حوار خاص لـ"هي" مع لوتشيا سيلفستري: الفن والحرفية في أحدث مجموعات "بولغري" الراقية
حوار: SOUHA HAMED
كشفت دار "بولغري" BVLGARI في ميلانو عن مجموعة المجوهرات الراقية ECLECTTICA وسط أجواء يملؤها الترقب، حيث صيغت قاعات فيلا "نيكي كامبيليو" كحوار حي بين الرسم والنحت والعمارة. في هذا المشهد الغامر، تحركت "لوتشيا سيلفستري" المديرة الإبداعية للمجوهرات والمسؤولة عن شراء الأحجار الكريمة لدى "بولغري"، بهدوء، تتابع تفاصيل عالم نسجته مع فريقها على مدى أشهر طويلة.

في حديثنا معها قبل العرض بساعات، اتجهت كلماتها نحو فكرة أعمق من مجرد أسلوب. تحدثت عن "منهجية" إبداعية تشكل جوهر "بولغري". هكذا تصف ECLECTTICA كرؤية تنبع من عمق هُوية الدار، حيث يتحول التنوع إلى تناغم، وتلتقي التباينات في صياغة جمالية واحدة.
في قلب هذه الرؤية، يبرز موقع "لوتشيا سيلفستري" الاستثنائي، حيث تلتقي المعرفة الدقيقة بعالم الأحجار الكريمة مع الحس الإبداعي، في دور مزدوج يبدأ من اختيار الحجر، وينتهي بصياغته داخل التصميم. يمنحها هذا القرب علاقة مباشرة مع كل حجر كريم منذ لحظة اكتشافه، قبل أن يتحول إلى قطعة تحمل بصمة الدار.
تقول: "بالنسبة إلي، إكليتيكا هي الطريقة الأكثر دقة لوصف بولغري"، وفي كلماتها يتضح معنى الاسم الذي يشير إلى الانتقائية، وهي منهجية تنبثق من هُوية الدار، حيث تتلاقى مصادر الإلهام المختلفة ضمن لغة واحدة. ومن هنا، تتشكل فكرة "الحرفية الفنية"، حيث تتحول المجوهرات إلى أعمال تنبض بالإحساس، تتوازن فيها الجرأة مع الإتقان في انسجام دقيق، مدفوع بقدرات تقنية تدفع حدود الممكن في كل تفصيل.

تبدأ كل حكاية لحظة لقاء "سيلفستري" بالحجر الكريم، وتشير إلى أن تلك اللحظة تحمل شيئا من الحدس، وهي شيء يتجاوز الوصف. تقول: "هناك طاقة كبيرة.. نوع من العلاقة يبدأ بيني وبين الحجر". ومع هذا الإحساس يبدأ الخيال بالتكوّن، ويتحول تدريجيا إلى صورة تتشكل بهدوء، إلى حلم بكيفية استخدام هذا الحجر، وبكيفية إبراز جماله بصفتها هدية من الطبيعة، قبل أن يتخذ مكانه داخل التصميم.
هكذا ولد عقد SECRET GARDEN، انطلاقا من حجر صفير بادبارادشا استثنائي يتجاوز وزنه 26 قيراطا. تستعيد "سيلفستري" تلك اللحظة قائلة: "كان حبا من النظرة الأولى.. توازن لونه بين الوردي والبرتقالي استثنائي بكل معنى الكلمة". وتشير إلى أنه من أندر أحجار البادبارادشا في العالم من حيث الحجم والجودة. وحول هذا الحجر، نسجت بقية العناصر حضورها بهدوء، زمرد يتألق بعمقه وصفير بنفسجي يضيف تدرجا لونيا غنيا ولمسات من العقيق اليماني تمنح التصميم توازنا بديعا ضمن تصميم دقيق يستحضر حدائق روما المخفية في ترجمة مباشرة لفكرة الرسم بالأحجار الكريمة.
ومع هذا القرب المستمر من الأحجار، يبقى عنصر الدهشة حاضرا في وجدانها. بعد 4 عقود من العمل، تصف "سيلفستري" إحساسها ببساطة لافتة، وتتحدث عن دهشة تتجدد في كل مرة، حيث تظل الألوان والضوء والتفاصيل الصغيرة قادرة على مفاجأتها كما لو كانت تراها للمرة الأولى.
تتجلى خبرتها أيضا في القرارات التي تتخذها حول الأحجار نفسها، حيث يتقدم عنصر الجمال والتوازن على أي اعتبار آخر، حتى لو تطلب ذلك إعادة قص الحجر. تستعيد تجربة خاصة مع الماسة التي ترصع سوار SERPENTI INFINIA، حيث لفتها شكل حجر ماس خام بدا مسطحا نسبيا، لكنه حمل في خطوطه ما يشبه شكل رأس الأفعى. دفعتها هذه الفكرة إلى اقتراح إعادة قطعه ليحاكي هذا الشكل إلا أن المورد تفاجأ بهذا الطلب غير التقليدي لكن النتيجة كانت حجرا استثنائيا بلون D ونقاء داخلي كامل، في تكوين فريد يجسد الفكرة بشكل دقيق. وتشير "سيلفستري" إلى أن الصاغة عادة يسعون إلى الحفاظ على أكبر وزن ممكن للأحجار الكريمة عند قطعها وصقلها، بينما هي تفضل إعادة صياغة الحجر بما يعزز أناقته وجماله، وإن كان ذلك على حساب حجمه لمصلحة تعزيز الإشراقة والجاذبية.
ومن هنا تمتد هذه الرؤية نحو عوالم الفن التي تشكل أساس المجموعة. ينساب الرسم في الألوان التي تطل بها الأحجار الكريمة المختلفة، فيما يضفي النحت أبعادا تتفاعل مع الضوء والظل، وتمنح العمارة هذا التكوين إيقاعه وتوازنه، حيث تتناغم الخطوط وتستقر النسب في هدوء مدروس.
تظل روما حاضرة في الخلفية كإحساس مستمر، مدينة تتراكم فيها الطبقات التاريخية والمعمارية وتتداخل فيها الفنون، فتترك أثرها في كل تفصيل من دون أن تفرض نفسها بشكل مباشر.
ومن داخل هذا النسيج، يتشكل التناغم كإحساس يربط كل عنصر بالآخر، يمتد من الحجر إلى التصميم، ومن الحرفية إلى الحركة. ولا ينحصر هذا التناغم على الشكل فقط، بل يمتد إلى الإحساس الذي تمنحه القطعة عن التزين بها، إلى توازنها، ووزنها، وطريقة استقرارها على الجسد. يظهر ذلك في عقد التشوكر ECLECTIC EMBRACE، حيث يستقر حجر زمرد كولومبي عيار 10.12 قيراط في قلب تكوين هندسي مستوحى من قصر "ساميزانو"، بينما تتدرج طبقاته بانسيابية غير متوقعة، وكأنها تتحرك مع الجسد بدل أن تقيده.
ومع هذا الإحساس بالحركة، تتوسع الفكرة نحو قابلية التحول، حيث تعيش القطعة أكثر من شكل، وأكثر من حضور. تظهر هذه الرؤية في 14 قطعة تتيح طرقا متعددة للارتداء، ضمن مجموعة تضم أكثر من 150 قطعة مجوهرات راقية، من بينها 50 قطعة تندرج من فئة "المليونير"، في إشارة إلى قيمتها الاستثنائية وندرة أحجارها.
تتعدى قابلية التحول إتاحة خيارات جمالية لتمتد إلى كونها تحديا تقنيا دقيقا يتطلب تطوير آليات تضمن السلاسة والثبات والراحة في آن واحد، في عمل مشترك بين المصممين والحرفيين يدفع الحرفية إلى مستويات متقدمة.
وفي هذا الإطار، يمكن التزين ببعض القطع بأشكال مختلفة، كما في عقد RENAISSANCE OPUS الطويل الذي يستحضر فخامة عصر النهضة ومستلهم من أعمال كبار فنانيه مثل "رافاييل" و"بوتيتشيلي". يتكون العقد من سلسلة طويلة من الذهب الأصفر تتلألأ بالماس والزمرد والجمشت والفيروز، وقد صممت له 3 حلي يمكن تبديلها، لتسمح بالتزين بها وبالعقد بأشكال مختلفة. تحتضن الأولى زمردة كولومبية نادرة يزيد وزنها على 170 قيراطا، فيما تستوحي الثانية تصميمها من نوافذ الورود الزجاجية وزخارف الفسيفساء الرومانية. أما الثالثة، فيبرز فيها حجر فيروز بقطع لوزي، قطع وصقل بهذا الشكل خصيصا تحت إشراف مباشر من "سيلفستري"، في انعكاس دقيق لعلاقتها المتفردة بالأحجار الكريمة.

