فيلم "خروج آمن"

خاص "هي" رسالة مهرجان برلين 2026- "خروج آمن"، الخوف الذي لا يمنع الموت ولا يمنح الحياة

أندرو محسن
17 فبراير 2026

بعد 10 سنوات من عرض فيلمه الأول "أخضر يابس" يعود المخرج محمد حماد بفيلمه الروائي الطويل الثاني "خروج آمن" المعروض في قسم البانوراما في مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته 76. هذه الفترة الطويلة كانت أكثر من كافية ليحضر حماد جيدًا لهذا الفيلم، الذي يؤكد من خلاله أسلوبه البصري، ولكنه يقطع خطوة أكبر في كتابته للسيناريو والتعامل مع الممثلين كما سنذكر.

تدور الأحداث في مصر المعاصرة، حيث نتابع الشاب سمعان (مروان وليد) فرد الأمن البسيط الذي يعمل في بناية في وسط البلد. سمعان ابن أحد الرجال المسيحيين الذي قتلوا على يد داعش في ليبيا، المعروفين بشهداء ليبيا، وهذا الإرث من والده يلقي بظلاله بقوة على شخصية سمعان، بينما تظهر في حياته فتاة الليل الفقيرة فاطمة (نهى فؤاد) والتي تؤثر هي أيضًا على نظام حياته الرتيبة جدًا.

فيلم "خروج آمن"
فيلم "خروج آمن"

في تتابع بداية جذاب ومشوق نتعرف على الكثير من أبعاد شخصية سمعان، هذا الشاب الذي يقدمه الفيلم كشخص يحيا على الهامش تمامًا، مثل ملايين الشخصيات التي يمكن أن نقابلها في حياتنا اليومية في وظائف بسيطة غير مؤثرة، لكن ما يلفت النظر لسمعان ويجعله بطلًا لهذا الفيلم هو أنه لا يحاول الخروج من الهامش إلا من خلال اهتمامه بنشر رواية عن مذكراته الشخصية، بعيدًا عن هذه الرواية يبدو بطل الفيلم خانعًا ومستسلمًا لكل ما يحيط به، والأسوأ من هذا فهو خائف. الخوف في شخصيته له طعم شديد المرارة، إذ أنه يشعر بثقله ووضوحه كلما تذكر والده الذي مات بطلًا.

عندما تظهر فاطمة في حياته فإنها تكسر الدائرة المفرغة التي يدور فيها سمعان. تتفق فاطمة مع هذا الأخير في كونها أيضًا على الهامش، وتختلف عنه في أنها لا تخاف مثله، لن نقول شجاعة فقد تبدو مبالغة، ولكنها تحاول إيجاد بعض الحلول لمأساتها الشخصية بشكل أو بآخر. ربما يظن المشاهد مع ظهور فاطمة أنها ستقلب حياة سمعان وسنشاهد نسخة جديدة ومختلفة منه فجأة، ولكن الفيلم لا ينساق وراء العلاقة التقليدية، بل يستمر في بناء بطيء بعض الشيء ولكنه يؤدي إلى نتائج تشبه الشخصيات وعالمها، والأهم من ذلك، تشبه الواقع.

فيلم "خروج آمن"

باستثناء مشاهد قليلة، فإننا لا نغادر البناية خلال أحداث الفيلم، والتي نشاهد منها مدخلها، وسطحها الذي يضم غرفة معيشة سمعان والسلم الخلفي. بعد عدة دقائق سنعتاد هذا المكان، خاصة مع اهتمام المخرج بإبراز تفاصيله المختلفة والمؤثرة أيضًا في رسم الشخصية، فسمعان الشاب المسيحي يضم بيته الكثير من الصور الدينية، والتي يمكن أن نجدها بالفعل في بيوت مشابهة. وهنا يجدر بنا الإشارة إلى أن حماد قدم الشخصية المسيحية بشكل غير معتاد في الأعمال المصرية، إذ ينحى الكثير من المؤلفين والمخرجين إلى إظهار المسيحي في صورة ملائكية مبالغ فيها، ويستخدمون مفردات غير حقيقية، بينما كان سمعان في الفيلم إنسانًا عاديًا وديانته لها تأثير واضح في الأحداث وفي نظرة الشخصيات الأخرى إليه، والتي استخدمها المخرج بذكاء لإظهار تناقضات موجودة داخل المجتمع المصري.

في فيلمه الثاني نجد ملامح أسلوب حماد كما ذكرنا، فهو يتعامل مرة أخرى مع ممثلين غير محترفين، وإن كان ذلك لا يبدو على الشاشة إطلاقًا، إذ قدم مروان وليد ونهى فؤاد أدائًا شديد التميز، وخاصة الأخيرة التي كان وجهها معبرًا وطريقة نطقها للحوار دقيقة بلهجة فلاحية لا تخطئها الأذن. الجانب الآخر الواضح في أسلوب حماد هو الهندسية في بناء الكادرات والتي تظهر منذ بداية الفيلم حتى نهايته، هذا الأسلوب بقدر ما جعل الكثير من اللقطات تبدو مُلفتة بصريًا، فإنه كان ثقيلًا في لقطات أخرى بدا فيها أسلوب المخرج واضحًا بالفعل لكن دون أن يحتاج المشهد نفسه إلى هذا الدقة الشديدة في نسب التكوين.

يذكرنا هذا الفيلم برائعة الراحل داود عبد السيد "مواطن ومخبر وحرامي" (2001)، فهنا أيضًا لدينا رواية وخارج على القانون وفتاة مهمش مُستغلة. المواطن سليم سيف في فيلم عبد السيد كان أكثر ألقًا وحيوية لكن حظه العاثر أوقعه في طريق الحرامي، بينما سمعان "خروج آمن" هو منذ البداية سيئ الحظ، وكانت فاطمة بمثابة حجر ألقي في بركة حياته، لكن سليم وسمعان يتفقان في أنهما مغلوبان على أمرهما أمام ظروف لا يملكان السيطرة عليها، ويجب عليهما القيام بفعل تمرد ما للحفاظ على وجودهما.