عبير نعمة في حوارٍ خاص لـ“هي”: “حبيبتي”… قصيدة حبّ لبيروت لا تنطفئ

عبير نعمة في حوارٍ خاص لـ"هي": "حبيبتي"… قصيدة حبّ لبيروت لا تنطفئ

20 أبريل 2026

في عمل يتجاوز حدود الأغنية ليقترب من البوح الإنساني الصادق، تعود عبير نعمة لتخاطب بيروت بلغة من حب وحنين، عبر أغنيتها المصورة “حبيبتي” من إنتاج .Universal Music MENA هنا، لا تبدو بيروت مجرد مدينة، بل كياناً حياً يسكن الذاكرة والوجدان، تناجى كحبيبة غائبة-حاضرة، ويختصر لها كل الشوق في سؤال واحد: “نحبك… هل تسمعين؟”

“حبيبتي” ليست فقط أغنية، بل مساحة وجدانية تتقاطع فيها الكلمة واللحن والصورة لتعيد رسم ملامح مدينة تقف بين الوجع والأمل. من كلمات وألحان وسام كيروز، التي تنساب بشاعرية شفافة، إلى توزيع سليمان دميان الذي يحتضن هذا الإحساس برهافة لافتة، وصولاً إلى الرؤية البصرية التي يوقعها نديم حبيقة، تتشكل تجربة فنية متكاملة تنحاز إلى الصدق، وتغوص في عمق العلاقة التي تربط الإنسان بمدينته.

في هذا العمل، تغني عبير نعمة بيروت كما تغنى الأوطان حين تضيق بها الكلمات: بحنان لا يخلو من وجع، وبأمل لا ينفصل عن الذاكرة. هي ليست فقط رسالة حب، بل فعل وفاء، ومحاولة لإعادة الإمساك بصورة مدينة لا تزال، رغم كل شيء، قادرة على النهوض والحلم. ومن هذا البوح المفعم بالإحساس، نفتح معها هذا الحوار لنقترب أكثر من “حبيبتي” ومن بيروت كما تراها، وتعيشها، وتغني لها.

  • في “حبيبتي”، تخاطبين بيروت كأنها إنسان حي. ما اللحظة أو الشعور الذي دفعك إلى تجسيد المدينة بهذه الحميمية؟

في “حبيبتي”، لم أستطع أن أتعامل مع بيروت كمدينة عادية. بالنسبة إلي، هي كيان حي ينبض، ذاكرة لا تهدأ، ووجه نحبه بقدر ما نقلق عليه ونشتاق إليه. بيروت ليست مكاناً فحسب، بل حالة تسكن في أعماقنا. وربما لأنها تمثل قلب الوطن، فإن الحديث عنها يتجاوز حدودها الجغرافية ليشمل لبنان بأكمله، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. حين نغني لبيروت، نشعر وكأننا نغني لكل أرض تألمت، ولكل بيت عرف الخوف، ولكل إنسان حمل هذا الوطن في قلبه رغم كل التحديات.

عبير نعمة في حوارٍ خاص لـ“هي”: “حبيبتي”… قصيدة حبّ لبيروت لا تنطفئ

  • الأغنية تحمل مزيجاً واضحاً من الحنين والأمل رغم الوجع. كيف استطعت تحقيق هذا التوازن دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟

تحمل الأغنية هذا المزيج لأنه يعكس تماماً ما نشعر به تجاه لبنان. لا يمكن الحديث عنه من دون وجع، كما لا يمكن فصله عن الأمل. هناك حنين دائم إلى ما كان، وإلى ما نؤمن أنه لا يزال ممكناً، يقابله ألم عميق أمام كل ما مر به هذا الوطن. لكنني لا أؤمن بحزن يقود إلى الاستسلام، ولا بأمل يتجاهل الواقع. في “حبيبتي”، حاولت أن أعبر عن هذه الحالة الإنسانية الصادقة، حيث يتقاطع الحب مع الألم، ويبقى الأمل حاضراً بهدوء وليس كشعار، بل كإيمان داخلي لا يخبو.

عبير نعمة

  • كيف كانت تجربتك في التعاون مع وسام كيروز وسليمان دميان في هذا العمل؟ وما الذي أضافه كل منهما لهوية “حبيبتي”؟

كانت تجربة غنية للغاية، لأن هذا العمل تحديداً تطلب قدراً عالياً من الحساسية وفهماً عميقاً لروحه وتفاصيله. ما جمعنا لم يكن مجرد الرغبة في تقديم أغنية جميلة من الناحية الفنية، بل السعي إلى خلق عمل يحمل صدقاً حقيقياً ويعبر عن هذا الإحساس بكل شفافيته وعمقه.

وسام كيروز هو صديق مقرب جداً إلي، وهذا القرب ينعكس بشكل واضح على طبيعة تعاوننا. بالنسبة لي، هو ليس فقط موسيقياً، بل مفكر يمتلك رؤية خاصة وحساسية استثنائية في مقاربة الكلمة والمعنى واللحن. لديه قدرة لافتة على الإصغاء إلى ما يتجاوز النص، إلى ما يقال بين السطور، وإلى المشاعر التي قد لا تعبر بشكل مباشر. ما يميزه فعلاً أنه لا يكتب من الخارج أو من موقع تقني بحت، بل ينطلق دائماً من مكان داخلي عميق، من وعي صادق بما يشعر به الناس وما يختزنونه تجاه هذا الوطن. هذه المقاربة تمنح أعماله بعداً إنسانياً حقيقياً.

