خاص "هي" رسالة مهرجان برلين 2026- فيلم "ذباب".. عندما يكسر الطنين رتابة الوحدة
لم يغب المخرج فرناندو إمبيكي طويلًا عن مهرجان برلين السينمائي الدولي، إذ كان حاضرًا بفيلمه "أولمو" في قسم البانوراما العام الماضي، قبل أن يُعرض فيلمه الأحدث "ذباب" (Moscas) في المسابقة الرئيسية للمهرجان هذا العام، والتي تبدو الأضعف مقارنة بالأعوام الماضية، وإن كانت فيها بعض الاستثناءات الجيدة، وفيلم "ذباب" في قمة هذه الاستثناءات.
نتعرف في بداية الفيلم القادم من المكسيك على السيدة أولجا (تيريزا سانشيز)، التي تعيش وحدها في بيت واسع، وتضطر لتأجير إحدى غرفه لتوفير المزيد من المال، فيأتي إليها أب وطفله الصغير كرستيان (باستيان إسكوبار) ليسكنا الغرفة، وتتطور تدريجيًا العلاقة بين أولجا وكرستيان.

يعتمد "ذباب" بشكل رئيسي على رسم شخصياته، وتقديمها للمشاهد ثم استكشاف أبعاد كل شخصية، ومن خلال تقاطع هذه الشخصيات تتحرك الأحداث. لا يقدم الفيلم قصة كبيرة أو معقدة بل تفاصيل حياة دقيقة جدًا، عن الوحدة والرغبة في الشعور بالاهتمام.
يأخذ الفيلم كل وقته في تقديم الشخصيات، نقضي ثلث الساعة الأولى تقريبًا مع أولجا وحدها، مع القليل جدًا من الحوار، حتى ندرك تمامًا شكل وإيقاع حياتها الخاوية من أي شيء، حتى يصبح صوت الذباب هو المؤثر الصوتي الوحيد ذو المعنى في يومها، وإن كان هذا لا يعني أننا سنعرف كل شيء عنها في هذه الدقائق الأولى بل يقدم لنا الفيلم المزيد لاحقًا، فبجانب عيشها دون رفيق أو قريب في بيتها، فإنها تقابل المستأجرين بشكل جاف جدًا في البداية وكأنها تضع المزيد من الأسوار حولها.

ظهور كرستيان يغير كل شيء كما هو متوقع، ولكن ليس بالشكل التقليدي. لن نشاهد أولجا تتحول فجأة إلى إنسانة أخرى لمجرد ظهور هذا الطفل في حياتها، بل كما كل شيء في الفيلم، نأخذ وقتنا تمامًا.
يأخذنا ظهور الشخصية الجديدة إلى مشاعر مختلفة تمامًا. فالأب يأتي مع طفله لهذا المكان حتى يكون قريبًا من المستشفى التي تُعالج فيها زوجته. تبدو علاقة الأب مع ابنه مثالية إلى حد كبير، فهو يقضي معه وقتًا طويلًا، يحاول أن يعوضه عن غياب أمه في المستشفى، يهتم بطعامه، ولكن كل هذا يأتي بالشكل الذي يلائم وضعه المالي السيئ. وهو ما يعبر عنه الفيلم بشكل مختزل ولكن كافٍ كما هو كل شيء في الفيلم مطبقًا قاعدة "اعرض ولا تقُل" (Show don't tell). فيكفي أن نشاهد الأب داخل الصيدلية يفاضل بين أنواع الدواء ويستغني عن تلك مرتفعة السعر لنعرف أن أوضاعه المالية ليست على ما يرام.
بينما نجد الطفل شديد الذكاء، وخفيف الظل، يحاول التعلم بسرعة والتعايش مع الظروف المحيطة به، وتحتل جزءًا كبيرًا من اهتمامه إحدى ألعاب الفيديو القديمة التي تعمل عن طريق إدخال العملة لبدء اللعب. هذه اللعبة تعد من أبطال الفيلم بلا جدال، ومن المدهش كيف يستخدمها المخرج، بداية من تحول موسيقاها إلى جزء من موسيقى الفيلم نفسه، ومرورًا باستخدام الأب لهذه اللعبة ليشرح لكرستيان طبيعة مرض الأم في واحد من أرق مشاهد الفيلم.
يفضل إمبيكي استخدام الأبيض والأسود في فيلمه، رغم أنه لا يدور في فترة زمنية بعيدة، ولا يوجد سبب محدد لهذا الخيار لكنه يمنح توحدًا أكبر مع الشخصيات والعالم، خاصة في الفصل الأخير عندما يزداد تواجد جهاز ألعاب الفيديو، وظهور بعض المشاهد التي تدور في خيال الطفل. استخدام الأبيض والأسود ساهم أيضًا في جعل الفيلم أكثر عالمية، فالأحداث تدور في المكسيك كما ذكرنا، ولكن مع قلة الحوار وإنسانية الشخصيات وبساطة الحبكة، يمكن للمشاهد الشعور بأن الأحداث يمكن أن تحدث في أي دولة أخرى.
