هاني شاكر.. وداع واحد لا يكفي!
كان هاني شاكر المطرب الذي تعرفه الأمهات جيدا، والجدات أيضا، يخطئن في أسماء غالبية المغنيين في فترة التسعينيات بينما هاني شاكر كان وضعا خاصا، ربما اعتبر حينها تعويضا نموذجيا لغياب رومانسية عبد الحليم حافظ، قبل أن ينحت هويته الفنية ويمنح الطرب الكلاسيكي لمحة عصرية تستقطب جماهير غفيرة، فهو الحاضر دوما في الحفلات التي يعرضها التلفزيون، بمظهره المثالي، بدلة كاملة وذقن حليق، وأناقة في اللسان ووقار في الطلة، ولون كان الجميع متعطش له، فلا يزال هناك من يذوب وجدا، ويستعطف ويناجي ويستغيث من اللوعة، وينادي دون خجل متخليا عن العناد الذكوري "مشتريكي ما تبيعيش وارجعي ما تضيعيش عشرة العمر في ثواني"، الجمهور كان يبحث عن من يملأ الفراغ الكبير، وفعلا كانوا أكثر حظا إذ غاب حليم فحضر هاني فورا، الآن غاب هاني فمن لها؟!
نشيد الحب والخسارة
نجم الحفلات الأول، وكبير مطربي جيله، صاحب الأمسية الأكثر انتظارا ومشاهدة، والمطرب الذي تتهافت النجمات على الظهور معه في كليباته غادة عادل وشيرين وراندا، حيث تعرض الأغنيات ويحتفى بها في الفواصل وفي البرامج، خلال فترة ما قبل الألفية وذروة مجد شرائط الكاسيت، امتلك هاني شاكر عدة أغنيات شديدة العذوبة وصورها بطريقة سينمائية جعلت التجربة أكثر اكتمالا، وبينها "نسيانك صعب أكيد" 1991 التي لحنها خالد الأمير وكتبها سمير الطائر، حيث يظهر الشاب المرتبك وهو يبحث عن خيالات الحبيبة في أشيائه الصغيرة، الصورة الشعرية في الأغنية مبهرة ومركبة، ورغم أنها تبدو للوهلة الأولى أغنية تقليدية تليق بأمير الأحزان إلا أن الإنصاف يقول أن الحزن الغنائي الجليل ليس شيئا سهلا أو عابر ولا يحقق نجاحا مضمونا كما يتصور البعض، فالأمر يلزمه كثير من المهارة والموهبة.
في نهاية التسعينيات جاء عمل مصور آخر حقق نجاحا عابرا للسنوات هو "لو بتحب حقيقي صحيح" كلمات مجدي النجار وتلحين حسن أبو السعود، حيث ذروة العتاب الباكي والحنين اليائس لقصة كان فيها طرفا خاسرا على طول الخط، وآخر متلاعب ومبدع في القسوة، الأغنية التي كانت نحيبا خالصا ونشيدا رسميا لحكايات الحب المأساوية، سبقتها أيضا أغنية أخرى تدور في نفس الفلك هي "تخسري"، وقبلها "غلطة"، ورغم تشابه الموضوعات إلا أن الجمهور لم يشعر أبدا بالتكرار، فمن قال أن الخيبات تكفيها أغنية واحدة؟، ومن يمكنه الآن أن يصنع عدة أغنيات عن موضوعات متشابهة وجميعها تحقق هذا القدر من النجاح، بل المفارقة أن حتى الصورة الشعرية ساهمت في صنع صورة بصرية مبهرة حينها تمثلت في قصص الكليبات التي رسخت بالذاكرة.
تسعينيات هاني شاكر
تسعينيات هاني شاكر هي المرحلة الذهبية لحنجرة لا تضاهى ظلت قادرة على الأداء السليم حتى آخر ظهور على المسرح، حيث كان الرجل في الرابعة والسبعين من عمره ويصدح دون أخطاء في المقامات أو حتى يعجز عن تذكر الكلمات، إنه نوع من الاحترام المتناهي للمهنة وللجمهور، يحافظ على الصوت ويواظب على التدريب والتحضير ويقدر من جاءه ليستمتع حيث كان يدللهم قبل أن يمطرونه بالثناء والدهشة، من فخامة الطلة وقدرات الأداء، والوسامة البهية التي جعلت ملامحه كما هي تقريبا في جميع مراحل عمره.
هاني شاكر.. معقول؟!
الحقيقة أن كل هذه الكلمات تمهيدا للتذكر بأغنية تسقط من الحسابات دوما وتعامل بإجحاف لا يليق هي "معقول نتقابل تاني" 1994، حيث يضع الثنائي الأبرز في مشوار هاني شاكر بتلك الفترة "صلاح فايز وخالد الأمير"، بصماتهما على عمل شديد الرقة، والشجن، المعاني انسجمت مع النغمات وذابت تماما، كما أن الفكرة نفسها لم تكن تقليدية أبدا، فهذه الحالة قلما عبرت عنها الأغنية العربية، ولم يكن هناك سوى صوت هاني شاكر يمكنه أن يترجم هذا الشعور:" معقول واقفين بنسلم مع بعض سوى بنتكلم، وكأننا متقابلين إمبارح ولا حاسين، إن إحنا بقالنا سنين الشوق بينا بيتألم.. قلبي إللي فتحته عشانك من يومها قفلته عليكي، ولا حدش يملى مكانك وأدي قلبي خديه بإيديكي".
من المستحيل أن تجد شطرا في غير موضعه، أو تعبيرا ضعيفا، أو معنى غير منطقي، كما أن اختيار الألفاظ نفسه يبرز كيف يملك صاحبها ناصية اللهجة العامية الراقية، وكيف يفند المشاعر بدقة وحساسية ويشرحها بأكثر الطرق جمالا:"أرجوكي أرجوكي أرجوكي استني علي، أرجوكي أرجوكي ما تبصيش كده في عينيا، أنا قلبي ما يستحملش قابليني شوي شوي، لا عملت حساب الصدفة ولا قد عذاب اللهفة، شايفاكي عيني وخايفة لا تكوني خيال وأماني".
كان من الطبيعي أن تكتمل اللوحة بقصة درامية معبرة من خلال كليب يتخلى فيه هاني شاكر عن وقاره بعض الشيء ويظهر بلحية خفيفة ومهملا في مظهره كما يليق بعاشق تقطعت به السبل، وحاول أن ينسى حزنه بالنحت فيجد نفسه وقد أعاد تجسيد ملامح الحبيبة التي هجرته ثم تظهر هي نفسها في مصادفة لم تكن في الحسبان فيرجوها أنها تقابله "شوية شوية".. ليت غيابك كان كذلك أيضا "شوية شوية"!