المخرجة الألمانية - ادارة المهرجان

أولريكه أوتينج لـ"هي": "باثوري" أسطورة ومرآة المجتمع في "كونتيسة الدم" وهكذا دعمتني يلينيك في الشخصية

أحمد عدلي
22 فبراير 2026

بين التاريخ والأسطورة، وبين الحقيقة والخيال، تتحرك المخرجة الألمانية أولريكه أوتينج في فيلمها "كونتيسة الدم"، الذي أعاد إحياء شخصية إليزابيث باثوري المثيرة للجدل، في قراءة بصرية وفلسفية تتجاوز حدود السيرة التقليدية. العمل، الذي تقوم ببطولته النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير، عُرض ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي.

في هذا الحوار من برلين، تتحدث أوتينج عن علاقتها بالأسطورة، وعن رؤيتها للزمن بوصفه طبقات متداخلة، وعن تعاونها مع الكاتبة النمساوية الحائزة على نوبل إلفريده يلينيك، كما تكشف كيف تحوّلت العمارة الباروكية في فيينا إلى عنصر درامي موازٍ للشخصية، ولماذا ترى أن باثوري ليست مجرد امرأة من الماضي، بل مرآة لأسئلة معاصرة لا تزال تقلق الإنسان حتى اليوم.

  • شخصية إليزابيث باثوري محاطة بأساطير كثيرة ومتضاربة. ما الذي دفعكِ للعودة إليها سينمائياً؟

- منذ البداية لم أكن مهتمة بتقديم الحقيقة التاريخية المجردة. بحثت في كل الوثائق المتاحة، واطلعت على التحقيقات والروايات المختلفة، لكنني اكتشفت أن كل باحث يقدّم صورة مختلفة عنها، كل شخص يصنع باثوري الخاصة به. هذا التعدد هو ما شدّني، أنا مهتمة دائماً في أفلامي بالشخصية المركزية التي تختزن أكثر من طبقة، باثوري ليست مجرد امرأة متهمة بجرائم، بل رمز لامرأة قوية تحولت إلى أسطورة، وما جذبني هو فكرة كيف تتحول امرأة إلى مرآة لإسقاطات المجتمع، لمخاوفه وهواجسه ورغباته.

المخرجة الالمانية - إدارة مهرجان برلين
المخرجة الالمانية - إدارة مهرجان برلين
  • الفيلم لا يبدو كسيرة ذاتية تقليدية، بل أقرب إلى تأمل فلسفي في الشخصية. هل كان هذا قراراك من البداية؟

- بالتأكيد. لم أرد أن أقدّم فيلماً تاريخياً تقليدياً يسرد الوقائع بترتيب زمني، بالنسبة لي، السينما ليست درس تاريخ، أنا أتعامل مع التاريخ كمادة خام لإعادة التفكير، ما يهمني هو ما تقوله الشخصية لنا اليوم، وليس فقط ما فعلته في الماضي، الأسطورة تمنح مساحة للتأويل، وتسمح لي بطرح أسئلة عن السلطة، الجسد، الخلود، وعن العلاقة بين المال والقوة.

  • الزمن في الفيلم يبدو غير خطي، وكأن الماضي والحاضر يتداخلان، ما أهمية الزمن في رؤيتك؟

- الزمن عنصر أساسي في هذا العمل، أنا أؤمن أن الماضي لا يختفي، بل يعيش معنا، في المخيلة، في العمارة، في الثقافة، باثوري شخصية تاريخية، لكنها أيضاً معاصرة، لأن الأفكار المرتبطة بها مثل هوس الخلود أو الرغبة في السيطرة المطلقة ما زالت حاضرة، نرى اليوم استثمارات ضخمة في أبحاث إطالة العمر، وهوساً بالجمال والشباب، هذه ليست بعيدة تماماً عن الفكرة الأسطورية حول الاستحمام بالدم للحفاظ على الشباب، لذلك، أردت أن أقدّم الزمن بوصفه طبقات متداخلة، وليس خطاً مستقيماً.

