شهر رمضان في تركيا تجربة فريدة وطقوس لا مثيل لها
ثمة شيء ساحر في قضاء رمضان في بلد تعرف كيف تحتفي بهذا الشهر منذ قرون. في تركيا رمضان ليس مجرد شهر للصيام والعبادة، بل هو موسم ثقافي كامل تضاء فيه المآذن وتنتشر خيام الإفطار في الساحات، وتمتلئ الشوارع بعد الغروب بروح الألفة التي لا توجد في أي وقت آخر من العام. وبالنسبة لنا كنساء نبحث عن تجربة سفر تجمع بين الروحانية والثقافة والجمال، تركيا في رمضان 2026 تقدم كل هذا وأكثر.
رمضان 2026 في تركيا

يبدأ شهر رمضان في تركيا عام 2026 مساء يوم 19 فبراير وينتهي مساء 19 مارس، مع احتفالات عيد الفطر (شكر بيرامي باللغة التركية) التي تستمر ثلاثة أيام من 20 إلى 22 مارس. وما يميز هذا التوقيت أن رمضان يصادف أواخر الشتاء وبدايات الربيع، ما يعني ساعات صيام معتدلة، وطقساً ربيعياً لطيفاً مثالياً للتنقل والاستكشاف.
الجامع الأزرق

لا توجد تجربة رمضانية في تركيا دون زيارة الجامع الأزرق، التحفة المعمارية العثمانية التي بُنيت بين 1609 و1617 تحت حكم السلطان أحمد الأول. يتميز الجامع بمآذنه الستة الرشيقة وقبابه المتدرجة وبلاطات إزنيق باللونين الأزرق والأخضر الفيروزي تزين جدرانه الداخلية، وهو ما منحه اسمه الشهير. في رمضان يكتسب الجامع بُعداً روحانياً استثنائياً، خاصة في ساعات ما قبل الإفطار حين تمتلئ ساحته بالمئات من المصلين الذين يجتمعون لانتظار أذان المغرب معاً في مشهد يحبس الأنفاس.
وبعد الإفطار تنصب الخيام الرمضانية في ساحة السلطان أحمد المقابلة للجامع، حيث توفر موائد إفطار مجانية وأكشاك للحرف اليدوية وعروض فلكلورية تحيي الليل حتى السحور. أما صلاة التراويح تحت القبة الضخمة التي يبلغ ارتفاعها 43 متراً فهي تجربة لا تُنسى، خاصة في ليلة القدر وليالي الجمعة حين يمتلئ المسجد عن آخره بالمصلين والزوار من كل أنحاء العالم الإسلامي، وتتردد أصوات التلاوة العذبة تحت القبة في أجواء روحانية تدخل القلب مباشرة دون استئذان.
جامع السليمانية

بناه المهندس المعماري الأسطوري معمار سنان بتكليف من السلطان سليمان القانوني، ويُعد أكثر مساجد إسطنبول تناغماً وأناقة معمارية. تم الانتهاء منه عام 1557 ويجسد قمة العمارة العثمانية الكلاسيكية في أبهى صورها. يطل الجامع من تلة مرتفعة على القرن الذهبي والبوسفور، ما يمنحه إطلالات بانورامية خلابة خاصة عند الغروب حين تتحول السماء إلى لوحة من الألوان الوردية والبرتقالية تنعكس على مياه البوسفور المتلألئة.

في رمضان يصبح جامع السليمانية ملاذاً للهدوء والتأمل، أقل ازدحاماً من الجامع الأزرق لكن لا يقل عنه روحانية بل ربما يفوقه في السكينة التي تغمر القلب. الحدائق المحيطة به توفر مساحات مثالية للجلوس وقراءة القرآن قبل الإفطار تحت ظلال أشجار السرو العتيقة، فيما يقدم المقهى الموجود في الحديقة الخلفية (لاله باهجسي) إطلالة ساحرة على المدينة مع الشاي التركي الأحمر والحلويات الرمضانية التقليدية. الجلوس هناك قبيل الإفطار مع مشاهدة الغروب وسماع أذان المغرب يتردد من المآذن المحيطة تجربة تمس الروح بعمق.
المجمع يضم أيضاً مدارس تاريخية ومستشفى عثماني قديم ومكتبة تحتوي على آلاف المخطوطات، وضريح السلطان سليمان القانوني وزوجته السلطانة هيام في فناء الجامع، ما يضيف بُعداً تاريخياً وإنسانياً للزيارة.
جامع أيوب سلطان

يقع جامع أيوب سلطان خارج أسوار المدينة القديمة بالقرب من القرن الذهبي، ويحمل أهمية روحانية عميقة لكونه يضم قبر أبو أيوب الأنصاري، صحابي الرسول محمد الذي استشهد أثناء الحصار العربي الأول للقسطنطينية عام 674 ميلادية. بُني الجامع الأصلي عام 1458 بعد فتح القسطنطينية مباشرة على يد السلطان محمد الفاتح الذي اكتشف موقع القبر، وأعيد بناؤه في القرن التاسع عشر بالأسلوب العثماني الذي نراه اليوم.

