ما الذي يجعلكِ تؤجلين دائمًا؟.. علم النفس يكشف حقائق صادمة وكيفية التغلب عليها

ما الذي يجعلكِ تؤجلين دائمًا؟.. علم النفس يكشف حقائق صادمة وكيفية التغلب عليها

هل شعرتِ يومًا أنكِ تقفين أمام جبل من المهام، تتأملين القمة البعيدة، وتهمسين لنفسكِ: "سأبدأ غدًا"؟ ثم يأتي الغد وتجدين نفسكِ في نفس النقطة، تحملين هموم الجميع، تراعين مشاعر الآخرين، تنظفين وتُعدين وتخططين للكل إلا لنفسكِ.

إذا كانت إجابتكِ بـ"نعم"، فلا تنزعجي. لأنكِ لستِ كسولة، ولستِ ضعيفة الإرادة؛ بل ما تشعرين به له اسم في علم النفس، وله أسباب عميقة قد تصدمكِ: إنه التسويف الأنثوي، الذي لا ينبع من فراغ، بل من طفولة كُتب لكِ فيها أن تكوني "فتاة مثالية"، ومن مجتمع يطلب منكِ المستحيل: أن تكوني أم عطوفة، زوجة مثالية، موظفة متميزة، ربة بيت منظمة، وفي نفس الوقت تبدين كما لو أنكِ لم تبذلي أي جهد!

لذا، أنا معكِ اليوم لأكشف لكِ عبر موقع "هي" عن الحقائق الصادمة التي يخفيها عقلكِ عنكِ: لماذا تؤجلين الرد على رسالة مهمة حتى تشعري بالذنب؟ لماذا الورقة البيضاء أمامكِ تتحول إلى وحش يفترس تركيزكِ؟ ولماذا في بعض أشهر السنة يصبح الكون كله ثقيلًا على قلبكِ؟. وذلك من خلال مخرج عملي، لا يحتاج منكِ أن تصبحي سوبر وومان، بل أن تفهمي خريطة دماغكِ التي رسمتها التوقعات الاجتماعية وآلاف السنين من التربية.  لذا، استعدي لاكتشاف أسرار نفسكِ التي يخفيها عقلك الباطن عمدًا؛ فربما بعد هذه القراءة، سيكون "الغد" مختلفًا حقًا، بناءً على توصيات استشارية الطب النفسي الدكتورة لبنى عزام من القاهرة.

تأجيل المرأة لمهامها سلوك مكتسب وليس سمة ثابتة

تأجيل المرأة لمهامها سلوك مكتسب وليس سمة ثابتة
تأجيل المرأة لمهامها سلوك مكتسب وليس سمة ثابتة

ووفقًا للدكتورة لبنى عزام، يشير علم النفس إلى أن ظاهرة التأجيل (المماطلة) لا تقتصر على جنس معين، لكن توجد عوامل نفسية واجتماعية قد تجعل بعض النساء أكثر ميلاً للتأجيل في سياقات معينة؛ أبرزها:

أسباب نفسية رئيسية

  • الكمالية المفرطة: تميل بعض النساء للسعي نحو الكمال خوفًا من النقد، ما يؤدي ذلك لتأجيل المهام خوفًا من عدم تحقيق المعايير المثالية.
  • القلق من التقييم: تشير الأبحاث إلى أن النساء قد يُعانين من قلق أعلى بخصوص تقييم أدائهن، خصوصًا في البيئات التنافسية.
  • عبء المسؤوليات المتعددة: تتحمل النساء غالبًا مسؤوليات "منزلية، مهنية، وعاطفية أكبر"، ما يؤدي ذلك للإرهاق وصعوبة تحديد الأولويات.

حقائق علمية

  • أظهرت دراسة (2019) أن الضغوط الهرمونية خلال الدورة الشهرية قد تؤثر على التنظيم الذاتي والدافعية لدى بعض النساء.
  • تشير نظرية "عبء الرعاية" إلى أن النساء اللواتي يعتنين بأطفال أو مسنين قد يؤجلن احتياجاتهن الشخصية بشكل منهجي.
  • أظهرت أبحاث الدماغ أن النساء قد يظهرن نشاطًا أكبر في مناطق معالجة العواطف، ما قد يبطئ اتخاذ القرار في المواقف العاطفية المعقدة.

وبناءً على ذلك، فإن تأجيل المرأة الدائم لمهامها هو سلوك مكتسب يتأثر بالتنشئة الاجتماعية والضغوط البيئية وليس سمة ثابتة. علمًا أنه يمكن تطوير استراتيجيات نفسية فعّالة للتغلب عليه بغض النظر عن الجنس.

