الفنانة التشكيلية السعودية شاليمار شربتلي لـ هي: الفن… لغة الإنسان ... وهوية الوطن
الفن التشكيلي أكثر من مجرد ألوان وأشكال… رسالة تتجاوز الزمان والمكان وقيمة لا تُقدّر بثمن.
مبادرة “Evelution” تحول الفن من تعبير جمالي إلى قوة ناعمة تُحدث تغييرًا حقيقيًا في قضايا المرأة.
"بصمة شاليمار" جسر يربط الإبداع بالمسؤولية ويمنح المواهب العربية منصة عالمية مستدامة.
السعودية… ملوك الشعر وأمراء الأدب واللغة.. والتاريخٌ يشهد.
الفن السعودي في قلب رؤية 2030.. والإبداع والهوية رافدان للتنمية المستدامة.
العائلة هي أساس تكوين الفنان ودعمها يمنح كل إنجاز عمقًا ومعنى.
دعم الزوج هو الركيزة التي تحقق التوازن بين الأسرة والمسيرة الفنية.
في لحظةٍ تتسارع فيها التحولات الثقافية في العالم العربي، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030، يبرز الفن التشكيلي كأحد أهم أدوات التعبير عن الهوية وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه. وفي قلب هذا المشهد المتجدد تتألق الفنانة التشكيلية السعودية العالمية شاليمار شربتلي كواحدة من أكثر التجارب الفنية خصوصية وجرأة إذ نجحت في بناء مسار إبداعي يتجاوز حدود اللوحة التقليدية إلى فضاءات أوسع تمزج بين الفن والفكر، والجمال والاقتصاد، والذات والعالم.
رحلة شاليمار ليست مجرد مسيرة فنية، بل تجربة إنسانية ممتدة تشكلت بين القاهرة وعواصم الفن العالمية وصقلت عبر مشاركات دولية ومشاريع مبتكرة أعادت تعريف مفهوم "الفن المعاصر" من منظور عربي. فهي ترى أن العمل الفني ليس مجرد تعبير بصري، بل منظومة فكرية وروحية تعكس علاقة الإنسان بالكون، وباللون، وبالوجود نفسه.
في هذا الحوار الخاص مع مجلة "هي"، تكشف شاليمار شربتلي عن فلسفتها الفنية، ومحطات مسيرتها، ورؤيتها لمستقبل الفن التشكيلي في العالم العربي والسعودية، ودور الفن في دعم القضايا المجتمعية، إلى جانب حضور المرأة، والعائلة، والاقتصاد الإبداعي في تشكيل تجربتها المتفردة، التي جعلت منها اسمًا لافتًا في المشهد الفني المحلي والدولي.
القاهرة: هي – جمال عبد الخالق
البدايات وتشكيل الهوية
• بداية كيف تصفين رحلتك الفنية؟ وما أبرز المحطات التي شكّلت وعيك الفني؟
رحلتي الفنية كانت ولا تزال رحلة بحث عميق عن الذات والإنسان، أترجمها عبر اللون والخط والمساحة. منذ بداياتي كنت أؤمن بأن الفن ليس مجرد تعبير بصري، بل رسالة إنسانية تحمل مشاعر وثقافات متراكمة. كانت انطلاقتي الحقيقية من القاهرة عام 1988، حين أقمت أول معرض لي في سن السادسة عشرة، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحول مفصلية في مسيرتي.
لاحقًا انطلقت إلى عواصم الفن العالمية مثل باريس وماربيا، حيث طورت لغتي الفنية، وشاركت في معارض دولية منها “Who’s Next” في باريس، وقدّمت أعمالي في جامعة أكسفورد. كما كانت تجربتي في “الموفينج آرت” محطة فارقة، حيث نقلت الفن من اللوحة التقليدية إلى السيارات واليخوت الفاخرة مثل Porsche وFerrari وPagani، وصولًا إلى عرض أعمالي في متحف اللوفر.
فلسفة الفن… بين الإدراك والعلم
• ماذا يعني لك الفن؟ وكيف يتجاوز العمل الفني الحدود؟
العالم يمرّ على الفنان بشكل مختلف تمامًا عمّا يمرّ به على الإنسان العادي؛ فالفنان يعيش حالة خاصة من الإدراك، يرى من خلالها الأشياء بعيون مغايرة، ويستشعر اللون والتكوين بطريقة تتجاوز المألوف.
