الرينغشتراسه الطريق الذي صنع فيينا

فيينا في الربيع.. عطلة بين القصور والمقاهي والفن

ما يميز فيينا عن غيرها من العواصم الأوروبية أنها لا تسعى لإبهارك، فباريس تعلن جمالها في كل زاوية، أما فيينا فتحتفظ بثقة هادئة رزينة، تمشين في شوارعها وتشعرين أن الحياة تمضي فيها بطبيعتها، وأنكِ مدعوة فقط لتكوني جزءاً منها لبعض الوقت، وهذه الأناقة غير المتكلّفة هي أكثر ما يأسر القلب.

وإن كنتِ تميلين إلى الجمال الهادئ والعمق الفكري، إلى المقاهي التي تحتضنكِ لساعات والمتاحف التي تعودين إليها مراراً، فستجدين في فيينا مدينة تفهمكِ دون أن تحتاجي إلى شرح.

وإن كان لكل فصل في فيينا سحره الخاص، فإن الربيع يمنحها روحاً مختلفة تماماً؛ حين تتفتح الحدائق الباروكية وتعود الشمس لتوقظ الألوان في الطرقات العريقة، تتحول المدينة إلى لوحة فنية تمشين داخلها، لا مجرد مشهد تتأملينه من بعيد.

أصحبك اليوم في أجواء ربيعية ساحرة بين جوانب فيينا المفعمة بالسحر والجمال، لنستمتع بعطلة ربيعية نسائية لا تشبه غيرها.

قصر شونبرون

قصر شونبرون أحد أعظم القصور الإمبراطورية في أوروبا
قصر شونبرون أحد أعظم القصور الإمبراطورية في أوروبا

حين يُترجم اسم "Schönbrunn" حرفياً إلى "الينبوع الجميل"، فهو يستحضر ذلك النبع الذي اكتشفه الإمبراطور ماتياس خلال رحلة صيد عام 1612، لكن ما شُيّد حول هذا الاكتشاف تجاوز الاسم بكثير، ليصبح أحد أعظم القصور الإمبراطورية في أوروبا.

يقف قصر شونبرون في فيينا شامخاً بفخامته، شاهداً على ثلاثة قرون من حكم آل هابسبورغ، وقد أمرت الإمبراطورة ماريا تيريزا بتحويله إلى مقر صيفي ملكي بين عامَي 1743 و1749، ليأخذ على يد المعماري نيكولاوس باكاسي طابعه الروكوكو الذي لا يزال يُبهر الزوار حتى اليوم، ومع 1441 غرفة يفتح القصر نحو 40 منها للزيارة، تتنقلين بينها من الغاليري العظيم الممتد أربعين متراً حيث تتشابك المرايا مع الثريات الكريستالية، إلى الغرف الخاصة التي تروي حياة الإمبراطورة إليزابيث "سيسي" بكل تفاصيلها الحميمة.

غير أن السحر الحقيقي في الربيع يتجلّى خارج الجدران، حيث تتفتح الحدائق المصممة على الطراز الفرنسي بألوانها المتناسقة، وتلمع نافورة نبتون تحت أشعة الشمس، بينما تمنحكِ الغلوريات "Gloriette" من أعلى التلة مشهداً بانورامياً لا يُنسى.

قصر ومتحف بيلفيدير

قصر ومتحف بيلفيدير
قصر ومتحف بيلفيدير

لا تكتمل زيارة فيينا دون الوقوف أمام لوحة "القُبلة"، ليس لأنها شهيرة فحسب، بل لأن حضورها في الواقع تجربة مختلفة تماماً عن أي صورة رأيتها من قبل، فقد رسمها غوستاف كليمت بين عامَي 1907 و1908 مستخدماً تقنيته الذهبية المستوحاة من الفسيفساء البيزنطية بعد زيارته لمدينة رافينا، لتصبح هذه المرحلة ما يُعرف اليوم بعصره الذهبي.

تُعرض اللوحة في قصر بيلفيدير العلوي، ذلك الصرح الباروكي الذي بُني بين عامَي 1717 و1723 للأمير أوجين دي سافوا، والذي يضم اليوم أكبر مجموعة من أعمال كليمت في العالم، إلى جانب لوحات مميزة لشيلي وكوكوشكا وغيرهما، بينما تمتد الحدائق الباروكية بين البيلفيدير العلوي والسفلي في مشهد ربيعي ساحر، حيث تتناثر أحواض الزهور والبرك العاكسة بين تماثيل بيضاء صامتة فوق بساط أخضر نابض بالحياة.

