الممثلة إلسا زغيب: بين القوة والإنسانية على شاشة الدراما اللبنانية
في عالم الدراما اللبنانية، هناك أصوات وأدوار تترك أثرا لا ينسى، وأخرى تتحداك كمشاهد لتقف أمام شخصية لا تشبهك أبدًا، لكنها تجعل قلبك يتأثر وتفكيرك يتوقف للحظةة. إلسا زغيب هي إحدى هؤلاء الممثلات، التي لا تكتفي بالظهور على الشاشة، بل تختار أدوارها بعناية، بحثا عن المعنى والرسالة وراء كل شخصية.
من "سارة" في بالحرام التي أثارت إعجابًا وكرهًا في آن واحد، إلى أحلامها بخوض تجربة الأكشن والتمثيل المسرحي، تكشف إلسا كيف تواجه تحديات الأداء، وتوازن بين حياتها الشخصية والفنية، وتستمد قوتها من أبنائها وسط الظروف الصعبة. في هذا الحوار، تأخذنا إلسا إلى كواليس اختياراتها الفنية، صراعاتها مع الشخصيات المركبة، ومسؤوليتها كممثلة وأم، لتكشف أن وراء كل أداء هناك رسالة، وخلف كل نجاح قصة.

-
كيف تصفين تجربتك في مسلسل بالحرام، وما الذي جذبك لهذا الدور؟
لم أكن أتوقع هذا النجاح الكبير، وكره الجمهور لشخصية سارة أسعدني لأنه يعكس مدى اقتناعهم بأدائي. جذبني إلى الدور أنه مختلف تمامًا عما قدمته سابقًا، إذ كان تحديًا أن أجسد شخصية بعيدة عن الطيبة والبراءة المعتادة في أدواري السابقة، ما أتاح لي اختبار قدراتي بطريقة جديدة.
-
الشخصية التي قدمتها تحمل أبعاداً إنسانية عميقة، كيف حضرت لها نفسياً وعاطفياً؟؟
تبدو سارة في الظاهر امرأة قاسية وخالية من العاطفة، لكنها في العمق شخصية ضعيفة وخاضعة لشخص أقوى منها. هذا التناقض كان أساس تحضيري للدور، إذ يعكس كيف يمكن أن تخفي القسوة معاناة أو ظروفًا قاهرة.
يمكن فهم حالتها من خلال ما يشبه "متلازمة ستوكهولم"، حيث تتعلق الضحية بمن يسيطر عليها، فتجد نفسها تنفذ أوامره رغم رفضها الداخلي. كما يسلط الدور الضوء على واقع نراه كثيرًا، حيث يُستغل الأضعف ويدفع إلى الواجهة ليتحمّل النتائج، بينما يبقى صاحب السلطة بعيدًا عن المحاسبة.
-
هل وجدت تقاطعاً بينك وبين الشخصية، أم كانت بعيدة عنك تماماً؟
أنا بالتأكيد بعيدة تماما عن الجانب الإجرامي في شخصية سارة، فأنا شخص عاطفي جدا وأتعاطف مع الآخرين. لكن ربما القاسم المشترك الوحيد بيني وبينها هو الصرامة؛ إذ إنني حازمة في مواقفي وطريقة تعبيري. أما غير ذلك، فلا أرى أي تشابه حقيقي بيني وبين هذه الشخصية، فهي بعيدة عني تماما.
-
ما التحدي الأكبر الذي واجهك أثناء التصوير؟
أكبر تحد لي دائما هو التأكد من أن أدائي صحيح ومقنع، لذلك أستعين برأي المخرج باستمرار. في شخصية سارة، كان التحدي تجسيد هدوئها ودقتها بعيدًا عن طبيعتي السريعة، وأيضا مواجهة تفاصيل تقنية مثل الشعر المستعار. الأهم أن يكون حضوري التمثيلي هو ما يترك الانطباع لدى المشاهد، لا الشكل الخارجي.

-
العمل يلامس قضايا حساسة، هل شعرت بمسؤولية إضافية؟؟
نعم، شعرت بمسؤولية كبيرة، خاصة كوني أم وأفكر بمستقبل أولادي وبيئتهم. رغم أن شخصيتي سلبية، كان مهما تجسيدها لتوعية الناس بالمخاطر، مع التأكيد على أن حماية الأبناء تكون بالحوار والقرب منهم، لا بالعزل.
-
كيف كان تفاعل الجمهور مع الدور؟ وهل فاجأك أي رد فعل؟
تفاعل الجمهور مع الدور كان أكبر مما توقعت، إذ عبروا عن كرههم الشديد للشخصية، وفي الوقت نفسه عن إعجابهم الكبير بالأداء، وهو تناقض أسعدني لأنه يعكس مدى تأثرهم بها.
كما فاجأهم التحول من الأدوار الكوميدية إلى شخصية جريئة وقوية مثل “سارة”، ما زاد من قوة التأثير. هذا التباين جعلهم ينفرون من الشخصية، لكنهم قدّروا أدائي بشكل كبير، وهو ما أسعدني كثيرًا.
