سيناريو سقوط احتكار هوليوود للصورة السينمائية... ما بعد نموذج Seedance 2.0

 سيناريو سقوط احتكار هوليوود للصورة السينمائية.. ما بعد نموذج Seedance 2.0

إيهاب التركي
17 فبراير 2026

المشهد الأول

نهار خارجي — سطح مبنى بلا اسم

رجلان يتواجهان فوق سطح مبنى شاهق، والمدينة تحت قدميهما تبدو كعملاق جاثم يراقب في صمت ثقيل. الريح تمرّ بين الجسدين كما لو أنها تستدعي الدراما، والكاميرا — التي لا وجود لها في الحقيقة — تدور حولهما بثقة مصوّر يعرف تمامًا أين يسقط الضوء وأين ينكسر الظل. لكمة أولى، التفاف جسدين، ارتطام معدني خاطف، أنفاس لاهثة وعنف يتصاعد، ضربات ولكمات تتلاحق بإيقاع محسوب، ثم جسدان يترنحان قبل أن يستسلما للأرض. كل شيء يبدو مُدارًا بعناية إنتاجية باهظة، كما لو أن وراء المشهد جيشًا من الفنيين يعمل في صمت. الوجهان مألوفان إلى درجة الإرباك: توم كروز وبراد بيت، أو نسختان أقرب إلى الحقيقة مما تود الحقيقة نفسها الاعتراف به.

لكن لا استوديو إنتاج هنا، ولا طاقم تصوير ينتظر الإشارة، ولا مخرج يرفع يده صارخًا "ستوب". المشهد لم يُصوَّر، بل تولد من رحم جملة توجيه "Prompt" كُتبت داخل نموذج ذكاء اصطناعي يحمل اسم Seedance 2.0، أطلقته شركة ByteDance الصينية بهدوء لا يشبه الضجيج الذي أثاره لاحقًا، وكأن مشهد السينما وُلد من تلقاء نفسه.

المشهد الثاني

نهار داخلي — قاعة اجتماعات في بكين

في غرفة اجتماعات بعيدة عن هوليوود جغرافيًا ونفسيًا، تُعرض شرائح تقديمية بلغة هندسية جافة. مهندسون يتحدثون بهدوء عن نموذج قادر على توليد فيديو وصوت في آنٍ واحد، على الحفاظ على ثبات ملامح الشخصية عبر لقطات متعددة، وعلى فهم الحركة بوصفها قرارًا جماليًا وواقعيًا لا مجرد انتقال بكسلات على شاشة. ما يُعرض لا يقف عند حدود العرض التقني؛ ثمة شيء يتجاوز البرمجة إلى إعادة تعريف ما يمكن للصورة أن تكونه. Seedance 2.0 لا يتباهى بأنه ذكاء اصطناعي "يصنع أفلامًا"، بل يتصرف كما لو أنه يفتح الباب على مصراعيه أمام صناعة طالما اعتقدت أن مفاتيح الشاشة في جيبها وحدها.

ولأن الشركة التي أطلقت النموذج هي ByteDance — المالكة لـ"تيك توك" — شركة صينية عملاقة في زمن باتت فيه الخرائط التقنية تُقرأ سياسيًا كما تُقرأ جغرافيًا، فإن المشهد يكتسب طبقة إضافية من المعنى. في سباق صيني–أمريكي محتدم على الذكاء الاصطناعي، تبدو الصورة السينمائية نفسها وكأنها دخلت حلبة المنافسة. ليست المسألة أن النموذج أقوى من غيره فحسب، بل أنه أقرب إلى الاحترافية، وأكثر إتاحة، وأقل خضوعًا للقيود المعقدة التي أحاطت بها شركات عالمية أدواتها الخاصة. فجأة، لم تعد الصورة تمر عبر بوابة واحدة، وحين تتعدد البوابات… لا تبقى الممالك مطمئنة.

