ندى بشير مراسلة دولية حائزة على جائزة "إيمي" ومصنّفة ضمن قائمة Forbes 30 Under 30

في اليوم العالمي للمرأة ومن الصفوف الأمامية.. ندى بشير لـ"هي": "العالم يحتاج إلى أصواتنا"

في الميدان، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة أثقل من العناوين العريضة، تقف ندى بشير، مدفوعة بشيء يتجاوز السبق الصحافي: إحساس عميق بالمسؤولية.

في يوم المرأة العالمي، لا تبدو قصتها مجرد سيرة نجاح مهني، بل رحلة امرأة عربية اختارت أن تكون شاهدة على أكثر لحظات المنطقة هشاشة وتعقيداً. لم تكن تغطياتها مجرد نقل للأحداث، بل محاولة دائمة لإبقاء الإنسان في قلب الصورة، أن ترى الوجوه قبل الأرقام، وأن تسمع الحكايات قبل التحليلات.

كونها مراسلة دولية حائزة على جائزة "إيمي" ومصنّفة ضمن قائمة Forbes 30 Under 30 ليس ما يعرّفها بالكامل. الأهم هو ذلك التوازن الدقيق بين الصلابة والإنسانية، بين المهنية والتأثر، بين أن تكون جزءاً من المشهد وأن تحافظ في الوقت ذاته على المسافة اللازمة لسرد القصة بوضوح ونزاهة.

تتحدث ندى بشير مع "هي" بصراحة عن الشك، عن متلازمة "المحتال"، عن الإصرار على إثبات الذات في بيئات لا يُفترض فيها دائماً أن تكون امرأة عربية في الواجهة. تتحدث أيضاً عن الامتنان، وعن النساء اللواتي سبقنها ومهّدن الطريق، وعن أخريات التقت بهن في خضم الحروب والكوارث فتعلمت منهن معنى القوة الحقيقية.

هذا ليس حواراً عن الجوائز، بل عن الانتماء. عن أن تقول امرأة عربية بثقة: نحن ننتمي إلى هذه المساحات. وعن أن تثبت ذلك، قصةً بعد أخرى.

1

بصفتكِ صحافية تغطّين أحداثاً من أكثر مناطق العالم اضطراباً، ماذا يعني لكِ اليوم العالمي للمرأة على المستوى الشخصي؟
بالنسبة لي، يشكّل اليوم العالمي للمرأة فرصة للاعتراف بمدى ما قطعناه من شوط، وبقيمة مساهماتنا وتأثيرنا. قد لا يُعتبر عملي تقليدياً في نظر البعض ضمن ثقافتنا، لكنني محظوظة لأنني أسير على خطى جيل طويل من الصحافيات العربيات اللواتي قدنَ الطريق بأعمال استثنائية ومُلهمة. لا تزال هناك أماكن يُقال فيها للنساء إنهن لا ينتمين إليها، ويأتي هذا اليوم ليذكّرنا بقدرتنا على تجاوز تلك الحواجز.


عندما تجدين نفسكِ الصوت النسائي الوحيد في بيئة يهيمن عليها الرجال، هل تشعرين بضغط إضافي؟ وكيف شكّل ذلك شخصيتكِ المهنية؟
لحسن الحظ، نادراً ما شعرت بأن كوني امرأة كان عائقاً في مسيرتي المهنية، وهو أمر أمتنّ له كثيراً، إذ أعلم أن هذه ليست تجربة الجميع. لكن ذلك لا يعني أنني لم أشعر أحياناً بثقل هذا الواقع. عملتُ في بلدان لا يُعدّ وجود امرأة في هذا المجال، خصوصاً في مناطق النزاع، أمراً مألوفاً. في مثل هذه الظروف، كان عليّ أن أبذل جهداً أكبر كي يُستمع إليّ، وأن أحصل على مستوى الاحترام والتقدير نفسه الذي يحظى به زملائي الرجال. إنه شعور غير مريح، لكنني تعلّمت أن الدفاع عن نفسي وعدم قبول الرفض بسهولة هو السبيل الوحيد أحياناً.


