من يملك مفاتيح الحالة الأيقونية... بين ريشة الرسام ومقص المصمم وسحر الملهمة
إعداد: Nora AlBesher
في زمن السرعة، صار اللقب يُمنح بالاندفاع عينه الذي تُستهلك به الصورة. تكفي لحظة رواج، مقطع واسع الانتشار، إطلالة تصعد ثم تهبط، حتى يُفتح باب الأيقونية على مصراعيه. غير أن الأيقونة تولد عبر زمن، وتُسلَّم بوصفها استحقاقا عن الحضور. الأيقونة بناء شاق، طويل النفس، تحكمه معادلة أكثر قسوة من النجاح وأكثر تعقيدا من الشهرة: استمرارية تقاوم الاستهلاك، لغة بصرية تُعرف من أول نظرة، وأثر يتجاوز صاحبه ليصبح مرجعا يعود إليه الآخرون كلما أرادوا فهم الذروة.
من هذا المنظور، يعود سؤال الأيقونية سؤالا عن الرسوخ عوضا عن الشعبية. ما الذي يجعل فنانا، أو مصمما أو رساما أو منسق صورة ينتقل من خانة الإلهام إلى مرتبة المرجع؟ ما الذي يجعل حضوره محفوظا في أرشيف الذاكرة، وفي تاريخ الصناعة، وفي وعي الأجيال التالية؟ الجواب يبدأ حين تتوقف الموهبة عن كونها ومضة، وتتحول إلى نظام كامل من الانضباط، والهُوية، والقدرة على إنتاج معنى متجدد دون التفريط في الجوهر.

محمد آشي يقدم هذا المعنى بوضوح نادر. الرجل أسس داره في عام 2007، ثم راكم مسيرته بصبر الحِرَفي، إلى أن دخل في يوليو 2023 التقويم الرسمي لأسبوع الهوت كوتور في باريس بصفة عضو ضيف ضمن اتحاد الأزياء الراقية، بوصفه أول مصمم من الخليج يُدعى إلى هذا الموقع التاريخي. هذه اللحــظــــة كانت إعــــلانـــــا صــــريــحـــا عــــن وصول لغة سعودية إلى أعلى منصة حرفية في الموضة العالمية، بعد سنوات من البناء المتدرج بعيدا عن القفزات المصطنعة.
قيمة آشي تستقر في طبيعة لغته إلى جانب ضخامة ذلك البــــعد التمثــــــيلي. تصاميمه تبتعد عن إرضاء العين بسرعة، وتعمل بمنطق الندرة البصرية. هناك اقتصاد محسوب في الخط، سيطرة محكمة على الحـجــــم، وتـــوتــــر جمــيــــل بيـــــن الصرامة والهشاشة. فساتينه تبدو أحيـــانـــــا مثل منحوتات خرجت من صلب الكوتور ثم قررت أن تتحرك. هذا النوع من العمل هو ما يصنع الأثر: حين تكون القطعة جميلة وقابلة للتذكر، وقادرة على ترسيخ صورة في الوجدان العام.
لهذا يتخذ حضوره على السجاد الأحمر صيغة الامتداد الطبيعي لمسيرته، نتيجة منطقية لمسار تصاعدي محكوم بالوعي البصري والانضباط. منذ موسم الأوسكار 2025، بدأ خط متصل من الحضور عالي الكثافة، حيث تحولت تصاميم Ashi Studio إلى خيار مفضل داخل أكثر منصات الصورة العالمية حساسية وتأثيرا. في تلك اللحظة، ظهرت "كايلي جينر" في حفل Vanity Fair بإطلالة من الدار، وانضمت إليها "آنا كندريك" ضمن الحضور عينه، بينما اختارت "ميغ رايان" فستانا أحمر من توقيع الدار على سجادة الأوسكار، وفق تغطيات الموسم.