ؤ

المشهد الثالث

ليل داخلي — غرفة اجتماعات في لوس أنجلوس

في لوس أنجلوس، تحت أضواء بيضاء باردة لا تعرف المجاملة، يجلس ممثلون ومنتجون ومحامون حول طاولة اجتماعات كبيرة، والقلق يتسلل إلى الكلمات قبل أن تولد كاملة. تُذكر حقوق الملكية الفكرية، تُستدعى القوانين والإتفاقات، تُرفع شعارات حماية لقمة عيش الفنانين، وتتصاعد الصرخات النقابية كما لو أنها جدار صوتي يحاول إيقاف موجة رقمية لا تُرى ولا تُمس. لا أحد ينكر أن هناك أسئلة أخلاقية حقيقية: من يملك صورة الممثل؟ هل يجوز توليد نسخة رقمية منه دون موافقته؟ وماذا عن مئات العاملين في سلاسل الإنتاج التقليدية الذين قد يجدون أنفسهم فجأة خارج المشهد؟

لكن خلف هذا القلق المشروع يختبئ سؤال أقل راحة: ماذا لو لم تعد الصورة السينمائية بحاجة إلى المرور عبرنا؟ الاستوديو المرتبك لا يخاف من التكنولوجيا لأنها جديدة؛ يخاف منها لأنها لا تطلب تصريحًا بالدخول. الصناعة التي طالما تغنّت بقدرتها على ابتكار المؤثرات البصرية الساحرة تجد نفسها اليوم في موقع دفاعي، تتحدث عن القوانين ضد المستقبل كما لو أن نصًا تشريعيًا قادر على إعادة عقارب الساعة إلى زمن كانت فيه الصورة تحتاج إلى جيش من التقنيين كي تولد. بدل أن يُسأل كيف يمكن استخدام النموذج لتوسيع الخيال، يُطرح السؤال المعاكس: كيف يمكن الحد منه؟ كيف يمكن إبطاءه؟ وكيف يمكن — إن أمكن — إعادته إلى حجمه "المناسب"؟ المشكلة أن المستقبل لا يقرأ اللوائح قبل أن يتقدم خطوة أخرى.

المشهد الرابع

مونتاج متوازٍ — شقة صغيرة ومبنى زجاجي

في شقة صغيرة بالقاهرة، يجلس شاب مولع بالسينما أمام شاشة متواضعة، يكتب وصفًا لمشهد طالما حلم بتصويره ولم يجد له ميزانية: سوق قاهري شعبي، أجواء مسائية شتوية قاتمة، عراك بالأيدي بين كيانو ريفز وتوم كروز، عربات بائعين تتحطم على الهامش، ومارة يتوقفون في دهشة لا تعرف إن كانت حقيقية أم تمثيل. بعد دقائق، يشاهد نسخة أولى من حلمه تتحرك أمامه؛ تجريبية، غير كاملة، نعم، لكنها كافية لتجعل الفكرة أقل تجريدًا وأكثر اقترابًا من الواقع، كما لو أن الخيال قرر فجأة أن يتوقف عن الانتظار.

في الوقت نفسه، داخل مبنى زجاجي ضخم، تصدر نقابة الممثلين الأمريكية بيانًا يهاجم شركة ByteDance الصينية، ويصف فيديو براد بيت وتوم كروز بأنه انتهاك صارخ وغير مقبول، يقوض قدرة المواهب البشرية على كسب رزقها، ويتجاهل القانون والأخلاق ومعايير الصناعة — قائمة طويلة من الاتهامات تُلقى في وجه شاشة يجلس خلفها هواة. المشهدان لا يلتقيان، لكنهما يكشفان مسارين متوازيين: أحدهما يرى في Seedance 2.0 أداة اختبار، والآخر يراه تهديدًا لهيكل طالما اعتُبر بديهيًا.

سقوط احتكار الصورة لا يعني أن الأفلام الضخمة ستختفي، ولا أن الاستوديوهات ستغلق أبوابها. لكنه يعني أن مرحلة ما قبل الإنتاج — تلك المنطقة الغامضة بين الفكرة والتنفيذ — لم تعد حكرًا على من يملك أحدث الكاميرات والمعدات. وإذا تغيرت نقطة البداية، فإن الطريق بأكمله يعاد رسمه. الذكاء الاصطناعي لا يلغي المخرج، لكنه يحرره من بعض القيود التي بدت طويلًا جزءًا من طبيعة الأشياء. وهنا، يصبح السؤال أخلاقيًا بقدر ما هو اقتصادي: هل الدفاع عن الفن يمر عبر حماية البنية الاحتكارية، أم عبر توسيع إمكانات الخيال؟

 سيناريو سقوط احتكار هوليوود للصورة السينمائية... ما بعد نموذج Seedance 2.0
سيناريو سقوط احتكار هوليوود للصورة السينمائية... ما بعد نموذج Seedance 2.0

