قبل "الهوت كوتور" كيف شكلت الأزياء العربية التقليدية مفهوم الفخامة والهوية؟

قبل "الهوت كوتور" كيف شكلت الأزياء العربية التقليدية مفهوم الفخامة والهوية؟

بقلم:‏ mohammad fawakih

قبل أن يصاغ مفهوم "الهوت كوتور"، وقبل أن ترفع المنصات وتكتب القواعد، كانت الأزياء التقليدية في العالم العربي تحاك ‏بروح الفن ذاته. لم تكن الحرفة آنذاك ممارسة وظيفية فحسب، وإنما كانت فعلا جماليا، تحاك فيه الأقمشة الفاخرة، وتطرز ‏الخيوط المعدنية، وتبنى القصات بدقة تعكس فهما عميقا للجسد والمكان والمكانة.‏

من مجموعة "تكريم" من ريم الكنهل في أسبوع الأزياء في الرياض 2025‏
من مجموعة "تكريم" من ريم الكنهل في أسبوع الأزياء في الرياض 2025

الأزياء التقليدية تعبير عن الهُوية والاحتفاء والسلطة

ولـــدت هذه الأزيــــــاء في ســيــــاق اجتـــمـــاعي وثــقـــــافي يقدس الندرة والتميز. الأقمشة المنسوجة يدويا، الجلود ‏المعالجة بطرق تقليدية، الخيوط الذهبية والفـضيـــة، كلها عناصر لم تكن تهدف إلى الزيــنــــة فحسب، وإنما إلى التعبير عن ‏الهُوية والاحتفاء والسلطة. كانت القطعة الواحدة تنجز ببطء، وبوعي، وبطقس يشبه ما نعرفه اليوم في مشاغل "الهوت ‏كوتور".‏

وبرأيي "الهوت كوتور"، في جوهره، يقوم على الفكرة ذاتها أساسا: قطعة تصنع بعناية، وتنفذ يدويا، وتمنح وقتا وطقسا ‏خاصا. ومن هنا، يصبح الـــربـــط بين الأزيــــاء التــقلـيـــديــــــة العربية و"الهوت كوتور" ليس التقاء عالمين مختلفين، فما ‏هو إلا عودة الأصل إلى لغته الطبيعية.‏

نظرة على علاقة الأزياء السعودية بعالم "الكوتور" ‏

بمجرد النظر إلى مشهد الأزياء السعودي والصناعة السعودية، أصبحت عروض الأزياء مسرحا حيا للتراث والإبداع، تسمع ‏فيها أهازيج أثيرية وترى فيــهــا الجــاعـــد واللباس النجدي، ألوان الصحراء السعودية وعبق الخزامى.‏

في أسبوع الأزياء في الرياض، وكأس السعودية، وحتى يوم التأسيس ومواسم المدن المختلفة من موسم الدرعية إلى شتاء ‏طنطورة في العلا. هناك حيث تحكي كل إطلالة قصة أثيرية متجذرة في مناطق المملكة المختلفة، فيما يبرز في المشهد ‏السعودي مصممون آخرون مثل: أتلييه حكايات وعد العقيلي، خولة العيبان، مشاعل الفارس، نور الظاهري، نورا سليمان، ‏ومنى الشبل وقرمز، حيث تحمل تصاميمهم رؤية واضحة لدمج الحرفة التقليدية السعودية مع الابتكار، لتؤكد أن التراث ليس ‏فولكلورا، وإنما قيمة فنية حقيقية تتناغم مع أرقى مدارس الخياطة الراقية.‏

يمثـــل هذا المشــهــــد لصنـــاعــــة الأزيـــاء الــراقيــــة حالــــــة من الانصهار البديع بين الموروث الخليجي العريق وفنون ‏‏"الهوت كوتور" الباريسية.‏

يتجـــلى هذا الانـــدمـــــاج في قدرة المصمـمــيــــن عـــلى استحضار روح "الدراعة" و"البشت" وإعادة صياغتهما ضمن ‏قوالب هندسية وفنية معقدة.‏

البشت على وجه الخصوص الذي خلع رداءه التقليدي ليصبح قطعة "الكاب" الأكثر طلبا وتأثيرا في مجموعات الكوتور، ‏ربما هذا التحول جعله القطعة الأبرز التي تمنح إطلالة "السيادة" في عالم الموضة الراقية، أو بات "الترف" يقاس بمدى ‏العمق الثقافي والقصة الكامنة وراء كل تصميم.‏

ولعل المصمم العالمي "ستيفان رولان" هو المثال الأبرز لهذا الاندماج، إذ لطالما عبّر عن شغفه العميق بالعباءة الخليجية ‏التي يراها فنا هندسيا متكاملا.‏

لذا من دون أي شك، لقد استطاعت الأزياء الخليجية أن تفرض مفهوم ‏‏"الأناقة المحتشمة" كتيار رئيس في دور الأزياء العالمية بلا منازع.‏

