هيكاري

المخرجة اليابانية هيكاري عضو لجنة تحكيم مهرجان برلين السينمائي لـ"هي": أعمالي تأتي من لحظة إلهام أتتبعها 

أحمد عدلي
20 فبراير 2026

في أروقة مهرجان برلين السينمائي الدولي، حيث تتقاطع اللغات والوجوه والقصص القادمة من كل أنحاء العالم، التقينا المخرجة وكاتبة السيناريو والمنتجة اليابانية هيكاري عضو لجنة تحكيم الدورة السادسة والسبعين، بينما كانت تتنقل بخفة بين صالات العرض برفقة زملائها في اللجنة. بين عرض وآخر، ووسط جدول مزدحم بالمشاهدات والنقاشات المغلقة، خصّت "هي" بهذا الحوار، لتتحدث عن تجربتها الجديدة كعضو لجنة تحكيم، وعن نظرتها إلى السينما بوصفها مساحة للاكتشاف والحوار، لا ساحة للانقسام، 

بداية، كيف ترين مشاركتك هذا العام في برليناله كعضو لجنة تحكيم، لا كمخرجة مشاركة في المسابقة؟

- التجربة مختلفة تماماً، هذه هي المرة الأولى التي أكون فيها عضو لجنة تحكيم في حياتي، رغم أنني تلقيت دعوات سابقة. وجودي هنا هذه المرة يحمل طابعاً خاصاً بالنسبة لي، لأنني عدت إلى برلين بعد ست سنوات من حضوري الأول بفيلمي الروائي الطويل، حين منحني الجمهور جائزة تقديرية كانت لحظة مؤثرة جدًا في مسيرتي، اليوم أعود من موقع آخر، لا لأدافع عن فيلمي، بل لأشاهد أفلام الآخرين وأمنحها وقتي وتركيزي، إنه شرف حقيقي أن أكون هنا، وأن أتابع هذا التنوع الكبير من الأعمال، من الكوميديا إلى الدراما، ومن الأفلام السردية إلى الأعمال التي تلامس الوثائقي.

ما الفارق الذي تشعرين به على المستوى الشخصي بين قدومك إلى برلين كمخرجة في المسابقة، وقدومك اليوم كعضو لجنة تحكيم؟

حين أتيت سابقاً كنت أحمل خطة واضحة لفيلمي، كنت أفكر في عرضه وتلقي ردود الفعل والدفاع عن رؤيتي، أما اليوم فأنا أنظر إلى الأعمال بعين مختلفة، قبل أن أصبح مخرجة، كنت مصورة فوتوغرافية، ودرست التصوير السينمائي، لذلك أجد نفسي أحياناً أركز كثيرًا على حركة الكاميرا، على الإضاءة، وعلى كيفية توظيف الصورة لخدمة السرد، كذلك أولي اهتماماً بالغاً للصوت والموسيقى، لأن التصميم الصوتي بالنسبة لي عنصر جوهري في صناعة التجربة السينمائية.

كل عضو في لجنة التحكيم يرى الفيلم من زاوية مختلفة، هناك من يركز على البناء الدرامي، أو على الإنتاج، أو على أداء الممثلين. لكن ما يجمعنا هو سؤال التدفق، كيف يسير الفيلم؟ هل نعيش الرحلة مع الشخصيات؟ هل ينجح العمل في جذبنا حتى اللحظة الأخيرة؟ في النهاية، نحن نشاهد الفيلم بالطريقة نفسها التي يشاهده بها أي محب للسينما، لكن مع مسؤولية إضافية تتعلق بتقييم الأصالة وطريقة السرد، وما يميز برليناله هذا العام هو تنوع الأصوات؛ لا يوجد فيلمان متشابهان داخل المسابقة.

ل

خلال المؤتمر الصحافي طُرحت أسئلة ذات طابع سياسي وأثارت جدلًا. كيف تنظرين إلى العلاقة بين السياسة والسينما؟ وهل يجب أن يتخذ المخرج أو عضو لجنة التحكيم موقفًا سياسيًا؟

إذا استمعت إلى المؤتمر الصحافي كاملًا، ستجد أن حديثنا امتد لنحو 45 دقيقة حول قوة السينما وقدرتها على إحداث تغيير في العالم من خلال التعاطف وفهم الثقافات المختلفة والسعي إلى السلام. جميع أعضاء لجنة التحكيم تحدثوا عن هذه النقطة: كيف يمكن للفن أن يجعل العالم مكاناً أفضل؟

بالنسبة لي، السياسة موضوع شديد التعقيد، لدي أصدقاء في أنحاء مختلفة من العالم، ولكل منهم رأيه وموقفه، مهمتي كمخرجة ليست أن أتبنى طرفاً ضد آخر، بل أن أخلق مساحة للتفاهم. نحن هنا لنحتفي بالأفلام، ولنحترم الجهد الهائل الذي يبذله صناعها، صناعة فيلم واحد تتطلب سنوات من العمل، والبحث عن تمويل، وإقناع منتجين بالمغامرة، ثم خوض تحديات التصوير والإنتاج، مجرد الوصول إلى مهرجان بحجم "برلين" هو إنجاز كبير، لهذا أرى أن وجود هذه الأفلام هنا هو احتفال بحد ذاته.