-
لو عاد بك الزمن، هل كنتِ ستقدمين الشخصية بطريقة مختلفة؟
لا، أعتقد أن ما قدمته كان صحيحا، خاصة بعد أن رأيت ردود فعل الجمهور، التي أكدت لي ذلك. فلو كانت سارة شخصية صاخبة ومنفعلة تعتمد على الصراخ لإبراز قوتها، ربما لم تكن ستحقق التأثير نفسه.
برأيي، الهدوء الذي تميزت به الشخصية، إلى جانب قسوتها الظاهرة في الملامح والنظرات، هو ما منحها هذا الحضور القوي، وجعلها أكثر إقناعا ونجاحًا.
-
كيف ترين واقع الدراما اللبنانية اليوم في ظل الظروف الحالية؟
بالنسبة لي، الدراما اللبنانية موجودة منذ بداياتها، وقد شهدت بعض الفترات من النقص في الإنتاج قبل بضع سنوات. لكن مع ظهور شركات إنتاج كبيرة مثل Eagle Film والصباح، تحسن التمويل وبدأت الأعمال تنتج بشكل أفضل وبجودة أعلى.
الدراما اللبنانية بخير، إذ لدينا ممثلون مخضرمون يعتبرون أساتذة في مجالهم، وكذلك كتاب ومخرجون متميزون. برأيي، نجاح أي عمل درامي لا يعتمد على عنصر واحد فقط، بل على الجمع المتقن بين جميع العناصر: الأداء، الكتابة، الإخراج، والتمويل. عندما يتحقق هذا التوازن، تكون النتيجة عملاً متكاملًا وناجحًا.

-
برأيك، هل استطاعت الدراما اللبنانية أن تفرض نفسها عربياً؟
بالطبع، استطاعت الدراما اللبنانية أن تفرض نفسها على الساحة العربية. الدليل على ذلك أعمال مثل Eagle Films ومسلسل "على أمل"، حيث كان معظم الممثلين لبنانيين، مع ظهور محدود لشخصيات من جنسيات أخرى.
كما أن مسلسلي العام الماضي "بالدم "و "بالحرام" كانا أعمالًا لبنانية خالصة، وحققا انتشارا واسعا على منصة شاهد، مع حضور واضح وبصمة لبنانية مميزة بين المسلسلات المشتركة. لذلك، يمكن القول إن الدراما اللبنانية اليوم موجودة بقوة وتترك أثرها في المشهد العربي.
-
هل تعتقدين أن الإنتاجات المشتركة خدمت الدراما اللبنانية أم أضعفت هويتها؟
بالطبع، أعتقد أن الإنتاجات المشتركة خدمت الدراما اللبنانية، لأنها منحتها انتشارًا أوسع خارج لبنان. فلبنان بلد صغير من حيث عدد السكان، والإنتاجات المشتركة ساعدت على وصول أعمالنا إلى العالم العربي والعالم بشكل أوسع، ما عزز حضور الدراما اللبنانية وانتشارها.

-
ما الذي ينقص الدراما اللبنانية لتصل إلى مستوى المنافسة العالمية؟
-لا أرى أن هناك ما ينقص الدراما اللبنانية لتصل إلى مستوى المنافسة العالمية. لدينا الإنتاج، والكتاب، والمخرجون، والممثلون، وكل العناصر الأساسية موجودة. إذا توفرت الحبكة الجيدة والإخراج المميز، فكل شيء ينجح.
بالطبع، لا يمكن مقارنة ذلك بهوليوود التي تمتلك أدوات احترافية أكثر بكثير، لكننا من حيث الأساسيات لا ينقصنا شيء لننافس على المستوى العالمي.
-
هل ترين أن هناك نصوصاً جريئة كفاية تعكس واقع المجتمع؟
هناك نصوص جريئة بالتأكيد، لكن ما زال هناك الكثير من المواضيع المهمة التي لم تناقش على الهواء بعد. ربما ما زال المجتمع يعتبرها من "التابوهات"، أو لم يحن الوقت لطرحها بشكل علني.
من الضروري أن نتناول هذه القضايا ونتحدث عنها، لأنها تساعد على التوعية وتسليط الضوء على تجارب كانت تعتبر في الماضي محظورة أو مخجلة. في عصرنا اليوم، أبناؤنا أكثر وعيًا منا، ومن واجبنا أن نطلعهم على هذه القصص لكي يتعلموا ويبتعدوا عن الأخطاء التي وقع فيها الجيل السابق.
-
كيف تختارين أدوارك؟ وما الذي يلفت انتباهك في أي نص؟
أنا لا أختار أدواري لمجرد الظهور على الشاشة، فهذا آخر هم يشغلني. ما يهمني هو أن يكون للدور قيمة، أن يحمل رسالة أو يترك أثرًا لدى المشاهدين، ويجعلهم يفكرون أو يتعلمون شيئًا من خلاله.
لا أريد أن أكون مجرد وجه يظهر على التلفزيون اليوم وينساه الجمهور غدًا، بل أطمح أن يكون لكل دور أقدمه معنى ورسالة تجعل الناس يتذكرونني من خلاله.
