السقوط المدوي في عيد الميلاد: القصة الكاملة لاعتقال "دوق يورك" السابق
في الوقت الذي كان من المفترض أن تضاء فيه شموع عيد الميلاد السادس والستين للأمير أندرو، كانت أضواء سيارات الشرطة الزرقاء هي التي تقتحم هدوء ضيعة "ساندرينغهام" الملكية، لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل كان زلزالاً هز أركان الملكية البريطانية، حيث أُلقي القبض على أندرو ماونتباتن-ويندسور صباح الخميس للاشتباه في ارتكابه جناية "سوء السلوك في منصب عام"، وهي سابقة تاريخية لم يشهدها القصر في العصر الحديث.
دراما الصباح: ثمانية ضباط ومداهمة "وود فارم"

بدأت فصول القصة في تمام الساعة الثامنة صباحاً، حين شوهدت ست سيارات شرطة غير مميزة تتسلل نحو "وود فارم كوتيدج" في نورفولك، هذا المنزل الريفي، الذي بات منفى للأمير بعد أن طرده الملك تشارلز من "رويال لودج" الذي أمضى فيه مدة 22 عاماً، تحول فجأة إلى مسرح لجريمة محتملة.
الاحترافية الأمنية كانت واضحة، إذ انقسمت القوة المكونة من ثمانية ضباط بملابس مدنية إلى مجموعتين، واحدة اقتحمت الممر الأمامي، وخمس سيارات أخرى حاصرت المداخل الخلفية للمنزل المكون من خمس غرف نوم في قرية "وولفرتون"، اللافت في الأمر كان وجود ضابط يحمل جهاز كمبيوتر محمولاً تابعاً للشرطة، مما يشير إلى أن الهدف الأساسي لم يكن شخص الأمير فحسب، بل "البيانات الرقمية" التي قد يخفيها خلف أسوار منزله.
الجدول الزمني لساعات الاحتجاز المريرة

المداهمة التي بدأت في وقت مبكر، لم تستغرق وقتًا طويلًا في إجراءات التفتيش الأولي ومصادرة المقتنيات التقنية، حيث غادرت بعد نصف ساعة فقط من الاقتحام، سيارة شرطة "نورفولك" غير المميزة المكان وعلى متنها الأمير، تبعتها سيارات الحماية الخاصة به وسيارات "رينج روفر" رسمية، في مشهد جسد نهاية حقبة الحصانة.
من جانبها قالت شرطة "وادي التايمز" في بيان رسمي إنها اعتقلت "رجل" في الستينيات من عمره، معلنة عن عمليات تفتيش واسعة النطاق لم تقتصر على نورفولك، بل شملت عناوين في "بيركشاير"، بما في ذلك منزله السابق "رويال لودج" في وندسور.
موقف الملك تشارلز: الحزم في مواجهة الفضيحة

لم ينتهي اليوم حتى ظهر الملك تشارلز الثالث وأدلى ببيان تاريخي، مؤكداً أن "القانون يجب أن يأخذ مجراه"، في إشارة واضحة لرفع الغطاء السياسي والعائلي عن شقيقه، قلم يعد هناك مجال للمواربة داخل القصر، الملك الذي علم بالاعتقال تزاماً مع الجمهور، أصدر بياناً موقعاً باسمه جاء فيه:
"لقد علمنا ببالغ القلق بهذه الأنباء، الإجراءات القانونية العادلة ستأخذ مجراها من قبل السلطات المختصة، ولهم منا الدعم والتعاون التام"، هذا الموقف ليس جديداً تماماً، فقبل أسبوع واحد فقط، صرّح المتحدث باسم القصر بأن الملك مستعد لدعم أي تحقيق للشرطة، مؤكداً أن تعاطفه يظل دائماً مع "ضحايا جميع أشكال الإساءة"، في رسالة مبطنة تؤكد انحياز العرش للعدالة لا للقرابة.
تشريح التهمة: ماذا يعني "سوء السلوك في الوظيفة العامة"؟

تعتمد شرطة وادي التايمز في تحقيقاتها على مادة قانونية دقيقة وحساسة، وفقاً لدائرة الادعاء الملكي، تُعرف هذه الجريمة بأنها "إساءة استخدام أو إهمال متعمد وخطير لسلطة أو مسؤوليات الوظيفة العامة".
لكن، ما الذي يربط الأمير بهذه التهمة تحديداً؟ تتقاطع التحقيقات هنا مع "ملفات إبستين" السوداء، تراجع الشرطة ادعاءات حول قيام جيفري إبستين بتهريب امرأة إلى المملكة المتحدة لممارسة علاقة مع أندرو، ولكن الأخطر هو الجانب "الوظيفي"، حيث يُتهم أندرو بمشاركة معلومات حساسة وسرية مع إبستين أثناء توليه منصب مبعوث تجاري للمملكة المتحدة.
الأدلة الرقمية: رسائل البريد الإلكتروني التي خذلت الأمير

ما يثير الريبة ويغذي التحقيق الاستقصائي هو ما كشفت عنه وزارة العدل الأمريكية، تُظهر الوثائق أن أندرو كان يشارك تقارير عن زيارات رسمية لدول مثل الصين وفيتنام وسنغافورة في عام 2010 مع إبستين، والأكثر صدمة، هو ما حدث في ليلة عيد الميلاد عام 2010، فبينما ادعى أندرو في مقابلته الشهيرة مع "نيوزنايت" عام 2019 أنه قطع صلته بإبستين في أوائل ديسمبر، أظهرت رسائل البريد الإلكتروني أنه أرسل لإبستين موجزاً سرياً حول فرص استثمار ممولة حكومياً في "ولاية هلمند" بأفغانستان، مما يضع الأمير في مأزق "خيانة الأمانة الوظيفية".
النهاية المؤقتة: إطلاق سراح "رهن التحقيق"

بعد قضاء أكثر من 11 ساعة خلف الجدران الباردة لمركز شرطة "أيلشام" في نورفولك، تم تصوير أندرو وهو يغادر المكان بعد السابعة والنصف مساءً، إطلاق سراحه لم يكن "براءة"، بل هو "إطلاق سراح رهن التحقيق"، مما يعني أن المعركة القانونية قد بدأت للتو، وبينما انتهت عمليات التفتيش في نورفولك، أكدت الشرطة أن عمليات البحث في "بيركشاير" لا تزال مستمرة، مما يوحي بأن هناك المزيد من المفاجآت التي قد تخبئها الخزائن الملكية.
نشير أخيرا إلى أن أندرو يحتل المرتبة الثامنة في خط الخلافة، وفيما ستأخذ المعركة القانونية وقتها قبل البت في مصير أندرو، نتوقع أن تتحرك المؤسسة الملكية بحركة استباقية عبر الإعلان عن إزاحة الأمير من خط الخلافة، لكن هل سينسحب هذا الإجراء على بناته الأميرتان بياتريس ويوجيني؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.