تصوير Brendon Thorne بواسطة Getty images
هذا التكرار يُقرأ علامة على تحوّل في موقع الدار داخل معادلة الاختيار. ومع امتداد هذا الحضور حتى اليوم، ارتدت بعض أكثر النجمات لمعانا تصاميم آشي، من "مارغو روبي" إلى "تيانا تايلور" و"زندايا"، ضمن سلسلة إطلالات رسخت اسمه في الوعي البصري المعاصر. الصحافة العالمية بدأت تتعامل معه بوصفه المصمم المفضل للنجمات، توصيف يتشكل عبر تكرار الاختيار في أكثر اللحظات خضوعا للتدقيق.
المعادلة هنا واضحة، النجمة تبحث عمن يمنحها صورة تعرف طريقها إلى الذاكرة قبل أن تلامس العدسات. آشي يكتب هذه الصورة بهدوء الواثق، ويبني حضورا يتجاوز اللحظة، ويترك أثرا يستمر، يشبه صدى يتردد بعد انطفاء الضوء.
الأيقونية عند آشي تنبع أيضا من حقيقة أكثر عمقا: أنه تمسك بهُويته حتى وهو يصعد. كثيرون يصلون عبر التخفف من أنفسهم. آشي فعل العكس. شدد لغته، وصقلها، ورفعها إلى مستوى يجعلها أكثر صفاء كلما اتسعت شهرته. من هذه النقطة تحديدا، يصبح أثره وطنيا وفنيا معا. فحين يدخل مصمم سعودي هذا المجال من بابه الأعلى، بجدارة فنية صلبة، فهو يحقق إنجازا يتجاوز الشخصي، ويعيد ضبط صورة المنطقة داخل خريطة الفخامة العالمية.

وعلى ضفة أخرى من الفعل البصري، تبرز نورة سحمان مثالا مختلفا على السيادة ذاتها. الرسم التوضيحي في عالم الموضة كثيرا ما يُدفع إلى الهامش، على الرغم من أنه أحد أكثر الحقول قدرة على حفظ روح العصر. الرسام الحقيقي يلتقط نبرة الثوب، ووزنه الثقافي، وطريقته في الوقوف داخل الزمن. هذه هي المنطقة التي تجعل من الرسمة وثيقة، ومن الأسلوب ذاكرة. حين تمتلك الفنانة يدا يمكن تمييزها من أول ضربة، وحين تتحول خطوطها إلى توقيع مستقل، تبدأ الأيقونية في التكوّن بهدوء عميق.

نوره تنتمي إلى هذا الخط. ما تفعله يتجاوز تصوير الأزياء، ويمر عبر ترشيح الثقافة في هيئة بصرية واضحة ومتماسكة. الزي التقليدي عندها يظهر صياغة حية قابلة للاستمرار. وهذا فارق جوهري. الأيقونة تعيد تقديم الماضي بصفته مادة مستمرة للحياة. لذلك فإن قيمة الرسام في هذا السياق تماثل قيمة المصمم؛ كلاهما يكتب ذاكرة الشكل، أحدهما بالقماش، والآخر بالخط.
وفي تعليق حصري لمجلة "هيَ" تعقيبا على منحها لقب الأيقونة، تقول:
"أعتز بهذا التقدير كثيرا. الأيقونية بالنسبة إلي نتيجة لعمل صادق ومستمر. ترتبط الأيقونية بالوفاء للجذور، مع القدرة على التطور من دون فقدان الجوهر. من خلال الرسم، والتصميم، والإخراج الإبداعي، أحاول أن أُوثّق ثقافتنا بطريقتي الخاصة، أحيانا بلغة معاصرة، وأحيانا ببساطة أقرب مع حرص دائم على الحفاظ على الأصالة، بحيث تبقى ثابتة مهما اختلفت طريقة التعبير. وأُظهرها في أعمال تحمل ذاكرة المكان، وتعيش في الحاضر، جزءا من سردٍ بصري يوثّق الحياة ويحفظ تفاصيلها للزمن. هذا التقدير يذكرني بأن أكون أكثر وعيا بما أقدّمه، وأكثر التزاما بصوتي الخاص، وأن أستمر في تقديم أعمال مستدامة تعبر عن هُويتي وعن المكان الذي أنتمي إليه، ببساطة وصدق".