المشهد الخامس

اللحظة الجيوسياسية — خريطة بلا حدود واضحة

في عالم تتقاطع فيه التكنولوجيا مع السياسة، لا يمكن فصل Seedance 2.0 عن سياقه الأوسع. شركة صينية تطلق نموذجًا قادرًا على إنتاج صورة تبدو أمريكية بامتياز، في لحظة تتصارع فيها واشنطن وبكين على شرعية الريادة في الذكاء الاصطناعي. الصورة هنا ليست مجرد لقطة جديدة؛ إنها إشارة إلى مركز ثقل يتزحزح ببطء، من دون ضجيج احتفالي. حين تصبح الأداة متاحة على نطاق واسع، يتراجع مفهوم "المركز"، ويغدو الخيال أقل ارتباطًا بالمكان وأكثر تحررًا من الجغرافيا.

هوليوود، التي بنت أسطورتها على كونها مصنع الأحلام العالمي، تجد نفسها أمام حقيقة غير مريحة: الحلم يمكن أن يُصنع خارج أسوارها. ليس لأن أحدًا أعلن نهاية السينما، بل لأن أحدًا لم يعد بحاجة إلى إذن كي يختبر مشهدًا أوليًا يبدو قابلاً للحياة. في تلك المساحة الرمادية بين الإبداع والسيطرة، يتشكل عصر جديد، لا يتحدى السينما بقدر ما يزعزع احتكارها، ويتركها أمام سؤال لم تعتد طرحه على نفسها.

 سيناريو سقوط احتكار هوليوود للصورة السينمائية... ما بعد نموذج Seedance 2.0
سيناريو سقوط احتكار هوليوود للصورة السينمائية... ما بعد نموذج Seedance 2.0

المشهد الختامي

فجر داخلي — شاشة مضيئة في غرفة معتمة

بعد أعوام قليلة — بالكاد ما يكفي لنسيان بيانات الغضب الأولى — عُرض فيلم ختامي ملحمي في مهرجان دولي مزدحم بالابتسامات المدروسة. مشهد النهاية لمدينة رقمية تحت المطرٍ، كاميرا تنخفض ببطء على وجهٍ بطل لم يولد في كواليس تقليدية، ومع ذلك بدا مألوفًا، كأنه كان ينتظر دوره منذ زمن. لم يُكتب على الملصق إن كان الفيلم "مصنوعًا بالذكاء الاصطناعي" أو "بمساعدة الذكاء الاصطناعي". لم يعد أحد يطلب هذه الهوية الفرعية، كما لم يعد أحد يسأل عن نوع الكاميرا.

على السجادة الحمراء وقف مخرج شاب، وبجواره فريق صغير، وتحدثوا عن القصة كما لو أن الأداة مجرد تفصيل تقني لا يستحق البيان. الجمهور ضحك حين ينبغي الضحك، وصمت حين ينبغي الصمت، وبكى في موضعه المعتاد. لم تكن هناك ثورة، ولا انهيار. كان عرضًا أولًا لفيلم… وحسب.
في نهاية الحفل، مرّ خبرٌ قصير على الشريط الإخباري أسفل الشاشة: فوز فريق تصميم Seedance 5.0 بجائزة أوسكار لأفضل نموذج ذكاء اصطناعي ساهم في تطوير صناعة السينما. لم يُصفّق أحد طويلًا، ولم يحتج أحد. صعد ممثل عن الفريق، شكر الأكاديمية، وتحدث عن "التعاون بين الإنسان والآلة"، ثم اختفى في خلفية الصورة.

في تلك الليلة، لم يسأل أحد من يملك الصورة. كان السؤال قد تغيّر بهدوء: من يعرف كيف يرويها. أما الاحتكار، فقد خرج من القاعة من الباب الجانبي، بلا حراسة، كما تخرج موضة قديمة حين يتفق الجميع بصمت على أنها لم تعد ضرورية.
الفيلم لم ينتهِ.

لكنه لم يعد يحتاج إلى إذنٍ كي يبدأ.

تتر النهاية

المشاهد الواردة في هذا المقال مستلهمة من وقائع حدثت بالفعل، مع بعض التصرف السردي. الفيديوهات والصور المصاحبة صُنعت باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.