دراما رمضان 2026.. كل الطرق الدرامية تنتهي عند محكمة الأسرة!
سؤال رمضان هذا العام لم يكن: هل سيقع البطل في الحب؟
أصبح السؤال قاتمًا… وأكثر برودًا:
متى سيطلب الطلاق؟
قد يظن المشاهد، وهو يضغط أزرار الريموت، أنه يتابع دراما تتنافس على جائزة أفضل مسلسل برعاية محكمة الأسرة. مشاهد المسلسلات يغلب عليها طيف واحد يتكرر بإلحاح: تداعيات الطلاق، خصومة وعناد، قضايا حضانة، محامون يدخلون المشهد ليديروا الصراعات الزوجية، أزواج يتوجهون إلى أقسام الشرطة لتقديم بلاغات ضد بعضهم البعض، وأطفال يقفون في منتصف معركة أبوية لا يفهمونها.
بين مسلسل وآخر تتكرر الصورة: زوجان يتباعدان، بيت ينقسم إلى بيتين، وطفل أو مراهق يحاول أن يفهم كيف تحول فجأة إلى ملف في قضية بين والديه.
حب فزواج فطلاق
الطلاق في دراما رمضان 2026 ليس مجرد حدث عابر داخل الحكاية؛ بل أصبح الفكرة التي تُبنى حولها الحكاية نفسها.
في مسلسل "كان ياما كان" يتحول قرار الانفصال إلى نقطة ارتكاز لكل ما يأتي بعده: عناد متبادل، محاولة الأب الحفاظ على علاقته بابنته، صراع قانوني، وتدخل المحامين والعائلة بما يزيد الموقف تعقيدًا.
لكن "كان ياما كان" ليس وحده في هذا الاتجاه.

في "روج أسود"، محكمة الأسرة ليست مجرد خلفية للأحداث، بل المسرح الرئيسي لها. مجموعة مختلفة من النساء — شيرويت وليلى وملك وريم وحبيبة — يجدن أنفسهن بعد الطلاق في مواجهة عالم جديد تمامًا، حيث تتحول العلاقات الزوجية السابقة إلى ملفات قانونية مليئة بالاتهامات وقصص الماضي الخفية.
أما في مسلسل "المتر سمير"، فيقدم كريم محمود عبد العزيز شخصية سمير، محاميًا صارمًا متخصصًا في قضايا الأسرة. طوال الوقت نراه يشرح للآخرين كيف يمكن إنقاذ زواج أو إدارة طلاق بأقل الخسائر الممكنة. المفارقة — التي لا تخلو من سخرية درامية — أن سمير نفسه يقع لاحقًا في الدائرة ذاتها. الرجل الذي يقضي حياته المهنية في حل أزمات الآخرين يجد نفسه فجأة داخل القضية التي اعتاد أن يتعامل معها ببرود مهني.
بعد عدة حلقات قد يشعر المشاهد أنه يتنقل بين نسخ مختلفة من الحكاية نفسها. الفكرة واحدة تقريبًا: علاقة انتهت… وميلودراما تبدأ بعدها.

حرب ما بعد الزواج
تقلّص حضور الحب في مثل هذه الحكايات إلى حد أننا نلمحه كذكرى بعيدة، أو كأثر خافت في لقطات عابرة. في مسلسل "كان ياما كان" يظهر ذلك على استحياء في تترات العمل، من خلال صور وديكورات منزل تعكس لمحات من دفء عائلي يبدو الآن وكأنه ينتمي إلى زمن سابق.
وفي مسلسل "بابا وماما جيران" تأخذ الفكرة شكلًا أكثر سخرية. الزوجان ينفصلان رسميًا، لكن الحياة لا تمنحهما رفاهية القطيعة الكاملة. الزوجة تنتقل للسكن في البيت المقابل مباشرة، فيتحول الطلاق إلى علاقة يومية مليئة بالمفارقات.
المثير أن هذه الأعمال لا تقدم الطلاق بوصفه انفجارًا دراميًا كبيرًا، بل كمرحلة شبه طبيعية في حياة الشخصيات. تبدأ الحكاية لحظة الطلاق تقريبًا، دون تمهيد كافٍ لمسار العلاقة من الحب إلى الانفصال، وكأن الطريق بين الاثنين أصبح أقصر مما ينبغي.