هناك أفلام وثائقية في أقسام أخرى تتناول قضايا سياسية مباشرة، ومن الطبيعي أن يُناقش مضمونها، لكن في المسابقة الرسمية، نحن نركز على الفيلم بوصفه عملاً فنياً، وعلى الطريقة التي اختار بها المخرج أن يروي قصته، هدفنا هو التقدير أولاً، ثم البحث عن العمل الذي يترك الأثر الأعمق.

ب

كمخرجة تشغلين أدوارًا متعددة بين الكتابة والإنتاج والإخراج، كيف تنظرين إلى الفيلم عندما تشاهدينه كعضو لجنة تحكيم؟

عندما أشاهد فيلمًا، أضع نفسي مكان الجمهور أولاً، أحب أن أتعرف إلى بلدان وثقافات مختلفة من خلال السينما. إذا شاهدت فيلماً من مصر مثلًا، وأراني تفاصيل من الحياة اليومية لا أعرفها، فهذا يثير فضولي ويجعلني أكثر انخراطًا في التجربة، أنا أنتمي إلى عائلة من الطبقة العاملة، وعملت في وظائف متعددة قبل أن أدخل مجال الإخراج في الثلاثين من عمري، لذلك أقدّر الجهد المبذول في كل فيلم، ما أبحث عنه هو الرحلة؛ أن أشعر بأنني أسافر مع الشخصيات، وأن أتعرف إلى عالم جديد، السينما العالمية بالنسبة لي نافذة على الآخر، وكلما كان الصوت أصيلاً وصادقاً، كان تأثيره أقوى.

عملتِ في أكثر من بلد، بين اليابان والولايات المتحدة وغيرها، كيف ساعدك هذا التنقل على الوصول إلى جمهور أوسع؟ وما الصعوبات التي واجهتك؟

أفكاري تأتي غالباً من لحظة إلهام ألتقطها وأبدأ في تدوينها فوراً، فيلمي الأول كان يابانياً بالكامل، لأن قصته متجذرة في ثقافة محددة، أما الثاني فجمع بين اليابانية والإنجليزية، متأثراً بتجربتي كطالبة تبادل في الولايات المتحدة، أردت أن أقدم قصة تقول إن الانتماء لا تحدده اللغة أو لون البشرة، بل الثقة والاحترام المتبادل، استخدام اللغة الإنجليزية يفتح الباب أمام جمهور أوسع، لأن شريحة كبيرة من العالم تفهمها دون الحاجة إلى ترجمة كاملة، هذا ساعد فيلمي الثاني على التوزيع في أكثر من سبعين دولة، وهو أمر أعتبره إنجازاً مهماً. لكن العمل في ثقافات مختلفة يتطلب فهماً عميقًا للسياق المحلي، واحتراماً لحساسيات كل مجتمع.

ماذا عن مشاريعك الجديدة؟

- لدي أكثر من مشروع قيد التنفيذ، أحدها سيُطرح قريباً عبر منصة بث عالمية، مع احتمال عرضه أيضاً في صالات السينما لفترة محدودة، لا أستطيع كشف التفاصيل الآن، لكنني متحمسة لردود الفعل، كما أعمل على مشاريع أخرى، بينها مسلسل تلفزيوني، وأتطلع لأن ترى النور خلال الفترة المقبلة.

هل تعتقدين أن منصات البث تسحب الجمهور من صالات السينما؟

الإجابة نعم ولا في آن واحد، خلال جائحة كورونا اعتاد الناس مشاهدة الأفلام في منازلهم، وهذا غيّر عادات المشاهدة، لكن تجربة السينما تبقى مختلفة؛ الشاشة الكبيرة، ونظام الصوت، والمشاركة الجماعية في قاعة العرض تمنح إحساساً لا يُعوض، أعتقد أن بعض شركات البث باتت تدرك أهمية العرض السينمائي، ولو لفترة محدودة، قبل الانتقال إلى المنصات الرقمية.