من عبد الغفور البرعي إلى عمرو دياب: ماذا حدث للدراما الرمضانية؟
منذ سنوات أصبحت الدراما رهينة الإعلانات. تضخّم دور الإعلان حتى قصقص ريش الحلقة التلفزيونية؛ حذف تترات البداية والنهاية، واقتحم المشاهد بفواصل طويلة تفصل المتلقي عن تدفّق العمل ومزاجه. تختلط إعلانات الطعام واللمة الحلوة بحبكات المسلسلات، حتى بات من الصعب التمييز بين المشهد الدرامي والفقرة الدعائية.
ومع الوقت، لم يعد الإعلان مجرد فاصل، بل صار قائدًا للحالة الرمضانية. تراجعت الدراما خطوة إلى الخلف، وربما تحطّمت الحدود بينهما بالكامل. هاجر بعض الممثلين إلى عالم الإعلانات، يظهرون يوميًا وهم يروّجون للمنتجات، بينما خفت حضورهم الدرامي أو تراجع إلى الهامش.
إعلانات عائلية
لم يعد جمهور رمضان ينتظر عائلة درامية تجلس حول مائدة طعام كما حدث في بيت عبد الغفور البرعي أثناء فرح سنية، ذلك المشهد الأيقوني من مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"، حيث تنفلت الضحكات والتصرفات التلقائية بين أفراد عائلة عصامية ذات جذور شعبية.
الجمهور الآن ينتظر عائلة من نوع آخر: إضاءة مثالية، مطبخ مودرن لامع، ابتسامات محسوبة، وجملة تسويقية دقيقة يرددها عمرو دياب — أو أحد أفراد أسرته — لتروّج لإحدى شركات الاتصالات. عائلة تامر حسني أيضًا تلتف حول السفرة في إعلان آخر، في مشهد مُصمّم بعناية ليبدو عفويًا.

وجود العائلات الحقيقية في الإعلانات لم يعد مفاجأة. الفكرة تتكرر، والنسخ تتكاثر. ما إن تنجح حملة حتى تتحول إلى قالب يُستنسخ ويُعاد تدويره. مشهد الإفطار أو السحور خرج من سياقه الدرامي بوصفه مساحة لبناء العلاقات، إلى تيمة جاهزة للبهجة المصطنعة.
الإعلانات لا تغامر. تكرر الفكرة وتراهن على طلة النجم، لا على تطوير المعنى. مشهد العائلة والإفطار الرمضاني أو السحور أصبح تيمة إعلانية جاهزة، بعد أن خرج من سياقه الدرامي بوصفه مساحة لتجسيد العلاقات وتبادل الحوارات، إلى صورة نمطية للبهجة المتوقعة.

المصارعة الدرامية
انتقلت الحالة إلى الدراما نفسها. يقدم الممثل مسلسلًا رمضانيًا سنويًا، بغض النظر عن القيمة الفنية، وكأن الموسم موعد ثابت لا يحتمل الغياب. يعيد مصطفى شعبان وعمرو سعد تدوير الإيفيهات الشعبية ذاتها، والشخصيات نفسها، والحبكات التي لا تختلف إلا في الاسم والديكور. ويصرخ أحمد العوضي بصوته الأجشّ، يستعرض عضلاته في مشاهد صُممت لتُقتطع لا لتُبنى.
الإيفيهات المقفّاة والمواعظ الحادة تبدو كأنها كُتبت لتنال رضا جمهور التريند. الجمل تُلقى كما لو كانت أبياتًا شعرية. يقول مصطفى شعبان في "درش":
"اللي ميجيش باللين يجي بكسر العين"، ويضيف محذرًا "لو نسيت حدودك حينتهي وجودك".
يتحدى عمرو سعد في "إفراج" بجملته: "مفيش مخلوق هيقدر عليّا".
ويردّ العوضي في "كلاي" حاسمًا المعركة: "أنا إمبراطور اللعبة".
وهكذا تستمر المصارعة اللفظية حول من الأقوى والأجمد والأبرع في صكّ جملة تُولد وفي يدها ميم جاهز. لم تعد المواجهة بين الشخصيات بقدر ما أصبحت بين العبارات، كلٌ يحاول أن ينتزع من الآخر لقب "الأكثر تداولًا".
التريند غيّر قواعد اللعبة. المشهد يجب أن يكون قابلًا للقصّ، للميم، للتداول خلال دقائق. الحوار يُكتب ليتصدر لوحة شرف الميمز، لا ليخدم تطور الشخصية. المشهد يُبالغ فيه لأن الكاميرا لم تعد كاميرا المخرج فقط، بل كاميرا الهاتف التي ستعيد تدوير اللحظة آلاف المرات.

