"عسى أن لا تجف دموعكم"… الجناح السعودي في بينالي البندقية للفنون 2026 يحول الأطلال إلى تجربة معاشة

"عسى أن لا تجف دموعكم"… الجناح السعودي في بينالي البندقية للفنون 2026 يحول الأطلال إلى تجربة معاشة

6 مايو 2026

من قلب مدينة القنوات التاريخية، وفي النسخة الـ61 من بينالي البندقية للفنون، يرتفع الجناح الوطني السعودي كواحة فنية استثنائية، تندمج فيها هشاشة الأرض وصلابة الذاكرة.

الجناح السعودي في بينالي

فلسفة الأطلال: حين تغدو المسافات صوتاً

في هذا العام، يتجاوز الجناح السعودي فكرة العمل الذي ينظر إليه من بعيد، ليصبح مساحة مأهولة بالجسد والروح. تقود دانا عورتاني، وتشرف على الجناح إلى جانب الفنانة، القيمة الفنية أنطونيا كارفر، مديرة مؤسسة "فن جميل"، بمساعدة حفصة الخضيري. برؤية متفردة، لمواجهة مفهوم "الأطلال"؛ تلك المساحات التي لا نراها كبقايا صامتة، بل ككيانات حية تنبض بأنفاس من عبروا من خلالها. 

وباسم يحمل شجن القصائد العربية القديمة: "عسى أن لا تجف دموعكم يا من بكى على الأطلال"، يستند إلى مواقع أثرية تواجه خطر الاندثار، بعضها ما يزال مأهولًا بالسكان، وبعضها الآخر تحول إلى أطلال تصنفها مؤسسات دولية مثل اليونسكو وALIPH ضمن المواقع المهددة. لكن العمل لا يتعامل مع هذه المواقع من زاوية التوثيق المباشر أو الحنين البصري المعتاد، بل يحاول إعادة بناء الإحساس بها من خلال المادة نفسها: الطين.

اللافت في التجربة أن الجناح لا يقدّم “أثرًا” بالمعنى التقليدي، بل يعيد التفكير في معنى الأثر أصلًا. ماذا يعني أن يبقى المكان حيًا رغم التهديد؟ وكيف تتحول العمارة الشعبية والزخارف المحلية إلى لغة معاصرة قادرة على مخاطبة جمهور عالمي داخل واحدة من أهم المنصات الفنية الدولية؟

الجناح السعودي في بينالي

بصريًا، يعتمد العمل على امتدادات طويلة ومسارات مفتوحة تجعل الزائر يتحرك داخل العمل بدلًا من الوقوف أمامه. هذا الامتداد يمنح التجربة طابعًا تأمليًا، ويحوّل المشي نفسه إلى جزء من القراءة الفنية. أما الزخارف الأرضية والتكوينات الهندسية فتبدو كأنها تستخرج طبقات من الذاكرة العربية والإسلامية، دون أن تقع في إعادة إنتاج فولكلورية مباشرة.

ملحمة الأرض بأيدي الحرفيين

يتجسد العمل في تكوين معماري مهيب، حيث تروي 29 ألف طوبة طينية حكاية الأرض والإنسان. صُنعت هذه القطع يدوياً بالتعاون مع حرفيين مهرة من جبال المملكة، وجُففت تحت أشعت شمسها لتصبح المادة نفسها حاملةً لذاكرة الجغرافيا. وفي لفتة تقديرية تعكس رقي الرسالة، وثقت عورتاني أسماء هؤلاء المبدعين على جدار الجناح، تأكيداً على أن الفن السعودي هو نتاج شراكةٍ إنسانيةٍ حقيقية.

 يتحرك بعيدًا عن فكرة “تمثيل الهوية” بالشكل التقليدي، ويتجه أكثر نحو مساءلة العلاقة بين الإنسان والمكان والزمن. وهو ما يظهر أيضًا في الإشراف الفني للقيم أنطونيا كارفير، وبمشاركة القيم الفني المساعد حفصة الخضيري، حيث يتعامل المشروع مع التراث بوصفه مادة قابلة لإعادة القراءة والتجربة، لا مجرد أرشيف ثابت.

حفصة الخضيري: تجربة تُبنى وتُختبر

وفي كواليس هذا المشهد المهيب، تبرز الرؤية التنظيمية والسردية التي تشرف عليها القيّمة الفنية المساعدة حفصة الخضيري، بالتعاون مع أنطونيا كارفر. وفي حديثها لـ "هي" في مقابلة سابقة كشف الخضيري أن الجناح ليس مجرد هيكل، بل هو اختبار لـ "وضوح الرسالة"، قائلة: "منذ لحظة دخول الزائر وحتى خروجه، يجب أن يفهم القصة بصرياً ومفاهيمياً؛ فهي قصة متعددة الطبقات، مليئة بالجذب العاطفي والفكري".

الجناح السعودي في البندقية 2026

تؤمن الخضيري بأن الجناح السعودي لطالما تمحور حول "سرد القصص الإنسانية"، ومع دمج ممارسة دانا عورتاني التي تركز على معالجة الجروح الناتجة عن الدمار الثقافي، وُلد جناحٌ يروي قصة الوجود بما يتجاوز اللحظة الواحدة، ليكون شاهداً على تواريخنا المشتركة. تضيف حفصة بلمسة من الشغف: "آمل أن يشعر الزوار بلحظة من الدهشة والجمال".

دانا عورتاني.. صوت يصدح بالعالمية

رسخت دانا عورتاني مكانتها كأحد أبرز الأسماء السعودية في المحافل الدولية بعد حضورها القوي في بينالي أوزبكستان 2025، تعود اليوم إلى البندقية لتقدم لغة معاصرة قادرة على مخاطبة النخبة الفنية العالمية. حيث تعيد صياغة العمارة الشعبية والزخارف الهندسية بعيداً عن القوالب التقليدية، محولة "المشي" داخل الجناح إلى طقس تأملي يجعل الزائر يكتشف ما الذي يبقى فعلاً عندما يختفي المكان.

محررة ثقافية تهتم برصد التحولات الإبداعية في السعودية، وتوثيق التراث والإنجازات الوطنية للمرأة.