خاص "هي": الماس المصنّع في المختبر... بين وعود الاستدامة وحقيقتها
إعداد: SOUHA HAMED
يشهد الماس المصنّع في المختبر حضورا متصاعدا في عالم المجوهرات، مع ظهور علامات تبني هُويتها بالكامل حوله. يُقدّم بوصفه خيارا أكثر وعيا، يجمع بين الجمال وقيم الاستدامة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل أساسي: إلى أي حد يعكس الماس المصنّع في المختبر خيارا مستداما بالفعل؟

يرتكز جزء كبير من فكرة استدامة الماس المصنّع على أنه يُنتج من دون استخراج الحجر من باطن الأرض، وهو ما يعني تجنّب التغييرات الواسعة في تضاريس الطبيعة، وتقليل استهلاك المياه، والحد من كميات المخلفات الصخرية التي ترتبط عادة بعمليات التعدين التقليدية. فيما يتم إنتاج الماس المصنّع داخل بيئات صناعة مضبوطة، وهو ما يخفف من هذا النوع من التأثير المباشر في البيئة، ويدفع العديد من العلامات إلى تقديمه بوصفه خيارا أكثر توافقا مع مفاهيم الاستدامة.


تدعم بعض الدراسات العلمية هذا الطرح، وخاصة في الحالات التي يعتمد فيها الإنتاج على مصادر طاقة متجددة، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح. وقد أشار بحـث نُشر عام 2024 ضمن مجموعة "نايتشر"، إحدى أبرز المجلات العــلـمـيــة المتخــصـصــة، إلى إمكانــيــــة تحقــيــــق انخــفــــاض ملحوظ في الانبعاثات واستهلاك الموارد عند الاعتماد على هذه المصادر في عملية التصنيع. تتبنى عدة علامات هذا الجانب عند ترويجها لمجوهراتها، ومنها "باندورا" التي تؤكد اعتمادها على كهرباء متجددة، فيما تركز علامات أخرى مثل "بريليانت إيرث" و"فراي" على إبراز مصادر الطاقة وشفافية سلسلة التوريد.
غير أن الحديث عن الاستدامة لا يقتصر على الأثر البيئي وحده، بل يمتد إلى البعد الإنساني في سلاسل التوريد. فقد ارتبط الماس الطبيعي، المستخرج من المناجم، في الماضي بقضايا تتعلق بظروف العمل أو النزاعات أو توزيع العوائد، وهو ما دفع إلى البحث عن بدائل مختلفة، إلى جانب تطوير آليات تهدف إلى تنظيم هذا القطاع وتعزيز الشفافية فيه. وهنا يقدم الماس المصنّع خيارا بديلا يتجاوز بعض هذه الإشكاليات المرتبطة بعمليات الاستخراج والعمل في المناجم.


غير أن سلاسل التوريد تستمر، وإن بصيغة مختلفة عبر مراحل الإنتاج والقطع والصقل في مراكز رئيسية مثل الهند والصين. وهذا يطرح بدوره اعتبارات تتعلق بظروف العمل والمعايير المهنية عند تقييم استدامة هذا القطاع.
الماس المصنّع في المختبر هو ماس حقيقي من حيث التركيب والخصائص، يُنتج داخل بيئات صناعية مضبوطة بدلا من استخراجه من باطن الأرض، وهو ما يجعل تقييم استدامته مرتبطا بشكل مباشر بطريقة إنتاجه. وتمتد هذه العلاقة إلى مرحلة الإنتاج نفسها، حيث تصبح الطاقة المستخدمة عاملا حاسما في تحديد حجم الانبعاثات المرتبطة به. فعملية تكوين الماس داخل المختبر تعتمد على تشغيل أجهزة صناعة متقدمة في درجات حرارة مرتفعة ولساعات طويلة، وهو ما يجعلها كثيفة الاستهلاك للطاقة.