الصراع حول حضانة الأبناء تيمة تتكرر بدورها. ركزت عليها حلقات "كان ياما كان" في النصف الأول من رمضان، ثم استلم مسلسل "أب ولكن" الراية في النصف الثاني، حيث يصبح الطلاق نقطة البداية للصراع. يحاول الأب أدهم — الذي يؤدي دوره محمد فراج — أن يثبت حقه في رؤية ابنته نور بعد الانفصال، في معركة قانونية طويلة مع الأم.
الأبناء… الضحايا الدائمون
إذا كان الطلاق هو الحدث المركزي في كثير من هذه الأعمال، فإن الأبناء يصبحون مركز الجاذبية العاطفية للحكاية. الدراما هذا العام تبدو مهتمة — بشكل ملحوظ — بما يحدث للأطفال والمراهقين عندما ينقسم البيت الذي يعرفونه إلى نصفين، كل نصف يحاول جذب الأبناء إليه أو استخدامهم كورقة ضغط على الطرف الآخر.
في أكثر من مسلسل نجد الابن أو الابنة عالقين بين والدين يتصارعان. الانحياز يصبح ضرورة نفسية لا خيارًا. طفل يميل إلى الأب لأنه يبدو الطرف الأضعف، أو يتعاطف مع الأم لأنها الأكثر حضورًا في حياته اليومية. ومع كل قرار قانوني جديد، ومع كل جلسة محكمة، تتغير توازنات هذه العلاقة.
في "كان ياما كان" تقف فرح — التي تجسدها ريتال عبد العزيز — في موقع الشاهد على انفصال والديها، وهي تحاول التأقلم مع حياة موزعة بين منزلين. أما في "المتر سمير" فنرى أبناء نورا وهشام يعيشون مأساة مختلفة: والدان مطلقان لكنهما يعيشان متجاورين، ما يجعل الصراع حاضرًا يوميًا أمام أعين الأبناء.
بهذا المعنى، لا تحكي هذه المسلسلات عن الطلاق فقط، بل عن أثره المتشعب داخل الأسرة. فالقضية لا تنتهي عند توقيع الورقة في المحكمة؛ بل تبدأ بعدها حياة جديدة، غالبًا أكثر تعقيدًا.

محكمة الأسرة… موقع تصوير مفضل
"كل دول في محكمة الأسرة؟ أومال مين اللي في البيوت؟"
جملة ساخرة تأتي على لسان الممثل محمد عبد الرحمن في إحدى الحلقات الأولى من مسلسل "المتر سمير"، وهو يقف داخل مبنى المحكمة المزدحم بأزواج تركوا دفء البيوت وفضلوا برود قاعات التقاضي. ربما لا تحتاج دراما رمضان هذا العام إلى موقع تصوير أكثر حضورًا من هذا المكان.
المثير في الأمر ليس مجرد ظهور المحكمة كموقع للأحداث، بل تحولها إلى فضاء درامي كامل. داخل هذه القاعات تتقاطع مصائر الشخصيات، وتُعاد صياغة العلاقات بلغة القانون. الزوج يصبح "المدعى عليه"، والزوجة "المدعية"، والحب القديم يتحول إلى ملف يحمل رقم قضية.
هذه النقلة ليست مجرد تفصيل إنتاجي؛ بل تعكس تحولًا في نوع القصص التي تختار الدراما المصرية روايتها. فحين يصبح القانون جزءًا من الحبكة، تتحول العلاقة العاطفية إلى صراع مؤسسي: حقوق، واجبات، إثباتات.
الرومانسية هنا ليست غائبة فقط، بل تبدو كأنها مرحلة سابقة في قصة انتهت بالفعل — مرحلة لم تعد الدراما مهتمة بسردها.

