مؤلفة الموسيقى التصويرية سعاد بشناق تكتب لـ"هي": قصتي مع الموسيقى
مسيرتي الفنية علمتني أن لا شيء مستحيلا، أنا سعاد بشناق، وفي عام 2026 أكون قد أتممت 10 سنوات من العمل في مجال تأليف الموسيقى التصويرية. وبطبيعة الحال. لم يكن هذا المجال هو عملي الأساسي منذ البداية؛ ففي الفترة ما بين عامي 2015 و2019، أي خلال السنوات الـ4 الأولى، كنت أعمل على فيلم أو فيلمين فقط في السنة. وابتداء من عام 2018 تقريبا، وبعد تخرّجي من مركز الأفلام الكندي حيث التحقت ببرنامج دراسي مخصص لمؤلفي الموسيقى التصويرية في المركز نفسه. ومنذ عام 2019، أخذ عملي في هذا المجال بالتوسع تدريجيا، إلى أن أصبح مهنتي الأساسية منذ أكثر من 5 سنوات حتى اليوم.
وبالطبع، لم يكن دخولي هذا المجال سهلا على الإطلاق ، إذ واجهت الكثير من التحديات، إلا أنني كنت محظوظة بأن أول فيلمين لي؛ الأول هو فيلم "المنعطف" للمخرج الراحل رفقي عساف عام 2015، وهو فيلم روائي طويل عُرض في مهرجان دبي السينمائي، والثاني هو فيلم "كان يا ما كان مرتين"، وهو فيلم وثائقي للمخرجة نِعم عيتاني، وقد عُرض في مهرجان أدنبرة باسكتلندا.
الحقيــقــــة أن هذا المــجــــال نادرا ما تـتـــــميز فيه النساء، ليس لأسباب إبـــداعيــــة أو تقـــنــيــــة، وإنــمــــا تكمن صعوبتــه الأساسية فيما يتطلبه من وقت، لأن تأليف الموسيقى يتطلب تفرغا، وهناك أيام أعمل فيها 16 ساعة متواصلة، وأيام أخرى عندما أعمل على مسلسل لا أنام سوى 4 ساعات في الليلة، وبالنسبة إلى النساء، قد يكون هذا التفرغ صعبا وخاصة عندما تكون المرأة أما لطفل، أو حين يفرض عليها المجتمع واجبات منزلية محددة. أنا أم، ومع ذلك استطعت والحمد لله، بطريقتي الخاصة أن أُنسق بين أمومتي وعملي. لا أقول إن الأمر سهلا، حيث يبدو كأنك تجمع بين وظيفتين بدوام كامل، لكن ابني يدرك طبيعة عملي، والأجمل أنني عندما أنتهي من العمل يصبح لدي كل الوقت لأكون معه وأعوضه.
أنا محظوظة أيضا في جانب آخر أحب الإشارة إليه، وهو أنني لم أشعر يوما في الوطن العربي بوجود تمييز ضدي لأنني امرأة. وربما رأيت هذا النوع من التمييز في الولايات المتحدة أكثر . ففي المنطقة العربية كوني امرأة لم يكن سببا في منعي من العمل، ولا سببا في حصولي عليه؛ بل تعاوني مع المخرجين والمخرجات قائم دائما على جودة الموسيقى التي أكتبها وعلى موهبتي قبل أي اعتبار آخر.
وعلى مستوى الفرص كانت هناك محطات كثيرة أعتز بها في حياتي المهنية في مجال التأليف الموسيقي للسينما والتلفزيون. من بينها فيلم "رحلة 404" بطولة منى زكي وإخراج هاني خليفة، وكذلك فيلم "يونان" لأمير فخر الدين، الذي شارك في مهرجان برلين السينمائي.
وفيلم "جنائن معلقة" لأحمد ياسين الدراجي الذي عُرض في مهرجان فينيسيا، وفيلم "هوبال" لعبد العزيز الشلاحي الذي شارك في مهرجان البحر الأحمر. هذه الأفلام الـ4 قريبة جدا إلى قلبي، لأن كل منها أتاح لي أن أقدم جانبا مختلفا من موهبتي، ومنحني مساحة للتعبير بصدق.

ومن أعز الأعمال إلى قلبي تليفزيونيا، مسلسل "البطل" للمخرج الليث حجو، حيث انه كان من اكثر تجارب التأليف الموسيقي متعة و غِنى، وكــــــذلك مسلسل Secret World of Sound with David Attenborough، إذ إن حـــلـــم أي مـــؤلـــــف موسيقي هو أن يكتب موسيقى لشخصية مرموقة مثل المذيع والمخرج والكاتب "ديفيد أتينبورو"، الذي سيبلغ عامه الـ100 هذا العام. فقد جرى اختياري من بين المئات لتأليف الموسيقى التصويرية الكاملة للعمل، وكان الأمر بمثابة حلم تحقق بالفعل. كما أعتز بعدد من الأعمال التي قدمتها لمنصة "نتفلكس"، مثل مسلسل "جايبة العيد"، وفيلم "جرس إنذار".
وهناك أيضا محطات بارزة تتعلق بالجوائز والترشيحات التي حصلت عليها، من بينها ترشحي 4 مرات لجائزة الشاشة الكندية، التي تعادل BAFTA، أو الأوسكار في كندا، وهي أعلى جائزة في مجالي السينما والتلفزيون هناك، وقد كان ذلك سابقة لأي مؤلف من أصول عربية. كما تعد جائزة موسيقى الشاشة الكندية CASMA محطة مهمة أخرى في حياتي؛ إذ رشحت لها 6 مرات، وفزت بها مرتين. وترشحت لجوائز هوليوود للموسيقى في الإعلام أكثر من مرة، وفزت بها مرتين. فهذه الجوائز تؤكد لي أنني أسير في الطريق الصحيح.
أما الإنجاز الذي أعتز به كثيرا وأحب أن أضيفه إلى رصيدي، ليس فقط بصفتي مؤلفة موسيقى تصويرية بل إنسانة أيضا، فيتعلق بالفيلم الوثائقي American Doctor الذي عُرض مؤخرا في مهرجان "صندانس"، ويوثق الانتهاكات في مستـــشفيـــــات غـــــزة، وقد حظي بـ5 عروض كاملة العدد، حيث وقف الجمهور مصفقا لدقائق طويلة بعد كل عرض، في لحظة مؤثرة تؤكد قوة الرسالة التي يحملها الفيلم.
أنا ممتنة لأن جدول أعمالي فيه مشروعات تشغل وجداني، ومن أحدثها مسلسل "السوريون الأعداء" للمخرج الليث حجو، وهو عمل مهم جدا بالنسبة إلي. كما يسعدني كثيرا أن يتجدد تعاوني مع الأستاذ الليث بعد"البطل" الذي حصدت موسيقاه جائزة الشاشة الكندية، وأعمل أيضا على مسلسل "ممكن"، لنادين نسيب نجيم وظافر العابدين، وإخراج أمين درّة. سعيدة جدا بهذا التعاون، لأن الجمهور سيستمع من خلاله إلى تجربة موسيقية مختلفة. وبعد ذلك، لدي فيلم كندي أبدأ العمل عليه قريبا.