  • تعاونتِ مع الكاتبة النمساوية الحائزة على نوبل إلفريده يلينيك في تطوير النص. كيف جرى هذا التعاون؟

- بعد أن كتبت المسودة الأولى، شعرت أن بعض المشاهد تحتاج إلى تفكيك أعمق. لدي صداقة طويلة مع إلفريده، وقد عملنا معاً في المسرح سابقا، طلبت منها أن تقرأ النص وتبدي رأيها، جلسنا يوماً كاملًا نناقش كل مشهد، كانت ملاحظاتها حادة وذكية. لم تعِد كتابة النص بالكامل، لكنها أرسلت لي صفحات من الأفكار التي ألهمتني، كنت أعود إلى النص وأعيد صياغة بعض الحوارات والمواقف متأثرة بما طرحته، كان التعاون حواراً فكرياً مثمراً.

مع بطلة فيلمها ومديرة مهرجان برلين خلال العرض العالمي العالمي للفيلم - إدارة المهرجان
مع بطلة فيلمها ومديرة مهرجان برلين خلال العرض العالمي العالمي للفيلم - إدارة المهرجان
  • المكان يلعب دوراً واضحاً في الفيلم، خاصة فيينا والمواقع ذات الطابع الباروكي، لماذا هذا التركيز على العمارة؟

- المكان بالنسبة لي ليس ديكوراً، بل عنصر درامي، عندما عدت إلى فيينا في أواخر التسعينيات، شعرت أن المدينة نفسها تحمل سردية بصرية قوية، المباني القديمة تختزن تاريخاً معقداً من السلطة والدين والسياسة، العمارة الباروكية، تحديداً، تعكس فخامة وقوة، لكنها تخفي أيضًا قلقاً داخلياً، هذا التناقض بين الجمال والرهبة كان مناسباً جداً لشخصية باثوري، أحب أن أضع الشخصية في فضاء معماري يتفاعل معها، لا أن يكون خلفية صامتة.

  • هناك ثراء بصري واضح في الفيلم، سواء في الأزياء أو الألوان أو الإضاءة، كيف اشتغلتِ على هذا الجانب؟

- التحضير البصري استغرق وقتاً طويلاً، جمعت مراجع كثيرة، صوراً ولوحات ومواد وأقمشة. عملنا قرابة عام في تطوير التصور البصري قبل التصوير. بالنسبة لي، الصورة ليست تجميلًا، بل لغة، الأزياء والديكور كانا جزءاً من بناء العالم الداخلي للشخصية، أردت أن يكون هناك تناقض بين الظلمة والترف، بين الرعب والجمال. هذا التوتر هو ما يمنح الفيلم قوته.

  • هل ترين أن باثوري تمثل نموذجاً لامرأة معاصرة؟

-لا أعتقد أنها نموذج مباشر، لكن بعض أفكارها – كما تُروى في الأسطورة – تعكس ظواهر معاصرة. مثل الاعتقاد بأن المال يمكن أن يشتري كل شيء، حتى الزمن. هذا سؤال سوسيولوجي أكثر منه تاريخي، أنا لا أقدّم حكماً أخلاقياً، بل أطرح تساؤلاً، ماذا يحدث عندما تتحول الرغبة في السيطرة إلى هوس؟ وكيف ينظر المجتمع إلى امرأة قوية تتجاوز حدود المقبول؟

مشهد من الفيلم.jpg - ادارة المهرجان
مشهد من الفيلم.jpg - ادارة المهرجان
  • كيف وجدت عرض الفيلم في مهرجان "برلين السينمائي"؟

- العرض في مهرجان برلين تجربة مهمة، الجمهور هناك متنوع ومهتم بالتجارب غير التقليدية، ما يسعدني هو النقاشات التي تلي العرض، حين يبدأ المشاهدون في طرح أسئلة وتأويلات مختلفة، هذا يعني أن الفيلم فتح مساحة للتفكير، وهذا بالنسبة لي أهم من أي شيء آخر.