع فستان “نقاء” من مجموعة “الآيات” الذي مصدر إلهامه السلام الداخلي والروحانية ولونه الأبيض الذي يرمز للسلام، وغيرنا بعض تفاصيله ليجسد عناصر الصمود والاستمرار. فالانسياب الذي يعانق الصدر من غير أن يكون مشدوداً يرمز إلى الحماية ومرونة التكيف مع الظروف والإيمان الراسخ بقوة رموزنا، وأضفنا ذيلين ينسدلان من الكتف ومن حافة الفستان رمزاً للامتداد والصمود.”

جاء الفستان بلون أبيض نقي وبناء انسيابي متدفق، منفذ باستخدام ما يقارب ثلاثين متراً من الشيفون الحريري. بالنسبة إلى المسباح، كان اللون جزءاً من الرسالة بقدر ما هو قرار جمالي. تقول: “لطالما ارتبط اسم الكويت بصورة السلام والخير والإنسانية، ونقاء اللون الأبيض هو الأنسب لهذا المعنى.”
وتتابع موضحة العلاقة بين المادة والفكرة: “الدرابيه ورخاؤه وانسدال الذيل يعكس التمدد، لأن المرونة هي أساس التكيف، لذلك لم نجعل الدرابيه مشدوداً جداً على الجسم، واعتمدنا كثيراً على القص بالورب ليعطيه الرقة والمظهر الانسيابي الطبيعي.”
أما لون العرفج الأصفر فوجد طريقه إلى المجوهرات المصممة خصيصاً لهذه المناسبة. فقد صيغت القطع على هيئة أغصان مستوحاة من الزهرة الوطنية للكويت، تتدلى منها حبات اللؤلؤ في إشارة إلى أحد أكثر فصول التاريخ الكويتي عمقاً وتأثيراً. وتقول المسباح: “أردنا إبراز لون العرفج الأصفر في طقم المجوهرات الذي صُمم خصيصاً لهذا الحدث من دار “غويشة”. صُمم على شكل غصن من زهرة العرفج تتدلى منه قطع اللؤلؤ التي تمثل رمزاً عريقاً من تاريخ الكويت المرتبط بتجارة اللؤلؤ.”

بالنسبة إلى مساعد الصقر، لم يكن المشروع مجرد تنسيق لإطلالة على سجادة حمراء، وإنما محاولة واعية لتقديم صورة كويتية معاصرة من خلال تعاون محلي متكامل. فمنذ سنوات وهو يتابع الحضور العربي المتنامي في مهرجان كان، بينما كان يشعر بأن المساحة المخصصة للأسماء الكويتية ما زالت أقل من حجم ما تملكه الكويت من طاقات إبداعية.
يقول الصقر: “بدأت رحلتي المهنية قبل ثلاثة أعوام، ومنذ خطواتي الأولى ارتبط اسمي بمهرجان كان. أتيحت لي فرصة العمل مع عدد من النجوم العرب على السجادة الحمراء، لكنني كنت دائماً أشعر بأن الحضور الكويتي يحتاج إلى مساحة أكبر تليق بحجم المواهب والقصص التي نملكها.”
ومع الظروف التي عاشتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة، اكتسب المشروع بعداً أكثر عمقاً. يوضح الصقر: “عندما ظهرت فكرة العرفج شعرت أن المشاركة تحمل رسالة أكبر من مجرد ظهور على سجادة حمراء؛ رسالة تحية للكويت، لوحدتها الوطنية، وللقدرة على مواصلة الحياة والإبداع رغم التحديات.”
من هنا جاء الإصرار على أن تكون جميع عناصر المشروع كويتية الهوية. ويقول: “شعرت أن مشروعاً يحمل رسالة عن الكويت وصمودها يحتاج إلى أصوات كويتية في كل مراحله. لذلك كان من الضروري أن تكون الأزياء والمجوهرات والوجوه المشاركة جزءاً من هذه الحكاية.”
ولهذا وقع اختيار الصقر على فرح المسباح لتولي الجانب الإبداعي للأزياء. فبالنسبة إليه، كانت الفكرة تحتاج إلى مصممة تمتلك القدرة على تحويل الرموز الثقافية إلى لغة بصرية معاصرة تحافظ على عمقها ومعناها. ويقول: “كان اسم فرح المسباح من أوائل الأسماء التي فكرت بها. أعمالها تمتلك حساً سردياً واضحاً وقدرة على تحويل الفكرة إلى لغة بصرية راقية. كنت أبحث عن مصممة تستطيع ترجمة رمزية العرفج إلى إطلالة تحمل العمق الثقافي نفسه الذي انطلقت منه الفكرة، ووجدت ذلك في رؤيتها الإبداعية.”