هل تعتقدين أن المراسلات يقدّمن منظوراً مختلفاً في تغطية الحروب والأزمات؟ 
بالتأكيد. لا أود الوقوع في التعميمات، فهي ليست منصفة ولا تنطبق على الجميع، لكن لا شك أن النساء يعشن تجارب مختلفة تؤثر في طريقة تعاطيهن مع الأحداث. بالنسبة للصحافية، تنعكس هذه التجارب على كيفية تناول القصة. كما أن مسألة الوصول الى المعلومة أو الأشخاص مهمة؛ ففي مجتمعات كثيرة قد تشعر النساء والفتيات في أوضاع هشّة براحة أكبر في مشاركة قصصهن مع امرأة. عندما يشعر الإنسان بوجود رابط إنساني، يصبح أكثر استعداداً للبوح. وبوصفي مراسلة، أشعر بقدرة أكبر على بناء هذا التواصل عند تغطية قضايا تمس النساء والفتيات.

2


كونكِ صحافية بريطانية عربية من أصول ليبية، ما أهمية التمثيل، خصوصاً للفتيات العربيات اللواتي يشاهدنكِ على منصات عالمية؟
للتمثيل قيمة كبيرة على الشاشة. عندما بدأت مسيرتي المهنية، شعرت في داخلي بأن فرصة ظهور امرأة عربية، مسلمة ومحجبة، على شاشة شبكة أخبار أمريكية أمر غير واقعي. لولا تشجيع مدرائي آنذاك، لما كنت اليوم في هذا الموقع. لكن التنوع البصري ليس سوى جزء من الصورة. فالتمثيل، داخل غرف الأخبار وخارجها، ضروري لنقل القصص بصدق وفهم أعمق. نشأتُ في منزل كان يتابع الجزيرة العربية وBBC News، ورأيت بنفسي الفارق في طريقة تناول قصص الشرق الأوسط في الغرب مقارنة بالمنطقة. الأمور تغيّرت اليوم، وهناك جهود أكبر لإدماج وجهات نظر متنوعة، لكن الفهم العميق للثقافات والتقاليد والسياقات السياسية في المنطقة يظل عاملاً حاسماً لتقديم تغطية دقيقة ومتوازنة.


غطّيتِ حروباً مدمّرة وكوارث طبيعية وأزمات إنسانية. هل مررتِ بلحظة تحدّى فيها الخوف عزيمتك؟ وكيف تجاوزتها؟
القصص التي نغطيها صعبة على مستويات عدة، لكن إحساسي بالمسؤولية تجاه نقلها للعالم غالباً ما يتغلب على أي خوف. في البيئات الأكثر خطورة، أدخل في ما يشبه "وضع العمل"، وربما لا أستوعب المخاطر كما أفعل في حياتي اليومية… لست متأكدة إن كان ذلك صحياً، لكنه نجح معي حتى الآن. كما أننا نتلقى تدريبات مكثفة ونعمل ضمن فرق ذات خبرة، وهذا يخفف كثيراً من وطأة الموقف.


تغطية النزاعات تتطلب صلابة عاطفية ووضوحاً ذهنياً. كيف تحافظين على إنسانيتكِ وأنتِ تشهدين هذا القدر من المعاناة؟
لا أعتقد أن هناك ما هو أخطر على عمل الصحافي من أن يفقد حساسيته أو يتبلّد تجاه المعاناة. في بداياتي، قال لي الصحافي المخضرم في CNN "روبرت واينر" إن الحروب تتشابه عند النظر إليها من بعيد، لكن ما يختلف هو الناس وقصصهم. هذه العبارة ترافقني دائماً، فأحاول التركيز على البشر وتجاربهم والإنسانية المشتركة بينهم. بالطبع، بقدر ما أحاول أن أبقى مهنية، من الصعب ألا تظهر مشاعرك وألا تتعاطف بصدق مع الأشخاص الذين تلتقين بهم في مثل هذه الظروف. في نهاية المطاف، قد يؤثر ذلك فيكِ بعمق، ولا أظن أنه من الممكن تجنّب هذا التأثر بالكامل. ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، أعتقد أننا جميعاً نكافح بدرجة ما أمام حجم المعاناة الجارية في العالم، وليس الصحافيين وحدهم.