ثم يأتي ثنائي "لو روتش" و"زندايا" بوصفه الدليل المعاصر على أن الأيقونية قد تُصنع أيضا داخل علاقة إبداعية. "لاو روتش" حمل لقب مهندس الصورة في أكثر من سياق ثقافي، وهو وصف لمهنته كما مارسها فعليا، كان يبني صورا كاملة، لكل واحدة منها مفهومها وسرديتها ووظيفتها. وعندما أُعلنت "زندايا" أيقونة للموضة من قبل مجلس مصممي الأزياء في أمريكا عام 2021، كانت أصغر من نال هذا اللقب في تاريخ الجائزة، وهو تتويج أتى من تراكم بصري واعٍ تشارك في بنائه هذا الثنائي على مدى سنوات.
قوة هذا الثنائي تكمن في تحويل الظهور العام إلى فعل معنى. كل إطلالة عندهما تبدو جزءا من مشروع أكبر: استعادة أرشيف، أو قلب مرجع، أو إعادة كتابة علاقة النجمة بجسدها، أو بعملها، أو بالحدث الذي تحضره. لذلك جرى ربط اسميهما بمفهوم الأسلوب المنهجي في الأناقة في الخطاب المعاصر، حيث تتحول الأزياء إلى امتداد سردي للشخصية التي تُجسَّد. هذا ما يرفع التعاون من حدود النجاح إلى مرتبة التأثير. فالأيقونية هي القدرة على تحويل الصورة إلى خطاب.

وفي سياق الحديث عن هذه العلاقة، يظهر مفهوم آخر أكثر خفاء يحكم بنيتها من الداخل: الولاء. عند سؤاله عنه في إحدى المقابلات، لم يحتج "لو روتش" إلى تعريف مطوّل، اكتفى باسم واحد: "زندايا". يروي كيف دافعت منذ بداياتها عن حضوره في كل مساحة تفاوض، حتى داخل اجتماعات الوكلاء والصفقات، حيث يُستبعد دور منسق المظهر عادة. تلك الإشارة المبكرة ترسّخ موقعه داخل معادلة القرار، وتعيد تعريف دور منسق المظهر من عنصر تجميلي إلى شريك في صياغة المسار. ويستعيد كيف أصرت على أن يكون حاضرا في كل غرفة، حتى تلك التي تُدار فيها الصفقات خلف الأبواب المغلقة، حيث يغيب هذا الدور عادة. يصف الأمر قاعدة غير مكتوبة في علاقتهما: "كانت دائما تصر أن أكون موجودا في كل غرفة.. في كل غرفة. فكرة أن يذهب أحدهم للحديث مع وكيله عن الصفقات من دون وجود منسق المظهر تبدو مستبعدة". من هذه اللحظة، يتحول الدور من تنسيق مظهر إلى مشاركة في اتخاذ القرار، ومن حضور بصري إلى موقع داخل البنية نفسها.
يعود إلى وعد شخصي بدأ عند الـ13، التزام بالدعم تحوّل مع الزمن إلى صيغة قرابة تتجاوز المهنة. يصفها أحيانا في مكانة الأخت الصغرى، ضمن علاقة تحمل قدرا من التواطؤ الإنساني بقدر ما تحمل من الصرامة المهنية. هنا يتجسد الولاء قيمة نادرة داخل صناعة سريعة الاستهلاك، قيمة تُبنى عبر الزمن وتُختبر في التفاصيل غير المرئية، حتى تستقر في تعريف مباشر: عائلة.

حتى قرار "لو روتش" بالابتعاد عن التنسيق في مارس 2023 أبقى هذه المعادلة قائمة. ظل ارتباطه بـ"زندايا" نقطة ثبات، واستمرت هذه الشراكة نموذجا حيا على أن الأيقونية تُختبر في الاستمرارية أكثر مما تُقاس في اللحظة. لأن الأيقونة تتشكل في القدرة على مواصلة إنتاج المعنى بعد تغير الظروف، وتبدل السوق، وتعب الصناعة من نفسها.
من هذه الأمثلة الثلاثة تتضح المعادلة. الأيقونية نتيجة تواطؤ نادر بين الموهبة والانضباط والزمن. تحتاج إلى صوت بصري واضح، إلى استمرارية تقاوم ضوضاء اللحظة، وإلى أثر يبقى صالحا للرجوع إليه بعد انطفاء المناسبة. محمد آشي يحققها عبر الحرفة والسيطرة على الشكل. نورة سحمان تحققها عبر الذاكرة المرسومة. لاو روتش وزندايا يحققانها عبر شراكة حوّلت الصورة إلى مشروع ثقافي كامل.
من يصل إلى هذه المرتبة يتحول إلى مرجع. وهذه هي النقطة الفاصلة كلها. فالمُلهم يفتح بابا، أما الأيقونة، فتغيّر شكل المبنى نفسه.