بين الماضي والحاضر "هي" تفتح صندوق الزمن... حكايات عن الحنين مع ميثة العوضي، وشانا، وتارا عطاالله وربى ترسن
إعداد: Joelle Tamer
في كل مرة نركض فيها نحو المستقبل، هناك جزء صغير في داخلنا يلتفت إلى الخلف، ليس بدافع الحنين فقط، بل بحثا عن المعنى، عن تلك اللحظات الأولى التي لم نكن نعلم أنها ستصنعنا، عن الأماكن التي احتضنت أحلامنا قبل أن نجرؤ حتى على تسميتها أحلاما، وعن التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو عابرة، لكنها اليوم تبدو كأنها البذرة الأولى لكل ما أصبحنا عليه.
في هذا العدد، نعود إلى البدايات. نعود إلى الغرف التي شهدت أولى محاولاتنا، إلى الأصوات التي شكّلت ذاكرتنا، إلى الوجوه التي منحتنا الثقة حين كانت أحلامنا أكبر من أعمارنا. نعود إلى تلك النسخة الأولى من أنفسنا، قبل الأضواء، قبل الإنجازات، قبل أن يصبح الطريق واضحا.
الحنين هنا ليس توقا إلى الماضي، بل هو احتفاء به. هو اعتراف بأن القوة تولد من الذاكرة، وأن الطموح يبدأ غالبا من لحظة صامتة، من صورة قديمة، من كلمة قيلت في الوقت المناسب، أو من حلم صغير احتفظنا به في مكان خفي.
في هذا الملف، تشاركنا نساء عربيات مؤثرات الذكريات التي شكّلت أصواتهن، وصقلت رؤيتهن، ومنحتهن الشجاعة ليصبحن ما هنّ عليه اليوم. بين صورة من الطفولة وصورة من الحاضر، نفتح صندوق الزمن، لنكتشف أن النجاح، مهما بدا بعيدا، يبدأ دائما من قصة صغيرة، ومن جذور لا تُنسى.
"ميثة العوضي" Maitha Alawadi
مخرجة أفلام، وكاتبة سيناريو، ومقدمة برامج

نشأتُ في صحبة نساء حملن القوة بأشكال مختلفة. جدتي كانت تحملها بهدوء، في المساحات الصامتة بين كلماتها. أما والدتي وخالاتي، فشكّلنها صمودا، يمضين عبر التغيير برشاقة. وأخواتي وقريباتي يحملنها بوضوح لافت، طموحات، واثقات، وجريئات لا يعرفن الخوف.
تعلمتُ مبكرا أن أنصت. في المجالس والبيوت التي تمتلئ برنين فناجين الشاي وضحكات خافتة، وفي تلك المساحات الهادئة، حيث تتحدث النساء حين يغيب نظر العالم. كانت قصصهن تعيش فيما يُقال، وفيما يُترك بلا قول. ومن دون أن أدرك، كنتُ أجمعها.

لاحقا، ومع تنقّلي بين الثقافات، وجدتُ أخوة في الصداقات التي كوّنتها، وبدأت تلك الشظايا تتصل ببعضها.
واليوم، أعود إلى تلك الأصوات. عملي ليس منفصلا عنها، بل هو امتداد لها، يتشكّل بها، يُحمل عبرها، ويُعاد سرده إلى العالم، بوعي ونيّة.
"شانا" Shana
فنانة

عندما أفكّر في الحنين، أفكّر في والدتي وفي الموسيقى التي ملأت بها حياتي. كانت تؤمن بقوة الموسيقى إيمانا عميقا، حتى أصبح منزلنا يعجّ بها من الصباح حتى المساء؛ من "فيفالدي" إلى فيروز، ومن "مايكل جاكسون" إلى "بلاك آيد بيز"، ومن "جينيفر لوبيز" إلى "آيمي واينهاوس"، ومن "أليشيا كيز" إلى "جاستن تمبرليك".. والقائمة تطول. من دون أن ندرك، كنت أنا وشقيقتي نكبر داخل عالم من الألحان والإيقاعات والقصص، عالم كان يشكّلنا ببطء، ويرسم ملامح من سنصبح عليه لاحقا.
قبل أن أفهم معنى أن أكون فنانة، كنت مجرد طفلة تغنّي وترقص إلى جانبها. كانت تصوّرني وأنا أتحرّك على وقع الموسيقى، وفي أحيان أخرى كانت تترك كل شيء وترقص معي، محوّلة لحظات بسيطة إلى ذكريات خالدة أحملها معي حتى اليوم. وغالبا ما أقول إنني بدأت الغناء قبل أن أتعلّم الكلام. فالموسيقى لم تكن يوما شيئا بعيدا عن حياتنا، بل كانت جزءا من طريقة عيشنا، وأحلامنا، وتعبيرنا عن أنفسنا.