من وجهة نظر علم النفس: لماذا قد تؤجل المرأة؟

علم النفس لا يقرّ بأن المرأة تؤجل دائما لكن هناك دوافع لذلك
علم النفس لا يقرّ بأن المرأة تؤجل دائما لكن هناك دوافع لذلك

تابعت دكتورة لبنى، من المهم أولًا، أن نوضح أن علم النفس لا يقرّ بأن المرأة "تؤجل دائمًا"، فالتسويف (Procrastination) سلوك بشري شائع بين الجنسين. لكن الأبحاث تشير إلى فروق في دوافع وأنماط التأجيل بين الرجال والنساء، وفيما يلي أبرز ما يكشفه علم النفس:

نظرية العبء الثلاثي  (Triple Burden)

تتحمل النساء في العديد من المجتمعات أعباءً متعددة (العمل المهني، الأعمال المنزلية، والرعاية العاطفية للأطفال والمسنين). هذا الإرهاق المزمن قد يؤدي إلى استنزاف القدرة على التنظيم الذاتي، فتؤجل المرأة المهام الشخصية (كالعناية بصحتها أو تعلم مهارة جديدة) بسبب انشغالها برعاية الآخرين.

الكمالية المرتفعة والخوف من الفشل

تشير دراسات متنوعة مثل دراسة Flett & Hewitt) ) إلى أن النساء أكثر عرضة للكمالية الاجتماعية، أي الشعور بأن الآخرين يتوقعون منهن الكمال. هذا يخلق قلقًا شديدًا من ارتكاب الأخطاء، فتُؤجَل المهام خوفًا من عدم تحقيق المعايير المثالية، وخصوصًا مجالات "المظهر، التربية، والأداء المهني".

أسلوب المواجهة العاطفي

يميل الدماغ الأنثوي (في المتوسط) إلى معالجة المشاعر بعمق أكبر. عندما تكون مهمة ما مرتبطة بمشاعر سلبية (ككتابة تقرير صعب أو حل نزاع عائلي)، تميل المرأة إلى تأجيلها كآلية لتجنب الانزعاج العاطفي، بينما يميل الرجال أكثر لتأجيل المهام الروتينية المملة.

تأثير الدورة الشهرية على التنفيذ الإداري

وجدت أبحاث علم النفس العصبي مثل دراسة Hidalgo-Lopez 2019 أن تغيرات هرمون الاستروجين والبروجستيرون خلال الدورة تؤثر على الوظائف التنفيذية (كالتركيز والتخطيط) لدى بعض النساء. وقد يضعف التنظيم الذاتي (في مرحلة ما قبل الحيض) ما يزيد من الميل للتسويف، لكن هذا ليس عامًا لجميع النساء.

القلق من التقييم الاجتماعي

غالبًا ما تحكم المجتمعات على النساء بقسوة أكبر عند تأخير المهام المرتبطة بـ "الواجبات الأنثوية" التقليدية (كتربية الأطفال أو التنظيم المنزلي). هذا القلق المزدوج (الخوف من الفشل مع الخوف من النقد الاجتماعي) قد يشلّ الفعل ويؤدي لمزيد من التأجيل.

وبناءً على ما سبق، فإن الأدلة العلمية في علم النفس، أكدت أنه لا يوجد "علة تأجيل أنثوية" فطرية، بل أنماط مكتسبة تتأثر بالتنشئة الاجتماعية (تربية الفتيات على الكمال والرعاية )، والأعباء الحياتية غير المتكافئة.

أفكار عملية من علم النفس للتخلص المرأة من سلوك التأجيل

أفكار عملية يؤيدها علم النفس للتخلص من سلوك التأجيل
أفكار عملية يؤيدها علم النفس للتخلص من سلوك التأجيل

بناءً على الأسباب النفسية التي ناقشناها، تقدم دكتورة لبنى، استراتيجيات عملية ومجرّبة في علم النفس، تناسب جميع النساء خصوصًا في سياق الضغوط المتعددة؛ وذلك على النحو التالي:

تقنية تجزئة المهمة (Chunking) .. لمواجهة الشعور بالإرهاق

بدلًا من أن تقولي "أنظّم المنزل" (مهمة ضخمة مرهقة)، قسّميها إلى: "أرتّب دولاب الملابس لمدة 15 دقيقة". هذه التقنية نجحت علميًا، لأنها تُقلل من نشاط اللوزة الدماغية (مركز الخوف من الفشل) وتنشط القشرة الجبهية (مركز التخطيط).

