جوزف حنا لـ "هي": قصتي مع والدتي رسالة حب وصلت إلى العالمية بصدق وعفوية
في وقت يبحث فيه الجميع عن الفخامة في أبهى صورها وتكاليفها الباهظة، جاء المخرج اللبناني جوزف حنا ليقلب الموازين، معيداً تعريف الجمال من خلال عدسة مغموسة بالحب والذاكرة. لم تكن بطلة فيلمه الأحدث عارضة أزياء عالمية، بل كانت والدته "جورجينا"، التي حوّلت بعفويتها حقيبة الـ Dust Bag من دار Jacquemus إلى قطعة تنبض بالحياة والواقعية، بعيداً عن بريق منصات العرض.

هذا الفيديو الذي نال انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يقتصر تأثيره على رواد هذه المواقع فحسب، بل وصل صداه إلى الدار الفرنسية نفسها، التي رأت في رؤية جوزف تجسيداً لروح الموضة حينما تلتقي بالإنسانية.
في حوار خاص لـ "هي"، يأخذنا جوزف حنا إلى كواليس هذا العمل، متحدثاً عن مطبخ المنزل الذي صار ساحة للإبداع، وعن سر تلك العلاقة الفريدة التي ربطت بين فخامة العلامات التجارية وبساطة الأمومة اللبنانية، وكيف يمكن للحظة صادقة أن تتحوّل إلى بيان بصري يهزّ العالم.
كيف وُلدت فكرة تحويل Dust Bag من Jacquemus إلى حقيبة متعددة الاستعمال؟
الفكرة ولدت من لحظة صادقة جداً. كنت أراقب والدتي جورجينا في حياتها اليومية، وكيف تتعامل مع الأشياء ببساطة وذكاء فطري. بالنسبة لها، الـ Dust Bag لم يكن قطعة فاخرة مرتبطة بعلامة عالمية، بل شيء عملي يمكن استخدامه في الحياة اليومية.
هذا التناقض بين “القيمة الرمزية” في عالم الموضة و"القيمة الحقيقية" في الحياة اليومية شدّني جداً كمخرج.
ومن هنا، تحوّل هذا التفصيل البسيط إلى فكرة: ماذا لو أخذنا هذه القطعة من سياقها الفاخر، ووضعناها في بيئة صادقة، حقيقية، مليئة بالذاكرة؟
الفيديو كان محاولة لإعادة تعريف الفخامة — ليس كشيء نملكه، بل كشيء نعيشه.

الفيديو يدمج بين الفخامة العالمية وبساطة الحياة اليومية اللبنانية. هل كنت تتوقع أن تلمس هذه العفوية قلوب المتابعين والدار العالمية بهذا الشكل؟
بصراحة، لم أكن أتوقع هذا الحجم من التفاعل، لكن كنت مؤمناً بشيء واحد: الصدق يصل. العفوية ليست تقنية، هي حالة. وعندما تكون حقيقية، تتخطى اللغة والجغرافيا.
أعتقد أن الناس، وحتى الدور العالمية مثل Jacquemus، لم تتفاعل مع الفكرة بحد ذاتها فقط، بل مع الشعور الذي حملته — شعور الحنين، الأمومة، والبساطة التي نفتقدها في عالم سريع ومصقول أكثر من اللازم. وهذا ما جعل العمل قريباً من الجميع، رغم اختلاف الخلفيات.
لفت الفيديو انتباه الدار نفسها. كسينمائي ومخرج إبداعي، ماذا يعني لك أن يتم الاعتراف برؤيتك التي تنطلق من "مطبخ المنزل" إلى الساحة العالمية؟
هذا الاعتراف كان لحظة مؤثرة جداً بالنسبة لي. لأنه يؤكد أن القصص الصغيرة، التي تبدأ من “المطبخ” أو من تفاصيل يومية جداً، قادرة أن تصل إلى العالم إذا تم سردها بصدق. كمخرج، هذا يعزز إيماني أن القيمة ليست في الميزانيات الضخمة فقط، بل في الرؤية. وأن الهوية المحلية، عندما تُقدَّم بدون تزييف، يمكن أن تتحوّل إلى لغة عالمية يفهمها الجميع.
كيف كان التعامل مع والدتك أمام الكاميرا؟ هل كانت تدرك في البداية أن عفويتها ستصبح درساً في الإبداع والتواضع؟
التعامل معها كان من أجمل وأصدق التجارب التي عشتها. هي لم تكن تمثّل، كانت نفسها فقط. في البداية، لم تكن تدرك أن ما تفعله يحمل هذا العمق، وهذا ما جعله حقيقياً.
العفوية التي ظهرت لم تكن نتيجة توجيه، بل نتيجة ثقة وراحة. ومع الوقت، أدركت أن هذه البساطة هي قوتها وأنها، دون أن تحاول، كانت تعطي درساً في التواضع والصدق.

ما هي الرسالة التي أردت إيصالها من خلال هذا العمل الفني حول صمود وجمال المرأة والأم تحديدًا في منطقتنا؟
أردت أن أُظهر أن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى إخفاء أو تكلّف. المرأة في منطقتنا، وخصوصًا الأم، تحمل قوة هائلة في صمتها، في استمراريتها، وفي قدرتها على خلق الجمال من أبسط الأشياء. هذا العمل هو تحية لكل أم ترى في الأشياء الصغيرة قيمة كبيرة، ولكل امرأة تعرف كيف تبقى قوية، حقيقية، ومليئة بالحب رغم كل الظروف.
إذا كان بإمكانك اختيار قطعة أخرى من خزانة ملابس والدتك لتصويرها في فيلمك المقبل، ماذا ستكون ولماذا؟
سأختار مجوهراتها القديمة نفسها. هذه القطع ليست مجرد إكسسوارات، بل جزء من طفولتي. أتذكر كيف كانت ترتديها أمامي، وتسألني إن كانت جميلة، وكأن رأيي الصغير كان يعني لها شيئاً. كانت تغيّرها مع كل إطلالة، وتتعامل معها بشغف، كأنها تملك متجراً كاملاً من الذكريات. ومع الوقت، لم تعد هذه القطع مجرد تفاصيل جمالية، بل تحوّلت إلى لحظات محفوظة، بين أم وابنها. أراها اليوم كأرشيف حي، ليس لما كانت ترتديه فقط، بل لما كنّا نعيشه معاً.
ومن خلال هذه المجوهرات، يمكنني أن أروي قصة عن العلاقة، عن الحميمية، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي تبقى معنا أكثر من أي شيء آخر.

تمتلك خبرة في دمج السرد القصصي السينمائي مع جماليات الـ Editorial. كيف تنجح في تحويل لحظة بسيطة من الحياة الواقعية إلى بيان بصري قوي؟
أبدأ دائماً من الشعور، وليس من الصورة. أسأل نفسي: ماذا أريد أن يشعر به المشاهد؟ ثم أترجم هذا الشعور إلى عناصر بصرية: الضوء، اللون، الحركة، والإيقاع. الـ Editorial aesthetic بالنسبة لي ليس فقط “جمال الصورة”، بل هو طريقة تنظيم هذه العناصر لخلق تأثير. وعندما تلتقي الصدقية مع هذا التنظيم البصري، تتحوّل اللحظة البسيطة إلى مشهد يحمل قوة وتأثير.
في النهاية، السر ليس في تعقيد الفكرة، بل في تقديمها بصدق وبوضوح.