وجود خافت للحب
السؤال الأكثر إثارة للاهتمام في هذا المشهد ليس لماذا تظهر قصص الطلاق، بل لماذا تختفي قصص الحب. دراما رمضان لطالما احتفت بالعلاقات العاطفية، حتى حين كانت تنتهي بالفشل. كان الحب هو الشرارة الأولى التي تبدأ منها الحكاية.
اليوم يبدو أن الحكاية تبدأ بعد انطفاء تلك الشرارة.
ربما لأن الدراما غالبًا تعكس المزاج العام للمجتمع. وربما المجتمع نفسه يعيش حالة قلق متزايد تجاه فكرة الاستقرار العاطفي. العلاقات أصبحت أكثر هشاشة، ونسب الطلاق في تصاعد ملحوظ.
لو عدنا قليلًا إلى دراما السنوات القريبة سنجد أن السؤال الذي كان يحرك الحكايات هو: هل سينجح الحب؟ كانت المسلسلات تبني توترها حول لحظة الاعتراف بالمشاعر أو قرار الزواج بعد تردد طويل. رأينا ذلك مثلًا في "جراند أوتيل" حيث قاومت علاقة علي (عمرو يوسف) ونازلي (أمينة خليل) الفوارق الطبقية، وفي "هذا المساء" الذي جعل العلاقات العاطفية المتشابكة قلب صراعه الدرامي.
أما في دراما رمضان هذا العام، فالحب غالبًا موجود في الخلفية… كذكرى. الشخصيات تتحدث عنه بصيغة الماضي:
"كان بيننا حب"،
"الأيام الحلوة"،
"زمان".
لا تبدو الشخصيات مقتنعة بأن الحب وحده يكفي للاستمرار. كأن الرومانسية أصبحت فكرة جميلة… لكنها غير عملية.

النهاية المفتوحة
السؤال الأخير الذي يفرض نفسه: هل هذا التحول علامة نضج درامي، أم مجرد موجة كآبة درامية جماعية؟
يمكن النظر إلى الأمر من زاويتين. من جهة، قد يكون هذا التطور دليلًا على أن الدراما المصرية أصبحت أكثر جرأة في الاقتراب من الواقع. الطلاق ليس ظاهرة نادرة، بل جزء من الحياة اليومية لكثير من الأسر. تجاهله في الدراما ربما كان نوعًا من التجميل غير الواقعي.
لكن من جهة أخرى، يظل هناك خطر أن تتحول هذه الواقعية إلى نبرة تشاؤمية مفرطة. حين تختفي قصص الحب تقريبًا من الشاشة، ويصبح الانفصال هو النهاية المتوقعة، قد تبدو الدراما وكأنها فقدت قدرتها على تخيل علاقات ناجحة، وأصبحت نكتة "السبب الرئيسي للطلاق هو الزواج" ثيمة درامية جادة.

يمكن اعتبار رمضان 2026 موسمًا يتناول الطلاق وأزماته بلا خجل. الأزواج ينفصلون، الأبناء يتعلمون مبكرًا معنى الانقسام، والمحاكم أصبحت جزءًا من الحكاية اليومية على الشاشة.
ربما كان من المفهوم أن يلتفت مسلسل أو اثنان إلى هذه الظاهرة، لكن كتّاب الدراما هذا العام أثقلوا الشاشة بحكايات متشابهة وهموم متكررة دون رؤية درامية أعمق للمشكلة.
ولذلك لا يبقى في النهاية إلا أن نستعير جملة عبد السلام النابلسي الخالدة ونوجهها لكتّاب الدراما هذا الموسم:
"كفاية طلاق! ما تبسطهاش أكتر من كده!"