وتُظهر دراسات "تقييم دورة الحياة"، وهي منهجية تقيس الأثر البيئي عبر مختلف مراحل الإنتاج، أن الجزء الأكبر من الانبعاثات يرتبط مباشرة بمرحلة نمو الماس داخل هذه الأجهزة. وعند الاعتماد على مصادر طاقة متجددة، تنخفض البصمة الكربونية بشكل ملحوظ، بينما تختلف الصورة في الحالات التي يتم فيها الإنتاج ضمن أنظمة طاقة تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري. وتشير بيانات الطاقة العالمية إلى أن دولا مثل الهند، التي تعد من أبرز مراكز تصنيع الماس وقطعه، لا تزال تعتمد بشكل واسع على الفحم في إنتاج الكهرباء، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الانبعاثات الكربونية المرتبطة بهذه العملية.
هذا التباين في طرق الإنتاج يفسر اختلاف نتائج الدراسات حول استدامة الماس المصنّع بالمختبر. وهو ما يجعل إصدار حكم قاطع أمرا صعبا، إذ تتغير بصمته البيئية تبعا لمصدر الطاقة وكفاءة العمليات المستخدمة.


وفي موازاة ذلك، يبرز عامل آخر أسهم في انتشار الماس المصنّع، يتمثل في سعره، فهو يطرح عادة بأسعار أدنى بكثير من الماس الطبيعي، ليتيح شراء أحجار أكبر حجما أو أعلى نقاء ضمن الميزانية نفسها. وقد عزز عامل السعر حضوره في السوق، وأسهم في انتقاله من فئة محدودة إلى خيار أكثر انتشارا في المجوهرات اليومية. علما بأن مؤشرات السوق تُظهر تراجعا في أسعاره مع مرور الوقت نتيجة توسع الإنتاج وتحسن الكفاءة الصناعية. كما تشير تحليلات صادرة عن "ماكنزي" أن هذا المسار قد يستمر مع نمو السوق في السنوات المقبلة، وهو ما ينعكس على طبيعة القيمة، إذ يترافق ازدياد الإنتاج مع تراجع تدريجي في الأسعار، بخلاف الماس الطبيعي الذي يرتبط جزء من قيمته بعامل الندرة.
ومع التوسع في الإنتاج، بدأت تتشكل معايير أوضح لتنظيم كيفية تقديم الاستدامة وكيفية إثباتها، وهو ما يشير إلى تحول في طبيعة النقاش نفسه. وعليه، يتجه الاهتمام من السؤال عن كون الماس المصنّع في المختبر خيارا مستداما إلى مدى وضوح المعلومات التي تدعم هذه الفكرة.


من الاستخدامات الصناعية إلى عالم المجوهرات
بداية علمية
ظهر الماس المصنّع للمرة الأولى عام 1954 في مختبرات شركة "جنرال إلكتريك". كانت الأحجار صغيرة ومخصصة للاستخدامات الصناعية مثل الحفر والقطع.
تحول في الجودة
خلال سبعينيات القرن الماضي، بدأ إنتاج الماس بمواصفات تليق بعالم المجوهرات، غير أن التكلفة المرتفعة والتقنيات المحدودة حالت دون استخدامه على نطاق واسع.
تطور تقني
مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثانية، أسهمت تقنيات متقدمة في تصنيع الماس، مثل المعالجة في ظروف ضغط وحرارة مرتفعة وتقنية الترسيب الكيميائي للبخار، في تحسين نقاء الأحجار وحجمهاـ وقد مهّد ذلك لدخوله التدريجي إلى عالم المجوهرات.
لحظة التحول
تشكلّت نقطة الانطلاق الحقيقية منذ نحو عقد، مع تطور التقنيات التي أتاحت إنتاج أحجار أكبر حجما وأكثر جودة، بالتوازي مع تراجع تكاليف الإنتاج وتصاعد الاهتمام بقضايا الاستدامة وشفافية سلاسل التوريد. وفي عام 2018 أطلقت "دي بيرز" علامة "لايت بوكس"، في خطوة اعتبرت اعترافا بأن الماس المصنّع أصبح فئة قائمة بذاتها.