بالنسبة للكثير من المسلمين في تركيا والعالم الإسلامي، زيارة أيوب سلطان ليست مجرد سياحة بل حج روحي، خاصة في رمضان حين يتحول الجامع إلى مركز للإيمان والتقاليد والبركة. الفناء الداخلي محاط بأشجار الدلب المعمرة والمقبرة التاريخية التي تضم قبور شخصيات عثمانية مرموقة من الوزراء والشعراء والعلماء، وكان هذا الجامع هو الموقع المفضل لحفلات تتويج السلاطين العثمانيين الذين كانوا يأتون لأخذ البركة من ضريح الصحابي الجليل قبل تقلد السيف والحكم.
إضاءة المحيا

واحدة من أجمل التقاليد الرمضانية التركية هي المحيا Mahya، وهي رسائل مضيئة تُعلق بين مآذن المساجد الكبرى باستخدام المصابيح المتراصة لتشكل كلمات وعبارات تُقرأ من بعيد. هذا التقليد العثماني الذي يعود إلى 400 عام يحول سماء إسطنبول ليلاً إلى لوحة فنية نورانية تحمل آيات قرآنية أو رسائل تهنئة برمضان مثل "مرحباً يا شهر رمضان" أو "يا باغي الخير أقبل" أو أدعية مثل "اللهم بلغنا رمضان" في بداية الشهر و"اللهم بلغنا ليلة القدر" في العشر الأواخر.
الرسائل تتغير كل بضعة أيام، وأجملها تظهر على الجامع الأزرق حيث تمتد الأسلاك المضيئة بين المآذن الستة لتشكل عبارات ضخمة تُرى من معظم أنحاء المدينة القديمة، وعلى جامع السليمانية الذي يطل من التل فتظهر رسائله المضيئة كتاج يتوج المدينة. مشاهدة المحيا من إحدى المقاهي المطلة على البوسفور أو من جسر غلطة أو من قارب سحور على البوسفور تجربة ساحرة لا تُنسى، خاصة حين ترينها تتلألأ في الليل مع انعكاسها على مياه المضيق المتلألئة.
الأسواق والبازارات الرمضانية

في رمضان يأخذ البازار الكبير (كابالي تشارشي) والبازار المصري (مصر تشارشي) طابعاً خاصاً يختلف عن باقي أشهر العام. الأكشاك تمتلئ بالمنتجات الرمضانية التي لا تجدينها في غير هذا الموسم، من نسخ مزخرفة من القرآن الكريم بأحجام وأغلفة مختلفة، إلى مسابح تسبيح بأنواعها من الكهرمان والعاج وخشب الصندل والعقيق، إلى فوانيس رمضان المصنوعة يدوياً بالنحاس المشغول، إلى أطقم ديكور منزلي رمضاني من لوحات آيات قرآنية وأهلة معدنية، وهدايا العيد للأطفال والكبار.
كما تنتشر في البازار المصري تحديداً أكشاك بيع الخبز الرمضاني (رمضان بيدسي) الطازج الذي يُخبز طوال اليوم وتفوح رائحته الزكية في أروقة السوق، وحلويات جولاتش الرمضانية الشهيرة التي لا تُصنع إلا في هذا الشهر، وأنواع التمر المختلفة من المدينة المنورة وعجوة العراق وتمر إيران، والمكسرات المحمصة بأنواعها التي تُقدم في موائد الإفطار. ويُنصح بالتسوق خلال رمضان وليس بعده، فالأسعار أفضل والتشكيلة أوسع والأجواء أكثر حيوية ومتعة.
مهرجانات رمضان في الشوارع

تُقيم بلدية إسطنبول مهرجانات رمضان نابضة بالحياة في عدة مواقع لتحويل الشوارع إلى احتفال ثقافي وشعبي ضخم. أكبر هذه المهرجانات يُقام حول الجامع الأزرق في منطقة السلطان أحمد، حيث تُنصب مئات الأكشاك التي تبيع الطعام والمشروبات والمنتجات الدينية والهدايا، مع فعاليات ثقافية متنوعة تحيي المنطقة من المغرب حتى السحور. بعض الأكشاك مصممة لتحاكي البيوت العثمانية التقليدية بنوافذها الخشبية وزخارفها، والباعة يرتدون أزياء عثمانية أصيلة من الجبب والعمائم، مما يوفر أجواء كأنك سافرتِ عبر الزمن إلى إسطنبول القرن السابع عشر.
وفي منطقة فاتح يستضيف مركز آرت إسطنبول فيشان الفني الضخم مهرجاناً رمضانياً بمئات الأكشاك والفعاليات الثقافية من عروض موسيقية حية إلى مسرحيات الظل التقليدية أو كاراغوز إلى ورش صناعة الفوانيس الرمضانية للأطفال. أما مهرجان شارع تالمهانه بالقرب من ميدان تقسيم فيتميز بأجواء أكثر حميمية وأصالة بعيداً عن الازدحام السياحي، حيث يعرض أكشاك الحرفيين والفنانين من أنحاء تركيا الذين يبيعون الفن التركي المصنوع يدوياً من المجوهرات الفضية المشغولة والمنمنمات الرائعة المرسومة يدوياً والسيراميك المطلي بمهارة على الطريقة العثمانية.
والشارع يتحول إلى تحية حية للعصر العثماني، مع نسخ من البيوت التقليدية ومحلات التوابل وأكشاك الطعام التي تقدم المأكولات على الطريقة العثمانية القديمة، وعروض الدراويش المولوية يومياً في الساعة 9 مساءً تحت الإضاءات الدافئة للفوانيس المعلقة.
تجارب الإفطار والسحور