أكثر ما يثير فيّ الحنين اليوم هو مشاهدتي لوالدتي وهي تفعل كل ذلك بقوة هادئة؛ تشجّع أحلامي، وتقف إلى جانبي في اختبارات الأداء والحفلات، وتعلّمني من خلال حياتها أن الإيمان بالنفس هو أعمق أشكال الشجاعة. وعندما أنظر إلى الوراء الآن، أدرك أن الفنانة التي أصبحتُها اليوم لم تصنعها الموسيقى وحدها، بل صنعها أيضا الحب والإيمان والحرية وجرأة الحلم التي منحتني إياها.
وبطريقة ما، لا تزال كل أغنية أقدّمها اليوم تحمل صدى صغيرا لذلك العالم الذي بنته لنا، عالم كانت فيه الموسيقى مرادفا للإمكانيات.
"تارا عطاالله" Tara Atalla
ممثلة

بدأ شغفي بالأداء في سنّ مبكرة، حين أُسند إليّ الدور الرئيس في مسرحية مدرسية وأنا في الصف الأول. بعزيمة طفولية صادقة، قررت أن أُجسّد شخصية "الأميرة" بكل تفاصيلها، فكنت أعتزل في غرفتي بعد انتهاء الدوام المدرسي، أعيد حفظ الجمل، وأتدرّب عليها مرارا وتكرارا. لم يكن مسموحا لأحد بالدخول أو الخروج، فقد كنت أتعامل مع الأمر بجدية لافتة لطفلة في السادسة من عمرها. حتى في ذلك الوقت، كان اكتشاف الشخصية وإحياؤها تجربة شخصية للغاية. بدا الأمر كأنه الأهم في عالمي الصغير، وكنت مصمّمة على إتقانه بطريقتي الخاصة، وبجهدي الفردي.
في يوم العرض، انتقلت بين المشاهد بسلاسة وثقة بدت كأنها فطرية. شعرت بأنني في مكاني الطبيعي على خشبة المسرح، أزدهر أمام الجمهور. وكانت قدرتي على إثارة المشاعر لدى الآخرين تمنحني إحساسا بالجرأة، حتى في تلك السن المبكرة.

ومع مرور الوقت، تطوّر هذا الشعور إلى مسار أكثر احترافية في الغناء والرقص والتمثيل، حيث بدأت أكتشف العمل على الشخصية بعمق أكبر. ما بدأ غريزة طفولية للأداء، تحوّل إلى شغف ممتد مدى الحياة بفن الأداء. واليوم، ما زلت أرى تلك الطفلة بداخلي تبتكر، وتشعر، وتروي الحكايات بالدهشة نفسها.
إنه ذلك الحبّ لسرد القصص والتأثير في مشاعر الآخرين الذي لا يزال يقودني حتى اليوم. ولا أستطيع أن أتخيّل نفسي في مجال آخر.
ربى ترسن Ruba Tursun
عارضة أزياء وفارسة محترفة في قفز الحواجز

نشأتُ بين عالمين؛ أحدهما متجذّر في التقاليد، والآخر تشكّل من خلال الانفتاح والحركة والتغيّر المستمر. في طفولتي، كنت أراقب حضور النساء وطريقة تصرفهّن، والأناقة الهادئة المحيطة بي، والتوقعات غير المعلنة. لم أكن أدرك حينها مدى تأثير تلك اللحظات، لكنها شكّلت لاحقا رؤيتي للجمال، والحضور، والهُوية.
لم تكن هناك لحظة مفصلية واحدة، بل سلسلة من اللحظات الصغيرة: الاستعداد أمام المرآة، مراقبة التفاصيل وهي تتكامل، واكتشاف أن طريقة تقديم الذات يمكن أن تكون شكلا من أشكال التعبير. أعتقد أن كل شيء بدأ من هناك؛ ليس أمام الجمهور، بل في المساحة الخاصة، حيث كنت أكتشف نفسي بهدوء.

بالنسبة إلي، لا يعني الحنين العودة إلى الماضي، بل الاعتراف بأن تلك الفتاة التي كنتها لا تزال جزءا مما أنا عليه اليوم. كل خطوة أخطوها تحمل شيئا منها دائما؛ فضولها، وحساسيتها، وثقتها الهادئة قبل أن يكون للعالم رأي فيما يمكن أن أكونه.