فستان مستوحى من التراث الفلسطيني للمصممة ريما دحبور
فستان مستوحى من التراث الفلسطيني للمصممة ريما دحبور
من مجموعة المصمم الليبي أمجد خليل تجمع بين مجوهرات طرابلس التقليدية وكوتور معاصر مستوحى من الصحراء ‏
من مجموعة المصمم الليبي أمجد خليل تجمع بين مجوهرات طرابلس التقليدية وكوتور معاصر مستوحى من الصحراء

تاريخ "الكوتور" متجذر في تاريخ أزياء شمال إفريقيا ‏

أما في شمال إفريقيا، وتحديدا في المغرب وتونس، فتأخذ العلاقة بين الأزياء التقليدية و"الهوت كوتور" بعدا معماريا واضحا. ‏كالتكشيطة المغربية بقصاتها المتعددة، والبلوزة مع الفوطة التونسية بتطريزها المتقن. تخفف التفاصيل، وتعاد صياغة ‏القصات، وتمنح القطعة مساحة جديدة للتعبير، لتمثل تصميما يتجاوز الزمن من دون أن يتخلى عن هُويته.‏

أما عن ليبيا، فلا يقل المشهد ثراء وتعقيدا، حيث تلتقي ثقافة البحر المتوسط بعمق الصحراء الكبرى هناك، فالمصممون ‏الليبيون اليوم يعيدون توظيف "الصدرة" و"الخناق" و"الشنبير" لتكون قطعا مركزية مهيكلة تندمج في صلب الأزياء "الهوت ‏كوتور"، أما عن الردي الحريري بخطوطه المذهبة والفضية وتقنيات اللفّة الفريدة، فهي التي يقدسها اليوم مصممو "الهوت ‏كوتور". تمثل هذه الرؤية واحدة من أرقى نماذج الأزياء التقليدية التي تتقاطع طبيعيا مع فلسفة "الهوت كوتور".‏

‏"الهوت كوتور" في بـلاد الشام

في بلاد الشام، تبدأ الأزياء التقليدية من القصّة وتنتهي عند الشكل، ولكنها تولد من التطريز بوصفه لغة كاملة.‏

خير مثال على ذلك ثوب الملك الفلسطيني أيقونة منطقة بيت لحم الذي لا تُرسم خطوطه بالمقص، بل يولد من التطريز ‏التحريري "السرمة"..  هنا، تتحول خيوط القصب والفضة والذهب إلى كيان صلب يحدد هيكل الثوب، وخاصة في منطقة ‏الصدر وجوانب الثوب، ليمنح المرأة وقار الملكات، فالتطريز ‏هو الذي يصنع القالب، وليس العكس، هي ذاتها اللغة التي يتحدثها اليوم عمالقة "الهوت كوتور" في لبنان.‏

الرابط هنا هو أن "التطريز التحريري" وتقنية مد الخيط وتثبيته، هي الأبجدية التي تسمح للمصمم بوضع الذهب والفضة ‏على القماش. لولا هذه التقنية التي أتقنتها نساء بيت لحم قديما، لما استطاع مصممو "الهوت كوتور" اليوم صنع تلك الفساتين ‏التي تبدو مثل دروع ذهبية أو حدائق معدنية براقة فوق أجساد العارضات.‏

هــكـــذا، تـــغـــدو الأزيــــاء التــقليــــديـــــة بـــذاكـــرة حية، والشاهد الأصدق على أن الإبداع لا يلغي الماضي، وإنما ‏يرتكز عليه ليصعد على المنصات العالمية.‏

لكن السؤال الجوهري هو: كيف يفكر المصمم في هذا الدمج؟

المصــمــم الذي ينــجـــح في هـــذا التوازن يبدأ من الفكرة، لا من الشكل. يسأل عن الحرفة، وعن معناها، وعن موقعها في ‏ذاكرة المجتمع المحلي، ثم يعمل على تحويلها إلى عنصر تصميمي، يحافظ على روحها، ويمنحها سياقا جديدا دراميا ‏بتصوره الخاص.‏

الدمج هنا يكمن في فهم الإيقاع، والوزن البصري، والانسجام بين الماضي والحاضر، عندما يقرر المصمم أن يحول الحرفة ‏إلى توقيع عالمي. لذا يمكن القول إنه اعتراف بأن هذه الحرف، التي صمدت قرونا، تحمل في جوهرها الفلسفة ذاتها بوصفها ‏عملا فنيا قائما بذاته.‏

ومن هــــذا الامتــــداد المفــــاهيـــمــــي، يــمـــكــــن قراءة التجارب العربية المعاصرة بوصفها استمرارا لهذا الإرث، ‏فوجود علامة مثل "أباديا" على منصات عالمية كـNet-a-Porter‏ يقدم مثالا واضحا على هذه المعادلة: الحرف اليدوية ‏السعودية، مثل السدو، تُطرح بوصفها عنصرا فاخرا قادرا على الاندماج بسلاسة داخل خزانة عالمية معاصرة، حين يُقدم ‏بتصميم ذكي يحترم الحرفة.‏

