حين كانت الحرفة تمارس… 4 ممارسات سعودية تحفظ الذاكرة الملبسية
قبل أن تصبح الخيارات متاحة بضغطة واحدة، كان الذوق يتكون بطريقة أبطأ. لم يكن قرار فردي بالكامل، بل نتيجة تراكم بصري ومعرفي يتشكل عبر ما يُرى ويُمارس يومياً في البيت، وفي السوق، وفي العلاقة المباشرة مع الحرفة.
لم يكن هناك تنوع واسع كما هو اليوم، بل خيارات محدودة نسبيًا، لكن داخل هذا الإطار الضيق كان هناك وضوح أكبر. الأشياء قد تبدو متشابهة، لكنها لا تتكرر. وربما لهذا، لا يعود الحنين إلى ما كانت عليه القطع، بل إلى الطريقة التي كانت تُبنى بها إلى الإيقاع الذي يسمح للذوق أن يتشكل، لا أن يُختار.

في الحِرف السعودية، لم يكن الهدف إنتاج قطعة مختلفة في كل مرة، بل الحفاظ على منطق بصري مشترك، يسمح بالاختلاف دون أن يفقد الأصل. من السدو إلى البشوت، ومن القماش إلى تصميم الأزياء، كانت هناك قواعد غير مكتوبة: توازن في النسب، اقتصاد في الزخرفة، وفهم دقيق لما يُناسب البيئة والذوق العام. هذه القواعد لم تُفرض، بل تكرّست مع الوقت، حتى أصبحت تُقرأ بالعين قبل أن تُشرح بالكلام.
القماش كنقطة بداية
في السوق، تتخذ هذه المنظومة شكلًا مختلفًا لدى حسن بن غيث، الذي يعمل في تجارة الأقمشة. دوره لا يقتصر على البيع، بل يعتمد على معرفة دقيقة بالخامات واستخداماتها، واختيار ما يناسب العميل بناءً على ذوقه وطبيعة استخدامه. القماش هنا لا يُعرض كمنتج جاهز، بل كنقطة بداية يُبنى عليها اللباس، ما يجعل التاجر جزءًا من عملية تشكيل النتيجة النهائية.
الاستمرار دون إعادة صياغة
وفي تجربة ريم عسيلان، يظهر هذا الإرث من خلال تصميم الأزياء التراثية كما عُرفت في سياقها الأصلي. تلتزم بالقصات والخامات والتفاصيل كما هي، مع الحفاظ على دقتها دون إعادة صياغتها أو تغيير بنيتها. ما تقوم به ليس إعادة إنتاج، بل استمرار للحرفة من خلال إبقائها حاضرة ضمن سياق معاصر، دون أن تفقد ارتباطها بجذورها.

دقة تُقرأ ولا تُرى
الأمر ذاته ينطبق على البشت، كما يصنعه علي أحمد القطان، أحد صانعي البشوت الحساوية. يبدأ عمله من اختيار القماش المناسب، ثم تنفيذ التطريز يدويًا باستخدام خيوط الزري، وفق نسب وتوزيعات دقيقة متوارثة. البشت، في شكله، يبدو ثابتًا، لكن داخله قرارات لا تظهر مباشرة—في عرض الحاشية، في توزيع الزري، وفي طريقة سقوط القماش. هذه التفاصيل ليست اجتهادات لحظية، بل امتداد لمعرفة عملية تُطبّق في كل قطعة
حضور اليد
وفي منسوجات السدو، كما تمارسها عيدة الحارثي، يظهر هذا المنطق بوضوح. تعمل على النسيج اليدوي باستخدام التقنيات التقليدية المتوارثة، محافظة على الأنماط والألوان المرتبطة بالبيئة المحلية دون تغيير في بنيتها. الأنماط معروفة، والألوان محدودة، لكن النتيجة ليست متطابقة. كل قطعة تحمل اختلافًا بسيطًا في توزيع اللون، في شدّ الخيط، في الإيقاع العام للنقشة. الاختلاف هنا ليس خروجًا عن القاعدة، بل نتيجة مباشرة لحضور اليد.

ما يجمع هذه الممارسات ليس الشكل، بل طريقة التفكير. الذوق، في هذا السياق، لم يكن تعبيرًا فرديًا بقدر ما كان معرفة مشتركة تُبنى من التكرار، ومن الملاحظة، ومن القرب المستمر من المادة. معرفة تتشكل بهدوء، وتُفهم دون أن تُعلن، وتظهر في التفاصيل أكثر مما تُشرح بالكلمات.
اليوم، تغير السياق، ولم تعد الحرفة حاضرة بالاتساع نفسه، لكنها لم تختفِ. ما زالت تُمارس، وتستمر عبر من يحافظون عليها. ومع هذا التحول، لم يتغير حضور الحرفة فقط، بل تغير معه موقع الذوق من كونه ذاكرة جماعية تُبنى ضمن سياق مشترك، إلى تجربة أكثر فردية تتشكل بطرق مختلفة.
في هذا المعنى، لا يكون الحنين موجهًا إلى القطع نفسها، بل إلى الطريقة التي كانت تُصنع بها إلى الإيقاع الأبطأ، وإلى العلاقة المباشرة مع المادة، وإلى وضوح الذوق حين كان يتكون ضمن سياق حي، لا يُختار من بين خيارات لا نهائية.
وفي المقابل، تظهر الاستدامة هنا بمعناها الأوسع. ليست فقط في بقاء الحرفة، بل في استمرار المعرفة التي تحملها كيف تُصنع الأشياء، ولماذا تُصنع بهذه الطريقة تحديدًا. وهي استدامة لا تتحقق بالتوثيق وحده، بل بالممارسة، وبقدرة هذه الحِرف على أن تبقى جزءًا من الحياة، لا مجرد مرجع لها.
الصورة الرئيسية من صفحة علامة أباديا السعودية عبر الانستغرام