هذا التقاطع بين رؤية الصقر واهتمامات المسباح الإبداعية منح المشروع تماسكه منذ البداية، إذ التقت الرغبة في تقديم رسالة وطنية مع خبرة مصممة اعتادت استلهام الطبيعة والذاكرة والثقافة وتحويلها إلى أعمال كوتور تحمل قصة واضحة خلف كل تفصيل.
كما جاء التعاون مع “غويشة” لترجمة العرفج إلى قطعة مجوهرات معاصرة تحمل الروح ذاتها. ويقول الصقر: “كنت أبحث عن شريك قادر على ترجمة الفكرة بروح معاصرة من دون أن يفقد ارتباطه بالهوية الكويتية، ولهذا وقع الاختيار على “غويشة”. ما يميز الدار أنها تحقق توازناً بين الحداثة والأصالة، وتقدم لغة تصميم معاصرة بمعايير عالمية تنطلق من الثقافة الكويتية نفسها.”
أما اختيار حصة اللوغاني، فكان قراراً يتجاوز الشهرة أو الظهور الإعلامي. فالفريق أراد شخصية تعكس صورة الكويت التي يحملها المشروع. يقول الصقر: “حصة اللوغاني تمثل جيلاً كاملاً من الإعلام الكويتي؛ مسيرة طويلة من المهنية والاحترام والحضور الراقي. هي شخصية يعرفها الناس بثقافتها وأخلاقها وقربها من المجتمع، ولذلك بدت الخيار الطبيعي لهذه اللحظة.”
ولم تقتصر المبادرة على استحضار الذاكرة الكويتية عبر وجه إعلامي راسخ، إذ سعى الفريق أيضاً إلى فتح نافذة نحو الجيل الجديد. من هنا وقع الاختيار على صانعة المحتوى والإعلامية مريم علي، التي أطلت بفستان من تصميم المصمم اللبناني “سعيد قبيسي” ومجوهرات من دار “غويشة”، في حضور يعكس الطموح المعاصر الذي يرافق استمرارية الجذور. ويوضح الصقر دوافع هذا الاختيار قائلاً: “أحببنا أن يجتمع جيلان في هذه المبادرة؛ حصة اللوغاني بصفتها وجهاً إعلامياً راسخاً في الذاكرة الكويتية، ومريم علي بصفتها صوتاً من الجيل الجديد يحمل طموحاً وحضوراً معاصراً. هذا اللقاء بين الخبرة والبدايات الجديدة يعكس صورة الكويت نفسها؛ بلد يحافظ على جذوره ويفتح المجال باستمرار للأصوات القادمة.”

بهذا الحضور المتكامل، اتسعت المبادرة لتصبح حواراً بين الذاكرة والتجدد؛ حواراً يعكس قدرة الهوية الكويتية على الانتقال بين الأجيال مع احتفاظها بروحها الثقافية والإنسانية.
هذا التصور انعكس أيضاً على طبيعة الإطلالة نفسها. فلم يكن الهدف تقديم صورة استعراضية للمرأة الخليجية أمام العالم، وإنما صورة تنتمي إلى واقعها وقيمها. ويوضح الصقر: “أردت أن تنظر أي امرأة كويتية إلى الصورة وتشعر أنها ترى جزءاً من نفسها، وأن يرى أي شخص هذه الإطلالة فيجد فيها ملامح أمه أو أخته أو إحدى نساء عائلته. لذلك ركزنا على الأناقة الهادئة والرقي الطبيعي.”
ولهذا اتجهت الرؤية نحو لوحة لونية ناعمة وخطوط منسابة تعكس معاني السلام والنقاء والكرم. ويضيف: “منذ البداية تخيلت ألواناً فاتحة ومضيئة؛ الأبيض أو الأصفر والوردي الفاتح. ألوان تحمل معاني السلام والمحبة والكرم، وهي قيم ارتبطت دائماً بصورة الكويت. لذلك كنت أعرف تماماً أنني أبحث عن فستان راقٍ وهادئ، يحمل حضوره بثقة ومن دون حاجة إلى المبالغة.”
ورغم أن الإطلالة ظهرت لساعات معدودة أمام عدسات العالم، فإن الرحلة التي قادت إليها امتدت عبر حوار طويل بين الموضة والهوية والذاكرة. ولهذا تختصر فرح المسباح جوهر المشروع بقولها: “أردنا تقديم صورة للكوتور الكويتي بلغة عالمية دون التخلي عن رموزه العاطفية والثقافية، بحيث تحمل الإطلالة روح الكويت وهويتها، ولكن برؤية معاصرة تليق بمشهد عالمي مثل مهرجان كان.”
وفي حديثها عن الجانب الشعوري للتصميم، تضيف: “ركزت كثيراً على عنصر الهدوء والأنوثة كما هدوء ورقة زهرة العرفج وهي تقاوم أصعب الظروف السياسية. أردنا أن يحتوي الفستان ثراءً بالحرفية التي تعكس خياطة الكوتور الراقية، وفي الوقت نفسه يظهر بروح السهل الممتنع.”
وتختم الرسالة التي جمعت جميع المشاركين في المشروع: “أردنا نحن كمبدعين كويتيين أن نوجه رسالة لصمودنا وحبنا للكويت ومزاولة عملنا رغم الظروف لنحيي الكويت دائماً وأبداً. تعاونت مع منسق المظهر مساعد الصقر وحصة اللوغاني ومجوهرات “غويشة” من عبداللطيف الأربش. جميعنا شاركنا معاً بالأفكار وفي تنفيذ هذه الإطلالة من الألف إلى الياء لتوصيل رسالتنا.”

في النهاية، تجاوزت المبادرة حدود الإطلالة الواحدة. فمن زهرة تنبت في الصحراء إلى لؤلؤة تحمل ذاكرة البحر، ومن فستان كوتور إلى قطعة مجوهرات صيغت خصيصاً لهذه اللحظة، اجتمعت مجموعة من الأصوات الكويتية لتروي الحكاية نفسها بوسائط مختلفة. وبين حصة اللوغاني ومريم علي، وبين رؤية فرح المسباح ومساعد الصقر وحرفية “غويشة”، اكتملت صورة أرادت أن تقدم الكويت كما يراها أبناؤها. وفي الليلة الأخيرة من مهرجان كان، وجد العرفج طريقه إلى العالم، حاملاً صورة بلدٍ يحفظ ذاكرته، ويمنح مساحته للأجيال القادمة، ويمضي بثقة نحو المستقبل.