الفن بالنسبة لي ليس تعبيرًا عشوائيًا، بل منظومة تجمع بين الفن والعلم؛ فاللوحة نظام دقيق قائم على ترتيب الفوضى وصياغتها في نسق متناغم. وعندما نتأمل الكون—الأشجار، البحار، الأنهار—نكتشف هذا الاتساق البديع، حيث تتجلى عظمة الخالق في التناغم اللوني والبصري.
أتذكر خلال عودتي مؤخراً من مدينة بيلاجيو الإيطالية كيف تأملت درجات الأزرق في مياه البحر المتوسط، وأدركت أن هناك ألوانًا في الطبيعة يستحيل نقلها بدقة على اللوحة مهما حاولنا. هنا يدرك الفنان حدود قدرته أمام عظمة الخلق، الفن في جوهره لغة إنسانية عالمية، وعندما يحمل العمل الصدق والأصالة، فإنه يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، ويصل إلى وجدان الإنسان في أي مكان.
التجربة الفنية والاتساق الداخلي
• ما الذي يميز تجربتك الفنية؟
تجربتي تقوم على الجرأة في التجريب مع التزام عميق بالقيمة الإنسانية. أعيش دائمًا بين ثنائية الألوان الباردة والساخنة، وهو انعكاس لطبيعتي التي تجمع بين الانفعال والهدوء في آن واحد. هذا التوازن ضروري لأن انسجام الألوان يجب أن ينعكس على الفكر والسلوك، ليكون الفنان متسقًا في رؤيته وتعبيره، الفن بالنسبة لي ليس مجرد شكل، بل تجربة متكاملة تمزج بين الإحساس والمعنى، وبين الثقافة والاقتصاد، وهو ما أسعى لتجسيده في أعمالي.
الفن كقوة ناعمة… مبادرة Evelution
• كيف تنظرين إلى مشاركتك في مبادرة Evelution ؟
هي تجربة استثنائية لأنها تنقل الفن من كونه تعبيرًا جماليًا إلى أداة تأثير حقيقية في قضايا المجتمع، خاصة قضايا المرأة. المبادرة تطرح موضوعات حساسة مثل العنف والتحرش والزواج المبكر، وتفتح حوارًا واعيًا بلغة الفن، بالنسبة لي هي ليست مجرد مشاركة، بل التزام إنساني ورسالة أؤمن بها.
الفن والاقتصاد الإبداعي
• كيف ترين موقع الفن ضمن الاقتصاد؟ ومتى يتحول إلى قيمة استثمارية؟
الفن اليوم لم يعد مجرد نشاط ثقافي أو مساحة للتعبير الجمالي، بل أصبح أحد أهم روافد الاقتصاد الإبداعي عالميًا، ومحركًا حقيقيًا للتنمية المستدامة. نحن نتحدث عن قطاع يخلق فرص عمل، ويُنشّط السياحة الثقافية، ويعزز الصناعات المرتبطة به مثل التصميم، والإنتاج، والمعارض، وحتى القطاعات الفاخرة.
التجربة الغربية قدّمت نموذجًا واضحًا في هذا السياق حيث نجحت في تحويل العمل الفني من قطعة تُعرض في صالة إلى منتج حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال توظيفه على المنتجات المختلفة، وبناء منظومة متكاملة تشمل الفنان، وصالات العرض، ودور المزادات، وشركات التسويق، والمنصات الرقمية. هذا التكامل هو ما صنع من الفن قيمة اقتصادية حقيقية، وليس مجرد منتج جمالي.
من وجهة نظري لا تقل الرؤية التسويقية والاستثمارية أهمية عن الإبداع ذاته، بل تُعد امتدادًا طبيعيًا له وضمانًا لاستمراريته وتأثيره. وهنا يبرز الدور الحيوي الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات الثقافية والقطاع الخاص في دعم الفنانين، من خلال بناء منظومات احترافية تُسهم في تحويل الأعمال الفنية إلى مشاريع اقتصادية مستدامة قابلة للنمو والتوسع، بما يعزز مكانة الفن كصناعة مؤثرة في الاقتصاد الإبداعي.