النجم البراند
الأرقام لا تكذب. الإنفاق الإعلاني يتصاعد، والمنصات الرقمية أصبحت شريكًا كاملًا في المشاهدة. لكن التحول الأخطر ليس في الأرقام، بل في الأولويات. الإعلان لم يعد تابعًا للمسلسل؛ صار منافسًا له.
في الليالي الأولى من الموسم، كانت المقاطع الأكثر تداولًا إعلانات لا مشاهد درامية. أغنيات دعائية بميزانيات ضخمة، نجوم يرقصون ويغنون، وأسرة كاملة تتحول إلى "حكاية" في دقيقة واحدة.
أبناء عمرو دياب وتامر حسني يعيشون في جلابيب أبائهم بأريحية، وفاطمة كشري "عبلة كامل" تعود للجمهور من باب إعلان شركة اتصالات.

الدقيقة الإعلانية أصبحت أكثر إشباعًا بصريًا من مشهد يحتاج حلقة كاملة ليتبلور. المعلن يطلب صورة مثالية، بينما الدراما تحتاج صورة إنسانية. وبين المثاليتين تضيع الواقعية.
ظاهرة هذا الموسم لا تخطئها العين: الممثل موجود في مسلسله، ثم في إعلان اتصالات، أو في إعلان بنك، وربما في إعلان منتج غذائي. الوجه ذاته، النبرة ذاتها، وأحيانًا حتى الملابس متقاربة.
الممثل موجود في مسلسله، ثم في إعلان اتصالات، وربما بنك أو منتج غذائي. الوجه ذاته، النبرة ذاتها. لم يعد يختفي داخل شخصية؛ أصبح "براند" يروّج "براند".
وحين يشاهد الجمهور ممثلًا يؤدي شخصية مسحوقة، ثم يراه بعد دقائق في فيلا فاخرة يبتسم للكاميرا، تتصدع المسافة بين الدور والواقع.

أكل العيش مر
هناك لحظة في كل موسم تشعر أنك شاهدت هذا المشهد من قبل. ليس لأنه مقتبس، بل لأن ملامحه مألوفة. الحملة الناجحة تتحول إلى تميمة حظ تُعاد سنويًا مع تعديلات شكلية.
إعلان أحد البنوك الكبرى، مثلًا، صار تنويعات متكررة على الفكرة نفسها بصوت محمود العسيلي. إعلان سيراميك يتكرر سنويًا بنفس الموسيقى والمزاج البصري والكادرات، يتغير فقط الوجه الإعلاني؛ بعد عمر الشريف ويسرا أصبح منى زكي، لكن الروح واحدة.
ويستخدم أمير كرارة صورته الذهنية كرجل أمن صارم — كما رسختها أعماله الدرامية السابقة — ليقلب جملة "أكل العيش مر"، ويُفندها في إعلان جبنة، بخطاب يبدو عميقًا، قبل أن يغمس لقمة العيش في المنتج الذي يروّج له. المشهد طريف، لكنه يكشف كيف تُستثمر الشخصية الدرامية بوصفها رصيدًا إعلانيًا قابلًا لإعادة الاستخدام.
هذا المنطق نفسه يتسلل إلى الدراما.