وبما أننا سبق أن تعاونا في أكثر من عمل، هناك بيننا مساحة واسعة من الثقة والتفاهم، ما يجعل عملية الإبداع أكثر سلاسة وصدقاً. في “حبيبتي”، كتب وسام الكلمات ولحنها بشغف كبير وبمحبة صادقة، وبإدراك عميق لما تمثله بيروت. لم يتعامل معها كمدينة فحسب، بل كقلب نابض لوطن كامل، كرمز لذاكرة جماعية ومشاعر متشابكة. هذا العمق الإنساني والفكري الذي يحمله هو ما منح الأغنية هذا الصدق وهذا الأثر الذي يصل إلى الناس.

أما سليمان دميان، فكان لدوره في التوزيع الموسيقي أهمية أساسية في استكمال هوية العمل. فقد أضفى على الأغنية بعداً حسياً دقيقاً، وجعلها تتنفس بهذا العمق وهذه الرهافة. استطاع أن يخلق مساحة موسيقية تحتضن المعنى من دون أن تطغى عليه، وأن يواكب الإحساس بدقة وشفافية، ما أتاح للكلمات واللحن أن يظهرا بكل وضوح وتأثير. توزيعه لم يكن مجرد إطار موسيقي، بل كان جزءاً من السرد العاطفي للأغنية، يرفعها من عمل جميل إلى تجربة متكاملة، تنبض بالإحساس وتلامس المستمع بصدق.

عبير نعمة

  • الفيديو كليب قدم بيروت بصورة شاعرية رغم واقعها الصعب. ماذا كان النقاش الأساسي بينك وبين نديم حبيقة حول الصورة التي أردتما إيصالها؟

كان النقاش منذ البداية قائماً على فكرة أساسية: أن نكون صادقين مع بيروت، من دون الهروب من وجعها، ومن دون اختزالها في هذا الوجع فقط. اتفقنا على أن التحدي الحقيقي هو تقديم صورة تعكسها كما نعيشها ونشعر بها، مدينة متعبة، نعم، لكنها لا تزال تحتفظ بكرامتها، وبمساحة من الضوء والجمال، وبقدرتها الدائمة على ملامسة القلب.

كما كان واضحاً بالنسبة إلينا أن بيروت، في هذا العمل، لا تمثل نفسها فحسب، بل تختصر لبنان بكل مناطقه وتجارب ناسه. هي مرآة لكل مكان تألم، ولكل بيت مر بالخوف، ولكل إنسان بقي متمسكاً بهذا الوطن رغم كل الظروف. من هنا، جاءت المقاربة البصرية لتكون أوسع من مجرد توثيق لحالة مدينة، بل تعبيراً عن ذاكرة جماعية وإحساس مشترك.

لذلك، لم تكن شاعرية الصورة محاولة لتجميل الواقع أو الهروب منه، بل كانت وسيلتنا للغوص أعمق في حقيقته. تلك الحقيقة التي تعترف بالجرح، لكنها في الوقت نفسه ترى ما تبقى من حياة، وما لا يزال يستحق أن يحب ويحافظ عليه.

عبير نعمة

  • إذا استطاعت بيروت أن ترد عليك: “نحبك… هل تسمعين؟”، ماذا تتمنين أن تقول؟

أتمنى أن تقول: نعم، أسمعكم… وما زال فيما يكفي من الحياة لأبقى.

أن أشعر بأن هذا الحب الذي نحمله لها لم يذهب سدى، وأنها، رغم كل ما مرت به، لا تزال تملك القدرة على النهوض من جديد. وفي المعنى الأعمق، أرى أن هذا الجواب لن يأتي من بيروت وحدها، بل من لبنان كله، كصوت واحد يقول إنه ما زال هنا، وما زال قادراً على الاستمرار.

  • “حبيبتي” تبدو كرسالة حب، لكنها أيضاً تحمل نوعاً من المسؤولية تجاه بيروت. هل ترين أن للفن دوراً فعلياً في شفاء المدن والناس، أم أنه يكتفي بالتعبير عن وجعهم؟

أؤمن بأن الفن لا يغير الواقع بشكل مباشر، ولا يستطيع بمفرده أن يرمم ما تهدم، لكنه يؤدي دوراً عميقاً وأساسياً يتمثل في حماية الإنسان من الداخل. هو يحفظ ذاكرته، وإحساسه، وكرامته، ويمنحه القدرة على ألا يعتاد الألم أو يتصالح مع القسوة.. وهذا بحد ذاته ليس أمراً بسيطاً أبداً.

الفن لا يكتفي بالتعبير عن الوجع، بل يمنحه صوتاً ومعنى وكرامة. يذكر الناس بما يشعرون به، وبما يجب ألا يفقدوه مهما اشتدت الظروف من حولهم. هو أشبه بمساحة احتواء، حضن يخفف وطأة الحزن ويمنح الألم شكلاً يمكن التعبير عنه ومشاركته.

وعندما نغني لبيروت، فنحن في الحقيقة نغني لكل إنسان عاش الخوف، ولكل بيت عرف الخسارة، ولكل قلب لا يزال متمسكاً بهذا الوطن رغم كل ما مر به. لذلك أرى أن “حبيبتي” ليست مجرد رسالة حب لبيروت، بل أيضاً رسالة وفاء للبنان كله، ومحاولة صادقة لنقول له: ما زلنا نراك، وما زلنا نحبك، وما زلنا نؤمن بأن فيك حياة تستحق أن نغني لها.

مسؤولة تحرير مكتب بيروت ومشرفة على قسم الأعراس