كما أؤمن أن الابتكار يلعب دورًا مهمًا في هذا التحول، وهو ما حاولت تقديمه من خلال “الموفينج آرت”، حيث خرجت بالعمل الفني من الإطار التقليدي إلى مساحات جديدة مثل السيارات واليخوت، ليصبح الفن تجربة معيشة وقيمة استثمارية في الوقت نفسه.
السينما والفن… قراءة نقدية
• كيف ترين صورة الفنان في السينما؟
أعتقد أن السينما ظلمت الفنان التشكيلي والطبيب النفسي في كثير من الأعمال، خاصة في مراحل تأثرت بتحولات ما بعد الثورة الصناعية. ومع تطور استخدام الألوان منذ السبعينيات، بدأت الصورة تتحسن، وأصبحت السينما أكثر تأثيرًا في الذائقة البصرية.
الفن السعودي ورؤية 2030
• كيف تقيمين واقع الفن التشكيلي في السعودية؟
الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية يعيش اليوم مرحلة استثنائية يمكن وصفها بأنها تحول تاريخي حقيقي مدفوع برؤية 2030 التي لم تنظر إلى الثقافة والفنون كعنصر تكميلي، بل كركيزة أساسية في بناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية وتنويع الاقتصاد.
نحن أمام مشهد فني يتطور بسرعة لافتة حيث أصبح الفن التشكيلي جزءًا من الحياة اليومية ومن المشهد الحضري والثقافي، ولم يعد محصورًا في النخب أو صالات العرض التقليدية. هذا التحول جاء نتيجة دعم واضح من القيادة الرشيدة، وإيمان عميق بأهمية القوة الناعمة في تشكيل صورة المملكة عالميًا.
أحد أبرز ملامح هذه المرحلة هو التمكين الحقيقي للفنان السعودي سواء من خلال اقتناء الأعمال الفنية المحلية في المؤسسات الرسمية، أو عبر دعم المعارض والمشاركات الدولية، وهو ما يمنح الفنان ثقة كبيرة بأن عمله جزء من مشروع وطني أكبر.
كذلك نشهد تطورًا ملحوظًا في البنية التحتية الثقافية، من متاحف ومعارض ومراكز فنية، إلى جانب إطلاق برامج تدريبية وورش عمل وملتقيات فنية، تسهم في صقل المواهب وخلق بيئة احترافية مستدامة. وهنا تبرز أهمية تأسيس مؤسسات أكاديمية متخصصة مثل جامعة الفنون في الرياض، والتي تمثل خطوة استراتيجية نحو بناء جيل جديد من الفنانين المؤهلين علميًا وعمليًا.
المشهد العربي… الجغرافيا والثقافة
• كيف ترين واقع الفن التشكيلي عربيًا؟
واقع الفن التشكيلي العربي هو نتاج تفاعل معقد بين الجغرافيا، والتاريخ، والتحولات الثقافية، وهو ما يفسّر اختلاف مراكز الثقل الفني من دولة إلى أخرى عبر الزمن. فلكل بيئة خصوصيتها التي تُشكّل وجدان الفنان وتحدد أدواته ومساراته.
تاريخيًا تميزت دول الخليج العربي – والمملكة العربية السعودية بشكل خاص – بثراء استثنائي في مجالات الشعر والأدب واللغة، حيث كانت الكلمة ولازالت هي الوسيلة الأبرز للتعبير الثقافي، نتيجة لطبيعة البيئة الاجتماعية والتراث الشفهي العميق. السعودية ملوك الشعر وأمراء الأدب واللغة، والتاريخٌ يشهد على ذلك، فالإعجاز اللغوي والبياني للقرآن الكريم أعظم أوجه الإعجاز نزل في بيئة عربية بلغت قمة الفصاحة والبلاغة اقوى من اي منطقه.
في المقابل ازدهر الفن التشكيلي في دول مثل مصر والعراق وسوريا، التي شكّلت الحاضنة الأولى للحركة التشكيلية العربية الحديثة ليس فقط بسبب عمقها الحضاري، بل أيضًا نتيجة انفتاحها المبكر على المدارس الفنية الأوروبية.