إذا رأيتِ طوابير طويلة أمام المخابز قبل ساعة من الغروب في شوارع إسطنبول، فهذا ليس لشراء خبز عادي بل لشراء رمضان بيدسي، الخبز المستدير المسطح الطري الذي يُخبز فقط خلال هذا الشهر المبارك. يُزين هذا الخبز بحبة البركة والسمسم على سطحه، ويُخبز في أفران حجرية تقليدية، ورائحته الزكية تملأ الحي بأكمله وتجذب الناس من بعيد. مذاقه الفريد الطري من الداخل والمقرمش قليلاً من الخارج يجعلان الانتظار يستحق كل دقيقة.
أما الحلوى الرمضانية التركية الأشهر فهي جولاتش، عبارة عن طبقات رقيقة جداً من عجينة النشا المجففة المستخدمة في البقلاوة تنقع في الحليب المحلى وماء الورد لتصبح طرية كالحرير، وتُرص في طبقات متعددة، وتُزين بحبات الرمان الحمراء الطازجة والفستق الحلبي المفروم ورقائق جوز الهند. الحلوى خفيفة ومنعشة بعكس الحلويات التركية الثقيلة الأخرى كالبقلاوة، وتُقدم حصرياً في رمضان ولا تجدينها في باقي أشهر العام، فطعمها مرتبط بذكريات رمضان عند الأتراك منذ الطفولة.
وتجربة الإفطار في مطعم تقليدي في إسطنبول تتبع طقساً ثابتاً منذ قرون. العديد من المطاعم التاريخية تقدم قوائم إفطار خاصة تبدأ تماماً مع أذان المغرب، والنادل يقف عند باب المطعم ينتظر الأذان ليبدأ بتوزيع الطعام على الطاولات.
المطاعم الموصى بها للإفطار كثيرة ومتنوعة، لكن المطاعم الواقعة على البوسفور في منطقة أورتاكوي وبيبك توفر إطلالات ساحرة على المضيق والجسور المضيئة مع الطعام اللذيذ، فيما تقدم مطاعم السلطان أحمد التقليدية القريبة من الجامع الأزرق تجربة أكثر أصالة في مبانٍ عثمانية قديمة، أما مطاعم أوسكودار على الجانب الآسيوي فتوفر إطلالة هادئة على المدينة القديمة من الضفة المقابلة. الحجز المسبق ضروري لأن المطاعم تمتلئ بسرعة خاصة في عطلات نهاية الأسبوع وليالي الجمعة وليلة القدر، لذا احجزي طاولتك قبل يومين على الأقل عبر الهاتف أو تطبيقات الحجز.
تقاليد شهر رمضان في تركيا
وتقليد قديم آخر لا يزال حياً في بعض المدن التركية هو مدفع الإفطار، حيث يُطلق مدفع طلقة واحدة قبل دقائق من أذان المغرب لإعلام الناس بحلول وقت الإفطار. هذا التقليد بدأ في مصر وانتشر في المنطقة العثمانية، وفي مدينة بورصا يمكنك سماع صوت المدفع يتردد عبر الوادي في تجربة مذهلة خاصة إذا كنتِ جالسة في مطعم قرب أسوار القلعة التاريخية، وقد توقف التقليد في العديد من الأماكن لكن بعض المطاعم والفنادق الفخمة تطلق مدفعاً رمزياً على أسطحها للحفاظ على التقليد.
ولا تفزعي إذا سمعتِ دقات طبل عالية في الساعة الثالثة أو الرابعة فجراً تخترق سكون الليل! هؤلاء هم الطبّالون التقليديون (دافولجو) الذين يجوبون الأحياء السكنية حاملين طبولاً ضخمة يقرعونها بإيقاع مميز لإيقاظ الناس قبل السحور. هذا التقليد التركي العريق الذي يعود لمئات السنين لا يزال حياً في الأحياء السكنية خارج المناطق السياحية، وهو من أجمل الذكريات التي ستحملينها من رمضان في تركيا. الطبّالون يرتدون أزياء تقليدية ويحملون فانوساً للإضاءة، ويتلقون الإكرامية من سكان الحي في نهاية رمضان تقديراً لجهودهم طوال الشهر.