-
هل تفضلين الأدوار المركبة نفسيًا أم الأدوار الخفيفة؟
- أفضل الأدوار المركبة نفسيًا لأنها تمنح الممثل تحديًا لإظهار قدراته. حتى لو كان الدور قصيرًا أو بسيطًا، يمكن لبناء الشخصية وإظهار حضورها أن يترك انطباعًا قويًا لدى الجمهور، كما حدث مع شخصية سارة في بالحرام.
-
ما هو الدور الذي تحلمين به؟
دائمًا ما أحلم بتجسيد أدوار في أفلام الأكشن، لأنني أشعر أنني قادرة على تقديمها. أنا شخصية رياضية جدًا بطبعي، وأرى أن لدي القدرة على أداء مثل هذه الأدوار. رغم أن إنتاجات الأكشن محدودة في الوطن العربي، إلا أنني أحب متابعة أفلام الأكشن والإثارة، وأتمنى أن تتاح لي الفرصة لتقديم شخصية بهذا النوع، لأنني أشعر أنها تناسبني تمامًا.
-
المسرح له مكانة خاصة، ماذا يعني لك الوقوف على خشبته؟
أنا من بنات المسرح، خريجة قسم المسرح، وتربيت على خشبته منذ الصغر. قبل الجامعة، مارست الرقص الحديث (dance modern) لمدة 12 سنة، وكنا نقدم عروضًا على المسرح بشكل دوري، فالمسرح جزء من تكويني الفني.
حتى الآن لم أتح الفرصة للتمثيل الاحترافي على خشبته، لكن إن شاء الله سيكون لي قريبًا عمل مسرحي سأعلن عنه قريبًا، وأنا متحمسة جدًا لهذه التجربة.
-
هل لديك مشاريع مسرحية قريبة؟
نعم، لدي مسرحية كنت أعمل عليها مع زياد نجار، وكان من المقرر عرضها في نهاية أبريل. للأسف، الظروف الحالية في لبنان والمنطقة العربية أجبرت على تأجيل المشروع.
لكن هذا الموضوع مؤجل فقط، وسأعلن عنه حين يحين الوقت. أنا متحمسة جدًا لهذه التجربة، وستكون أول تجربة مسرحية احترافية لي. بالإضافة إلى ذلك، هناك تجربة مسرحية أخرى سأعمل عليها مع نادرة عساف على خشبة المسرح بداية الخريف، وأتطلع إليها بشغف كبير.
-
ما الذي تحضرين له حالياً على صعيد الدراما؟
حاليًا، انتهينا من تصوير مسلسل رمضان، ونحن الآن في فترة استراحة قبل بدء طرح المشاريع الجديدة للسنة القادمة. يمكن القول إنها استراحة مجبرة بسبب الظروف الصعبة في الوطن.
أما بالنسبة للأعمال الجديدة، فكنت أحضر لمسرحية، لكن نظرًا للوضع الحالي، تأجلت. آمل أن تتحسن الظروف قريبًا لنتمكن من استكمال هذه المشاريع، وأتطلع للعودة إلى العمل قريبًا.
-
كيف تحافظين على التوازن بين حياتك الشخصية والفنية؟
في البيت، لا يعرفني أحد كما يعرفني الجمهور على الشاشة أو في المقابلات والمناسبات. أنا في المنزل شخص متواضع جدًا، مثل أي أم أخرى، أعتني بأطفالي، أطبخ، أتابع واجباتهم، وأشاركهم أنشطتهم اليومية. أبدأ يومي باكرًا، وأخصص وقتًا محددًا لكل شيء. عندما يكون لدي عمل، أركز بالكامل على دوري وأدائي؛ وعندما أكون في المنزل، كل طاقتي واهتمامي تذهب لعائلتي ولإدارة مهامي اليومية. أحرص على الفصل الواضح بين وقت العمل ووقت الحياة الشخصية، وهذا ما يساعدني على الحفاظ على التوازن.
-
ما الذي يمنحك القوة في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها؟
القوة تأتي من أولادي، خاصة في الظروف الصعبة التي نعيشها. ممنوع أن أضعف أمامهم، فإذا ضعفت، من سيقويهم ويمنحهم الأمل؟ يجب أن أظل قوية لأخطط لمستقبلهم وأضمن لهم طفولة صحية وسعيدة. أيضًا، التحديات اليومية والأسئلة المستمرة حول المستقبل تعلمني كيف اصمد واكون قدوة لأطفالي.
-
ماذا تقولين لكل امرأة ترى نفسها في الشخصيات التي تقدمينها؟
لقد جسدت الكثير من الشخصيات التي تحمل رسائل مهمة، مثل شخصية أماني في شتاء بيروت، التي عانت من العنف الأسري، ووصلتني رسائل من نساء يشعرن بأنهن يشبهن هذه الشخصية. هذه الشخصيات تعمل كمرآة، لتري المرأة إن كانت تعيش في بيئة غير صحية، وتحثها على التحرر والمطالبة بحقوقها. أهم شيء هو أن تعتمدي على نفسك وتحققي ذاتك، لتتمكني من الوقوف على قدميك والعيش بكرامة وسعادة، لأن الحياة لا تأتي مرتين.