مصر تحديدًا لعبت دورًا محوريًا بوصفها منارة للفن التشكيلي العربي، حيث شهدت حراكًا فنيًا وثقافيًا واسعًا منذ بدايات القرن العشرين، مدعومًا بمؤسسات تعليمية رائدة مثل كليات الفنون الجميلة، واحتكاك مباشر بفنانين ومدارس عالمية. هذا التفاعل أفرز أجيالًا من الفنانين الذين لم يكتفوا بتبني المدارس الغربية، بل أعادوا صياغتها بروح عربية أصيلة، وأسهموا في نقل التجربة إلى باقي الدول العربية.
أما العراق وسوريا فقد كان لهما أيضًا دور بارز في ترسيخ الهوية التشكيلية العربية، من خلال مدارس فنية عميقة ارتبطت بالتراث والرمزية، وأسهمت في بناء خطاب بصري يعكس قضايا الإنسان العربي وتحولاته.
اليوم نشهد تحوّلًا مهمًا في المشهد العربي حيث بدأت موازين الحراك الفني تتغير. دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية تشهد نهضة ثقافية غير مسبوقة أعادت صياغة العلاقة مع الفن التشكيلي، هذا التحول لا يلغي الأدوار التاريخية للدول الرائدة، بل يضيف إليها بُعدًا جديدًا يقوم على التكامل لا التنافس.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
• هل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدًا للفن؟
يمثل تحديًا بلا شك، لكنه لن يلغي الفن الحقيقي. الأعمال اليدوية ستظل الأكثر قيمة وندرة، لأن الفن في جوهره مرتبط بالإنسان، نحن ما زلنا نتحدث عن أعمال كبار الفنانين التي تُباع بملايين الدولارات، وهذا يؤكد أن الفن سيظل استثمارًا حقيقيًا.
تكريم الجامعة العربية
- ماذا يعني لك التكريم من جامعة الدول العربية؟
يمثل هذا التكريم قيمة معنوية كبيرة بالنسبة لي لأنه لا يقتصر على كونه تقديرًا لمسيرتي الفنية فقط، بل هو اعتراف شامل بالبعد الإنساني الذي أحاول أن أقدّمه من خلال الفن. أشعر أنه تكريم لكل فكرة آمنت بها، ولكل تجربة مررت بها، ولكل عمل سعيت من خلاله إلى أن يكون للفن دور يتجاوز الجمال إلى التأثير الحقيقي في المجتمع.
هذا النوع من التكريم يحمل مسؤولية بقدر ما يحمل فخرًا، لأنه يأتي من جهة تمثل العالم العربي، بكل ما يحمله من تاريخ وثقافة وتنوع. لذلك أراه بمثابة رسالة تقدير للفن كقوة ناعمة قادرة على التعبير عن هويتنا العربية، وإيصال صوتنا إلى العالم بلغة إنسانية مشتركة.
كما أنه يعكس تقديرًا لدوري في تبني المبادرات المجتمعية والإنسانية، وإيماني بأن الفنان ليس معزولًا عن قضايا مجتمعه، بل هو شريك في طرحها والمساهمة في معالجتها بأسلوب إبداعي مؤثر. وعلى المستوى الشخصي هذا التكريم يمنحني دافعًا قويًا للاستمرار والتطور، ويشجعني على تقديم المزيد من الأعمال التي تعكس قوة المرأة العربية.

بصمة شاليمار
• حدثينا عن "بصمة شاليمار" ؟
"بصمة شاليمار" ليست مجرد مبادرة فنية، بل هي رؤية متكاملة تقوم على إعادة تعريف دور الفنان في المجتمع، بحيث لا يقتصر حضوره على الإنتاج الإبداعي فقط، بل يمتد ليصبح عنصرًا فاعلًا في التنمية الثقافية والإنسانية.
الفكرة الأساسية للمبادرة تنطلق من إيماني بأن الفن يحمل مسؤولية، وأن كل عمل فني يجب أن يترك أثرًا يتجاوز الجمال البصري ليصل إلى الإنسان وقضاياه. لذلك تسعى “بصمة شاليمار” إلى ربط الفن بالمسؤولية المجتمعية من خلال توظيف الإبداع في دعم قضايا إنسانية وثقافية، والمساهمة في نشر الوعي بأسلوب معاصر ومؤثر.