قاعدة الدقيقتين.. لكسّر الجمود النفسي

أي مهمة تستغرق أقل من دقيقتين (كردّ بريد سريع، ترتيب السرير، غسل كوب) أنجزيها فورًا من دون تفكير. علمًا أن هذه القاعدة علميًا تتجاوز "مقاومة البدء" التي تحدث بسبب القلق من الكمال.

تقنية المكافأة المسبقة  (Temptation Bundling)

اربطي مهمة تؤجلينها (كممارسة الرياضة) بنشاط تحبينه (كالاستماع لبودكاست مسلّي). هذه التقنية في علم النفس تستخدم مبدأ "التعزيز الإيجابي" لتحويل المهمة المكروهة إلى وسيلة لمتعة مرغوبة.

مواجهة الكمالية بجدول "الخطأ المسموح"

حدّدي لكل مهمة حدًا أدنى مقبولًا. على سبيل المثال: "اكتبي تقريرًا ليس سيئًا (بدلًا من ممتاز)"، أو "نظفي المطبخ بدرجة 70 % فقط". ثم اكتبي بجانب كل مهمة مؤجلة: "أسوأ شيء يمكن أن يحدث إذا كانت النتيجة متوسطة؟". (عادة ما يكون غير كارثي).

استراتيجية النيّة التنفيذية  (Implementation Intention)

استراتيجية النيّة التنفيذية أحد الأفكار العملية التي ينصح بها علم النفس للتخلص من التسويف الأنثوي ( تأجيل المهام)
استراتيجية النيّة التنفيذية أحد الأفكار العملية التي ينصح بها علم النفس للتخلص من التسويف الأنثوي ( تأجيل المهام)

الصيغة السحرية عبارة عن "عندما يحين الوقت.....، سأقوم بـ..... لمدة.... دقيقة". على سبيل المثال: "عندما أشرب قهوة الصباح، سأجلس لمراجعة الحسابات لمدة 10 دقائق". هذه الاستراتيجية علميًا تحول السلوك من قرار واعي إلى رد فعل تلقائي، ما يوفر الطاقة الإرادية.

تقنية بومودورو المعدلة للنساء المشغولات

اعمّلي 25 دقيقة مع استراحة 5 دقائق، لكن بعد 4 دورات خذّي استراحة أطول. أما إذا انقطعتِ لرعاية طفل، فأكملي الدورة من حيث توقفتِ (لا تعيدي العداد). هذه التقنية علميًا تمنع "إرهاق القرارات" الذي يزداد مع تعدد المسؤوليات.

التخلص من فخ التخطيط المفرط

بما أن الخطأ الشائع هو انتظار "الوقت المثالي" أو "المزاج المناسب" للبدء. فإن الحل العملي هنا يعتمد على استخدام قاعدة "5 ثواني" (من كتاب Mel Robbins ) . فعندما تسمعين صوتك الداخلي يقول "سأبدأ..."، عدّي 5-4-3-2-1 وابدئي فورًا قبل أن يجد عقلك الأعذار.

مراجعة أسبوعية لأعباء الرعاية الخفية

اسألي نفسكِ يوم محدد في الأسبوع، على سبيل المثال يوم السبت: "ما المهام التي أجلتها لأني كنت أراعي مشاعر الآخرين؟، ما الأمر الذي يمكن أن يتحمله شخص آخر (أو ينتظر)  من دون ضرر؟". وذلك بهدف كسر نمط "تأجيل الذات من أجل إرضاء الآخرين".

خطة بدء فورية.. اليوم قبل الغد

  • اختاري أصعب مهمة تؤجلينها.
  • طبقي قاعدة 5 ثوانٍ لبدئها لمدة دقيقتين فقط.
  • بعد الدقيقتين، قرري: إما التوقف (وستشعرين بالفعل بالإنجاز) أو الاستمرار.
  • كافئي نفسك فورًا بشيء بسيط (كوب شاي، رسالة لصديقة).
ابدئي بتعديل سلوك واحد باتباع الأفكار التي أيدها علم النفس للتخلص من تأجيل المهام
ابدئي بتعديل سلوك واحد باتباع الأفكار التي أيدها علم النفس للتخلص من تأجيل المهام

وأخيرًا، تذكّري دومًا أن التأجيل ليس عيبًا أخلاقيًا، بل سلوك سلبي يمكن إعادة تشكيله إلى ممارسات إيجابية. لذا، ابدئي بتعديل سلوك واحد صغير، ويكفي أن تتحسني بنسبة 1 % يوميًا.

محررة قسم الجمال واللايف ستايل - متخصصة بكتابة تقارير موسعة ولقاءات كبار الاستشاريين في التجميل والصحة وتطوير الذات في العالم العربي.