المقاهي في فيينا تجربة ساحرة في الربيع

المقاهي في فيينا تجربة ساحرة في الربيع
المقاهي في فيينا تجربة ساحرة في الربيع

لو كان لفيينا وجه إنساني، لكانت المقاهي شخصيته الرئيسية، وهذا ليس مجازاً بقدر ما هو حقيقة تاريخية، إذ أُدرجت ثقافة المقاهي الفيينية على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، لأنها لم تكن مجرد أماكن لشرب القهوة، بل فضاءات اجتماعية وثقافية ساهمت في تشكيل ملامح الفكر الأوروبي.

يُعد كافيه سنترال، الذي تأسس عام 1876، التعبير الأوضح عن هذه الروح، حيث تمتد الأقواس العالية وتعلو الأعمدة الرخامية تحت قبة زجاجية شفافة تمنح المكان هيبته، وقد كان هذا المقهى ملتقى لكبار المفكرين والمبدعين في مطلع القرن العشرين، من فرويد وشتيفان تسفايغ إلى ليون تروتسكي قبل ثورة 1917، كما كان أول مقهى في المدينة يسمح للمرأة بالدخول بمفردها دون مرافقة.

كافيه سنترال تمتزج فيه رائحة القهوة بعبق التاريخ، سواء اخترتِ قهوة مزدوجة مع حليب مبخر Melange الكريمي أو Einspänner الغنية وهي إسبريسو مع كريمة مخفوقة كثيفة يُقدَّم في كوب زجاجي، فلا تغادري قبل تذوق فطائر السترودل بالتفاح الطازج.

وبالقرب منه، يقدّم كافيه سبيرل، الذي تأسس عام 1880، تجربة مختلفة بطابعه الدافئ، حيث المقاعد المخملية الحمراء والخشب الداكن، وقد اكتسب شهرة إضافية بعد ظهوره في فيلم Before Sunrise، كما أن موقعه القريب من سوق ناشمارك يجعله مثالياً لإفطار صباحي، خاصة في يومي الجمعة والسبت.

سوق ناشمارك فيينا

سوق ناشمارك فيينا المدينة بلا أقنعة
سوق ناشمارك فيينا المدينة بلا أقنعة

لكي تعيشي حياة فيينا الحقيقية لا زيارتها كسائحة، ابدئي صباحكِ في سوق ناشمارك، هذا السوق الممتد على مساحة 2.3 هكتار والذي تعود جذوره إلى القرن السادس عشر، ويُعد اليوم أكبر أسواق المدينة الداخلية مع أكثر من 120 بسطة.

في عام 1793 صدر قرار يُلزم التجار القادمين بالعربات ببيع بضائعهم هنا، ومنذ ذلك الحين أصبح السوق مزيجاً فريداً من التاريخ والحياة اليومية، حيث تلتقي أنواع الجبن النمساوي بالزيتون التركي، والبهارات الهندية بالفواكه الاستوائية، في مشهد يعكس تنوع المدينة.

يوم السبت هو الأكثر حيوية، حيث يُضاف سوق السلع المستعملة في نهاية الشارع، بينما تُطل مباني أوتو فاغنر على المكان في خلفية معمارية مدهشة لا تتوقعينها في سوق شعبي.

قصر هوفبورغ

قصر هوفبورغ وتاريخ عائلة هابسبورغ
قصر هوفبورغ وتاريخ عائلة هابسبورغ

هوفبورغ ليس مجرد قصر، بل مدينة كاملة داخل المدينة، كان على مدى ستة قرون المقر الرئيسي لآل هابسبورغ، ويضم اليوم متحف سيسي والمسكن الإمبراطوري وخزانة الجواهر، إلى جانب معالم أخرى عديدة، لكن الحضور الأبرز يبقى للإمبراطورة إليزابيث، التي تكشف غرفتها عن شخصية تبحث عن الحرية وسط قيود البلاط، حيث تقف صالة التمارين في قلب المساحات الرسمية كدليل على روحها الاستثنائية، ولا تفوّتي زيارة حديقة فولكسغارتن المجاورة حين تتفتح أزهارها في الربيع.

الرينغشتراسه الطريق الذي صنع فيينا

الرينغشتراسه الطريق الذي صنع فيينا
الرينغشتراسه الطريق الذي صنع فيينا

الرينغشتراسه هو الشارع الإمبراطوري الذي أمر ببنائه الإمبراطور فرانز جوزيف في القرن التاسع عشر ليجسد فخامة الإمبراطورية النمساوية المجرية، واليوم يمنحكِ المشي فيه تجربة معمارية فريدة، حيث تتوالى المعالم مثل أوبرا فيينا والمتحف التاريخي للفنون بسقوفه المزخرفة ولوحاته الكلاسيكية.

وفي الربيع، يصبح هذا الشارع أكثر سحراً مع اعتدال الطقس وتفتح أشجار الكستناء، بينما تمتد طاولات المقاهي إلى الخارج، وكأن المدينة تدعوكِ لتعيشيها على مهل، فلا تتركي وسائل النقل تختصر عليكِ هذه المتعة.

محررة في قسم المجوهرات واللايف ستايل