أحد أهم محاور المبادرة هو اكتشاف ودعم المواهب الشابة، حيث نعمل على توفير منصات حقيقية للفنانين الصاعدين لعرض أعمالهم، وتقديم برامج تدريبية وإرشادية تساعدهم على تطوير أدواتهم الفنية، وفهم السوق، وبناء هويتهم الإبداعية. أنا أؤمن أن الفنان لا يحتاج فقط إلى الموهبة، بل إلى بيئة حاضنة تمنحه الفرصة للنمو والاستمرار، كما تهدف المبادرة إلى تعزيز الاقتصاد الإبداعي من خلال تحويل الأعمال الفنية إلى مشاريع مستدامة تربط بين الفن والاستثمار.
الفن والحياة… العائلة أولًا
• كيف أثرت العائلة في تكوينك؟
العائلة بالنسبة لي لم تكن مجرد محيط داعم، بل كانت الأساس الحقيقي الذي تشكّلت عليه شخصيتي الإنسانية والفنية منذ البدايات. كل ما أنا عليه اليوم هو امتداد لتلك القيم والتجارب التي نشأت في ظلها.
والدي – رحمه الله – كان له دور محوري في منحي الثقة والمساحة لأكون نفسي. لم يفرض عليّ طريقًا محددًا، بل آمن بموهبتي منذ وقت مبكر، وفتح لي الأبواب لأعبّر عنها بحرية. دعمه لم يكن ماديًا فقط، بل كان معنويًا وفكريًا، حيث غرس فيّ قوة الشخصية، والإصرار، والإيمان بأن النجاح الحقيقي يأتي من الصدق مع الذات. وجوده في حياتي شكّل قاعدة صلبة انطلقت منها في رحلتي الفنية.
أما والدتي فهي معلمتي الأولى بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كونها خريجة الفنون الجميلة، لم تعلّمني فقط أساسيات الفن، بل منحتني الوعي الجمالي منذ الطفولة، وعرّفتني على قيمة اللون والخط والتكوين. الأهم من ذلك أنها غرست فيّ التوازن بين القوة والنعومة، وبين الصلابة والإنسانية، وهو ما انعكس لاحقًا في أسلوبي الفني وشخصيتي. تعلمت منها أن الفن ليس مجرد مهارة، بل هو أخلاق وإحساس ومسؤولية.
وفي حياتي اليوم يشكّل زوجي المخرج خالد يوسف ركيزة أساسية في استقراري النفسي والفكري. علاقتنا قائمة على الصراحة والاحترام المتبادل، وهو ما يمنحني مساحة كبيرة للتعبير والإبداع. رغم اختلافنا في الكثير من التفاصيل، إلا أن هذا الاختلاف يثري علاقتنا ويخلق حالة من التكامل، حيث يفهمني بعمق ويدعمني في كل خطواتي، وهو ما أعتبره عنصرًا مهمًا في تحقيق التوازن بين حياتي الأسرية ومسيرتي الفنية.
أما ابنتي “تي تي”، فهي امتداد لهذا العالم الجميل. أرى فيها شغفًا فنيًا مبكرًا، واهتمامًا بالحوار والتعبير، وأحرص دائمًا على أن أمنحها الحرية لتكتشف نفسها بنفسها، دون فرض أو توجيه قسري. أؤمن أن دورنا كآباء هو الدعم والتوجيه، وليس رسم الطريق بالكامل. لذلك سأظل بجانبها أساندها لتختار ما تحب، مع الحفاظ على القيم التي توازن بين الحرية والمسؤولية.
في النهاية، أستطيع القول إن العائلة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها الفنان، وهي التي تمنحه الجذور التي ينطلق منها نحو العالم. وبدون هذا العمق الإنساني لا يمكن لأي تجربة فنية أن تكون حقيقية أو مؤثرة.
التوازن بين الفن والأسرة
• كيف توفقين بين حياتك الشخصية ومسيرتك؟
إدارة الوقت هي الأساس مع دعم الأسرة خاصة الزوج الذي يمنحني التوازن بين حياتي العائلية ومسيرتي الفنية.
كلمة أخيرة
الفن في النهاية يرتقي بالإنسان، ويعزز قيم التسامح وتقبل الآخر. كما أن الأسرة تلعب دورًا محوريًا في اكتشاف الموهبة، فالأم التي تهدي طفلها للفن تفتح له بابًا لعالم مختلف مليء بالجمال والوعي، الفن ليس رفاهية… بل ضرورة إنسانية.