3


العمل الصحافي متواصل وضاغط. هل واجهتِ تحديات، صريحة أو ضمنية، اختبرت ثقتك بنفسك؟
شعرت أحياناً بما يُعرف بـ"متلازمة المحتال"، خصوصاً وأنني توليت أدواراً مهمة في سن مبكرة نسبياً. كان عليّ أن أثبت نفسي وأكسب فرصاً ربما لم يظن البعض أنني جاهزة لها. لكن الرغبة في إثبات العكس كانت دائماً حافزاً لي. في مجال تنافسي كهذا، لا بد من قدر كبير من الثقة بالنفس.


غالباً ما تكون النساء أعمدة الصمود الصامتة في الأزمات. ماذا تعلّمتِ عن قوة النساء من خلال ما شاهدته؟
أذهلتني مراراً قوة النساء ومرونتهن وكرمهن في أحلك الظروف. نساء فقدن كل شيء في زلازل مدمّرة، ومع ذلك واصلن رعاية أسرهن؛ أخريات قدن جهود الاستجابة للطوارئ أو تطوّعن في الخطوط الأمامية؛ وأمهات حوامل خاطرن بحياتهن في مناطق النزاع لتقديم الرعاية الطبية، وتوزيع المساعدات، وإعداد الطعام للجائعين. إنه لأمرٌ مدهش أن نشهد قوة النساء تحت ضغطٍ هائل، إذ غالباً ما يكنَّ الركيزة التي تُبقي عائلاتهن متماسكة.


في لحظات الخطر، ما الذي يثبّتكِ؟
فريقي. أعمل مع منتجين ومصوّرين وخبراء أمن رائعين، أصبحوا أقرب إلى الأصدقاء. لا يمكن أداء هذا العمل دون فريق متماسك يدعمك في الأوقات الصعبة. من الحرص على إيصال القصة إلى الجمهور، إلى تقديم الدعم المعنوي في أصعب اللحظات، هم بحقّ الأفضل، وأشعر بامتنان كبير لأنني أحظى بفرصة السفر حول العالم برفقة أشخاص بهذه الروعة. كما أنني محظوظة بدائرة مقرّبة من الصحافيات اللواتي أستند إليهن طلباً للنصيحة والتوجيه، أو حتى لمجرد الفضفضة مع من يفهم تماماً طبيعة ما نمرّ به. وعند انتهاء اليوم، أحرص دائماً على الاطمئنان إلى والديّ وخطيبي عبر "فيس تايم"، فهم مرساتي الأساسية.

ما العادات التي ساعدتكِ على النمو تحت الضغط؟
في أوقات الضغط، تعلّمتُ أن من الضروري جداً أن أتوقف للحظة، أن ألتقط أنفاسي وأفكّر بهدوء من دون تسرّع، وأن أستند إلى من حولي وأطلب الدعم من فريقي. سواء كان الضغط في الميدان أو مرتبطاً بالحفاظ على زخم المسيرة المهنية، فإن الاستماع إلى وجهة نظر مختلفة من زميل أو مرشد قد يعيد صياغة طريقة تفكيرك بالكامل ويمنحك منظوراً جديداً.