عيار 10.12 قيراط في قلب تكوين هندسي مستوحى من قصر "ساميزانو"


وفي عقد SERES SCARF تبلغ هذه الفكرة ذروتها، حيث تتحرك القلادة كوشاح من الحرير، تتداخل فيه أحجار الصفير والزمرد مثل الشريط المنسوج، فيما يمكن تعليق حجر الياقوت المركزي، عياره 31.90 قيراط، على امتداد القطعة بحرية في تصميم يفتح المجال أمام تجربة متجددة في كل مرة.
ويمتد هذا الإحساس بالحيوية إلى تصاميم SERPENTI، حيث يتخذ سوار SERPENTI SPIRA العريض شكل حركة متواصلة، تخفي داخلها تعقيدا تقنيا دقيقا. يعد هذا التصميم من أكثر القطع تحديا من حيث التنفيذ، إذ صيغ بطريقة تتيح تمدده حول المعصم من دون أي مشبك، في بنية مرنة ومعقدة في آن واحد. وعند شده لا يظهر أي أثر للبنية الداخلية، فلا نرى سوى أجزائه المرصعة بالكامل بالماس. وتصفه "سيلفستري" بأنه "فن في صيغة قابلة للارتداء". يتألف السوار من 340 عنصرا، وهو مرصع بالماس الأبيض والأصفر وبماسة صفراء عيار 5.08 قيراط.
عند هذه النقطة، تتقاطع كل هذه المسارات داخل قطع "كابولافوري" التسع، التي تحمل صفتها من الكلمة الإيطالية التي تشير إلى العمل الفني المتقن أو التحفة الاستثنائية. وفي عالم "بولغري"، يتجاوز هذا المفهوم حدود الندرة أو الحجم، ليعكس تلاقي الرؤية الإبداعية مع أعلى درجات الحرفية، حيث يصبح كل تفصيل جزءا من بناء متكامل يجمع بين الجرأة والدقة. وفي "إكليتيكا"، تعبر هذه القطع عن ذروة هذا التعبير، حيث تتجسد فيها مستويات استثنائية من التعقيد الفني وندرة الأحجار الكريمة وحرية التصميم. ومع ذلك، يمتد ذلك الإحساس إلى كل قطعة في المجموعة، فكل منها تعكس التلاقي بين الفن والحرفة، وبين الفكرة والتنفيذ، وتجسد ما تصفه الدار بتعبير "الحرفية الفنية".