في أعمال عمرو سعد عبر السنوات، نعرف النموذج جيدًا: الرجل الخارج من الهامش، الذي يتكئ على قسوته ليصمد. شخصية تتغذى على الألم، وتبني حضورها على حدّة النظرة ونبرة الصوت. المشكلة ليست في الأداء، بل في تكرار القالب حتى صار القالب أهم من الشخصية.
ثم يأتي نموذج أحمد العوضي، بطل المواجهات المباشرة، صاحب الجسد الذي يتكلم قبل الحوار. الأكشن هو اللغة الأولى، والانفعال بديل دائم لتعقيد المشاعر. البنية الدرامية واحدة: رجل محاصر، يثق في قبضته أكثر من ثقته في العالم.

من أجل التريند
أما مصطفى شعبان، فقد رسّخ على مدار مواسم نموذج البطل ذي الوجهين: رجل يبدو عاديًا في الظاهر، لكنه يخفي شبكة معقدة من الأسرار أو الحسابات أو العلاقات. صيغة أثبتت نجاحًا سابقًا، فاستُعيدت بصيغ مختلفة. التغيير غالبًا في المهنة أو طبيعة الخصم، لا في جوهر البناء الدرامي. وكأن الدراما تقول: طالما نجحت الوصفة مرة، فلماذا نجازف بتغييرها؟
ومع كل تكرار، يصبح السؤال ليس "ماذا سيحدث؟" بل "كيف سيحدث الشيء نفسه هذه المرة؟".
هذا المسار أصبح جزءًا من اقتصاد الأمان الدرامي: لا مخاطرة، لا صدمة حقيقية، فقط إعادة تدوير ناجحة.
الفرق بين "ثيمة" و"كليشيه" هو المسافة التي يقطعها الكاتب بين الابتكار والتكرار. في رمضان 2026، بدت هذه المسافة قصيرة جدًا.
والأخطر أن التكرار لم يعد مجرد ضعف إبداعي، بل صار متواطئًا مع منطق التريند. الشخصية القالبية أسهل في التسويق. البطل الصلب الغاضب ينتج ميمز جاهزة. المشهد الانفعالي يُقتطع بسهولة ويحقق نسب مشاهدة مرتفعة. وهكذا، يصبح التكرار ميزة لا عيبًا.
التريند لا يقتل الفكرة مباشرة، لكنه يضغط عليها حتى تختصر نفسها. الحكاية تُضغط داخل لحظة، ثم تُختزل داخل جملة.

الحكاية الغائبة
ما نراه عمليًا هو اقتصاد سلامة. إعادة توزيع الممثلين داخل أدوار شبيهة، يمنح المنتجين درجة مخاطرة أقل، لكنه يحرم الجمهور من عمل متقن يأخذ وقته في التطور. الحكاية التي تحتاج إلى صبر تُستبدل بلقطة سريعة. المشهد الذي يتطلب تمهيدًا يُختصر في جملة قابلة للاقتباس.
تكمل الإعلانات الدورة حين تقتبس الصورة الذهنية للممثلين وتعيد تدويرها للترويج للمنتج، فيختلط الدور بالشخص، والشخص بالعلامة التجارية، حتى لا نعود نعرف أين تنتهي الشخصية وأين يبدأ الإعلان.
التريند والإعلان لم يقتلا الدراما، لكنهما أعادا تشكيلها وفق منطق مختلف: منطق اللحظة لا المسار الدرامي، منطق المقطع لا الحكاية. فهُجر البناء الدرامي المتماسك لصالح لقطة خفيفة لا تُنسى، وامتلأت الشاشة بأعمال أقل جرأة وأقل مغامرة.
والنتيجة واضحة: ممثلون أكثر تكرارًا، حبكات أكثر تشابهًا، وجمهور يلتهم الفيديوهات المقتطعة بدل أن ينتظر تطور الحكاية كاملة.
السؤال لم يعد: لماذا تتشابه المسلسلات؟
السؤال: هل ما زلنا نريد حكاية فعلًا… أم نكتفي باللقطة؟