هل كان هناك مرشدون أثّروا في مسيرتك؟
لقد كان لي العديد من المرشدين الرائعين الذين ساعدوني على المضي قُدماً في مسيرتي، وكنت محظوظة بأن أبدأ عملي تحت قيادة مديرين كنت أقدّرهم وأحترمهم، والذين دفعوني لتحقيق أكثر مما كنت أعتقد أنه ممكن لنفسي. كما حالفني الحظ بالعمل إلى جانب زملاء مراسلين ألهموني حقاً.
كانت جمانة كرادشة مصدر إلهام وتوجيه كبير بالنسبة لي، ففي بدايات مسيرتي الصحافية، رحبت بي في "منطقتها" في تركيا دون أي شعور بالغرور أو المنافسة (وهو أمر نادر في هذا المجال). قدمت لي نصائح حول أفكار القصص، وشاركتني شبكة علاقاتها، وحرصت دائماً على الاطمئنان على تقدمي. الآن نعمل معاً في لندن، وما زالت بمثابة "النجم القطبي" بالنسبة لي فيما يتعلق بطموحاتي الصحافية، مظهرة النزاهة والإنسانية والاهتمام الحقيقي في كل ما تقوم به.
كما كنت محظوظة للعمل مع "بن ويدمان" Ben Wedeman، مثال آخر على النزاهة والأصالة بلا منازع. لطالما أعجبت بموهبته في سرد القصة بطريقة تشدّ المشاهد وتحركه فعلاً، وتصل إلى جوهر تأثير الأحداث على الناس الذين نلتقي بهم، بدلاً من الاكتفاء بإعادة سرد الوقائع فقط.


فوزكِ بجائزة "إيمي" واختياركِ ضمن قائمة Forbes 30 Under 30 إنجازان بارزان. هل غيرت الجوائز نظرتك لنفسك؟
إنه شرف كبير، لا سيّما حين يأتي عن قصصٍ بذلتُ فيها قدراً عالياً من العناية والاهتمام بالتفاصيل. كما تمثّل هذه الجوائز تذكيراً مهماً بما أستطيع تحقيقه في اللحظات التي يراودني فيها الشك أو التردّد.
ومع ذلك، يظلّ السقف يرتفع باستمرار… فهناك دائماً القصة التالية، وهي تبقى محور تركيزي الأساسي.

5


بعيداً عن الجوائز، كيف تعرّفين النجاح الحقيقي؟
بالنسبة لي، يكمن النجاح في قدرتي على الشعور بالفخر بالعمل الذي أقدّمه، وفي يقيني بأنني أظلّ وفيّة لقيمي في كل ما أتناوله وأوثّقه. وفي ظلّ تصاعد الانتقادات الموجّهة إلى تغطيات وسائل الإعلام التقليدية، فإن رؤية عملي يُتداول على نطاق واسع، وتلقي رسائل من أشخاص يثمّنون تقاريري، يشكّل بالنسبة لي أصدق معاني النجاح، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بقصص وقضايا أؤمن بها بشغف.


لو أُتيحت لكِ فرصة الحديث إلى نفسكِ في البدايات، إلى الصحافية الطموحة التي كنتِها، ماذا تقولين لها؟
استمرّي في المحاولة، ثقي أكثر بقدراتكِ، ولا تحصري نفسكِ بما تظنّينه "أحلاماً أو أهدافًا "واقعية". 


وأخيراً، ما الرسالة التي تودّين توجيهها إلى الشابات في مختلف أنحاء العالم العربي في يوم المرأة العالمي، لمن يجرؤن على دخول مساحات لم تُصمَّم تقليدياً لهنّ؟
نحن ننتمي إلى هذه المساحات. أفكارنا، ومساهماتنا، وتجاربنا ليست مشروعة فحسب، بل هي حاجة ملحّة في هذا العالم.
كنساء عربيات، واجهنا، ولا نزال، قوالب نمطية مجحفة، وتوقّعات مُقيِّدة، وحدوداً فُرضت علينا. ومع ذلك، حقّقنا الكثير رغم كل تلك التحدّيات. العالم يحتاج إلى أصواتنا أيضاً.

مسؤولة قسم تطوير الذات
جويل تامر – صحافية بخبرة أكثر من 12 سنة، حاصلة على ماجستير في الصحافة والتواصل وشهادة Relooking & Image Consulting من ESMOD. تعمل في "هي" وتقدّم مقالات ومقابلات متخصصة في الموضة والرفاهية والمجوهرات وتطوير الذات.