الأجيال والهُوية وسرد القصص عبر الأزياء التقليدية بطابع راقٍ

أعتبر هذا كأنه رسالة أخرى للجيل الجديد، الذي تربى على صور الموضة العالمية وصيحات الترند. هذه التــــصاميـــم ‏تعــيـــد تعـــــريــف الوعي بهُويـــــة وإرث ما كان مجرد تاريخ يحفظ في إطار المناسبات الاجتماعية، وإنما يصبح تجربة ‏حسية، ومرئية، ‏ وملموسة ترى في باريس، ولندن ونيويورك كما ترى في الرياض.‏

وبالنسبة إلى الحرفة نفسها، فإن الأقمشة المنسوجة يدويا لا تقل جودة عن أرقى خياطي الأزياء الراقية في باريس. بل إن ‏بعض هذه الأقمشة، مثل قماش المُخَيَّر ذي الأصل العربي، نسيج الآغاباني السوري، كانت تُنسج وتُطوَّر بوصفها صناعات ‏راقية نخبوية قبل أن يُصاغ مصطلح ‏Haute Couture‏ بقرون.‏

التطريز المعقد، الألوان المستخلصة من المواد الطبيعية، النقوش الهندسية المتقنة، والانسيابية التي تفرضها اليد البشرية، كلها ‏تجعل القطعة التقليدية تحفة فنية حقيقية.‏

من عرض مجموعة ‏Vivian Westwood‏ وفنون التراث ضمن أسبوع الأزياء في الرياض 2025‏
من عرض مجموعة Vivian Westwood وفنون التراث ضمن أسبوع الأزياء في الرياض 2025

النول و"الهوت كوتور".. وحدة اللغة والأصل

إن ما يشهده العالم اليوم تحت مسمى "الهوت كوتور" ليس في جوهره إلا صدى عصريا لأصوات "النول" و"السدو" التي صدحت في أزقة دمشق والخليج وشمال إفريقيا لقرون طويلة، يمكن القول ‏إن الأزياء التقليدية كانت "سابقة لعصرها"، فقد وضعت القواعد الأولى لما نسميه اليوم "الفخامة الحصرية"، حيث تُصنع ‏القطعة يدويا وبشغف يمتد لأسابيع، تماما كما تُصنع فساتين النخبة في باريس الآن.‏

لذا، فإن هذا الاندماج هو تداخل في الهُوية البصرية؛ حيث تلتقي أبجدية الحرفي القديم ببلاغة المصمم الحديث، ليؤكدا معاً أن ‏الإبداع لا يشيخ، وأن الحرير الذي غزلته أنامل العربية قبل مئات السنين هو ذاته الذي يمنح منصات الـ"هوت كوتور" اليوم ‏روحها ومعناها.‏

وفي حقيقة الأمر ليس من المستغرب أن تستلهم دور الأزياء العالمية الكبرى من الهُـــويـــــة التـــراثــيـــة العربــيــــة! ‏كـــعـــرض الأزياء الاستثــنـــــائي للماركة العالمية ‏DOCLE&GABBANA‏ في قـــصــــر حطـيــــن بالرياض، ‏وVivienne Westwood‏ التي عرضت للمرة الأولى خلال أسبوع الموضة في الرياض.‏

ولا ننسى أيضا عندما أقيم عرض مجموعة "شانيل كــــــروز" ‏Chanel Cruise‏ لـــعـــــــام 2014 - 2015 بدبي، التي ‏جمعت بين العناصر التقليدية والحرف الـــعــربــيــــة وأسلوب "شانيل" الكلاسيكي، وهو ما خلق أجواء مستوحاة من "ألف ‏ليلة وليلة".‏

ومن التعاونات الأيقونية التعاون الذي أطلقته ‏Carolina Herrera‏ مع الحرفية السعودية عيدة الحارثي، لابتكار حزام ‏حصري من نول السدو السعودي، ليزين حقيبة ‏Initials Insignia‏ الدار الشهيرة.‏

هـــذه اللــحــظــــات التـــــي لا تــنــــســى تهيـــــــئ السيــــــاق لمصمــمــيـــــن عــــرب وعـــالميــــين لرؤية التراث ‏العربي على أنه مصدر إلهام مستدام. وعند هذا التقاطع، تتضح الصورة أنه ببساطة لا يلتقي التراث بـ"الهوت كوتور"، ‏لأنهما لم يكونا يوما منفصلين، إنهما يلتقيان داخل اللغة ذاتها. حيث تصبح كل غرزة حكاية، وكل طية لوحة، في لغة واحدة ‏تتجاوز المكان والزمان.‏