كيف تتغلبين على الشك الداخلي وتدركين قيمتكِ الحقيقية؟
قد يظن المرء أن من يبذل جهدًا يوميًا في الترويج لنفسه، وعرض خدماته على عملاء جدد، وبناء سمعة ممتازة، والسفر حول العالم، وكتابة محتوى عن تقدير الذات، سيكون لديه فهم جيد لقيمته، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، حيث يصعب على الكثيرين منا تقدير ذاته ومعرفة قدراته الحقيقية الكامنة داخله.
وغالبًا ما نخوض صراعًا داخليًا مع صوتٍ خفيّ في رؤوسنا يُزعزع ثقتنا بأنفسنا ويُزيد من شكوكنا؛ مثل ماذا لو أخطأت؟ هل ستُعرّض نفسك للسخرية؟ ماذا سيقول الناس؟ هل أنت لستَ ذكيًا بما فيه الكفاية، أو موهوبًا بما فيه الكفاية، أو كفؤًا بما فيه الكفاية، أو خبيرًا بما فيه الكفاية؟
كيف تتغلبين على الشك الداخلي

الشك في الذات جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية، وهذا أمر طبيعي، ولا نحتاج إلى البحث مطولًا لنرى أن قلة الشك في الذات قد تكون خطيرة للغاية. ولكن إذا تُركت دون رادع، فإن الخوف الذي يُغذي شكوكنا قد يدفعنا إلى الحذر المفرط ويمنعنا من اتخاذ الخطوات التي من شأنها أن تُفيدنا وتُفيد الآخرين، ونحن بالفعل نرى الكثير من الأشخاص الأكفاء والموهوبين (وخاصة النساء) يُقلّلون من شأن أنفسهم لأنهم يخشون عدم امتلاكهم ما يلزم للنجاح، وينتصر الشك وتتوقف الأفعال.
أظن أن الشك الذاتي كان عاملاً رئيسياً (ومفهوماً) وراء تردد العديد من النساء والرجال الذين كشفوا في الأشهر الأخيرة عن مرتكبي التحرش والاعتداء الجنسي في القيام بذلك سابقاً، ولقد شككوا في أن يُسمع صوتهم، وفي أن يُؤخذ كلامهم على محمل الجد. بل ربما شكك بعضهم في مسؤوليتهم عن ذلك، وللشك الذاتي دور كبير في ذلك.
ومع أننا جميعاً لسنا بمنأى عن الشك الذاتي (باستثناء بعض النرجسيين)، إلا أننا جميعاً نمتلك القدرة على منعه من توجيه قراراتنا، وإدامة صمتنا، وتشكيل حياتنا، فكيف نتخلص من الشك؟ لا نتخلص منه، بل نتعلم كيف نستعيد السيطرة التي كان يمتلكها علينا، وإليكم طرق لتحقيق ذلك:
تقبّلي الشك كجزء من طبيعتك البشرية

بينما تفكري في الأمور التي ترغبي بشدة في تحقيقها أو تغييرها في حياتك الآن، اعلمي أن الشك في نفسك موجود ليحميك من الإحراج الناتج عن الفشل الذريع، لذا اتبعِ نصيحة الدكتورة كريستين نيف، خبيرة التعاطف مع الذات، قائلةً: "لا تلوم نفسك على لومها لنفسك". من الأفضل بكثير من لوم صوتك الداخلي الناقد أن تصادقه؛ وأن تُقرّ بأنه يحاول فقط حمايتك وتجنيبك الإحراج.
حيث إن تقبّل الشك في النفس كجزء أصيل من التجربة الإنسانية أمر بالغ الأهمية لاستعادة السيطرة التي كان يمتلكها عليك، وتذكري أنتِ إنسانة. سترتكبين أخطاء، وستشكين في نفسك، ولكن المهم هو ما تفعليه بعد ذلك.
لا تشكِ في شكوكك

إنّ الشكوك الذاتية ليست سوى مخاوفك التي تجلّت لحمايتك من الخسارة، ولكن المفارقة، كما قال شكسبير، هي أن الشكّ غالبًا ما يجعلك تخسر ما كان بإمكانك كسبه بخوفك من المحاولة، وشكوكك ليست الحقيقة، بل هي قصصٌ تغذيها المخاوف، وتُنسجيها حول هويتك، وقيمتك، وقدراتك.
واجهي صوتك الناقد

كثيرًا ما نسمع شكوكنا تُنقل إلينا عبر صوت "ناقدنا الداخلي"، أنتِ تعرفيه جيدًا، حيث إنه يُشير باستمرار إلى عيوبك، ويُشكك في قيمتك (وهو السبب الرئيسي لمتلازمة المُحتال)، ويحثك على توخي الحذر، ومع أنكِ لا تستطيعين إسكاته نهائيًا، إلا أنه بإمكانك تخفيف حدته بتسميته، وسيساعدك هذا على التمييز بين حقيقتك وبين الخوف والشك اللذين تشعر بهما، فقط فكّري في اسم يُعبّر بدقة عن ذلك الجزء الخائف منكِ الذي يُريدك أن تعيشي حياةً محدودةً وأن تبقي في منطقة الراحة، وقد ترغبي حتى في كتابة رسالة قصيرة إليه لتُخبريه أنكِ لن تدعيه يُسيطر عليك بعد الآن.
اجعلي مهمتك أكبر من خوفك

لماذا تُكلّفي نفسك عناء الكلام وتُخاطر بإثارة المشاكل أو الرفض؟ لماذا تُعرّضي سمعتك للخطر؟ لماذا تُغامر بتحقيق حلمك؟ فقط عندما تتضح لكِ غايتك الكبرى، ستجدين الشجاعة اللازمة لتجاوز شكوكك ومواجهة احتمال الفشل، وعليك أن تجدين إجابة واضحة ومقنعة لسؤال: "ما الذي يدفعني لأكون شجاعًا؟" وسيساعدك هذا على فهم سبب وجوب اتخاذك إجراءً رغم شكوكك، مدركًا أن السماح لها بالتغلب عليك سيُعرّضك لخطر أكبر، وهو أن تنظر إلى الوراء يومًا ما وتتساءل: "ماذا لو حاولت؟" إن ترك الشك يُسيطر عليك هو وصفة أكيدة للندم والاستياء.
كوّني مجتمعًا من المؤمنين

أنت تُشكّل جماعتك، وجماعتك تُشكّلك. ففي نهاية المطاف، إتقان الحياة ليس مسعىً فرديًا، وعندما تُحيط نفسك بأشخاص يُظهرون أفضل ما فيك ويُشجعون تفكيرك، يُمكنك أن تُنجز أكثر، وتكون أكثر، وتُعطي أكثر مما كنت تستطيع في أي وقت مضى.
والأشخاص الذين تُصاحبهم إما أن يُغذّوا شكوكك الذاتية أو يُعزّزوا ثقتك بنفسك، لذا، إذا كنت مُستعدًا لإحداث تغيير أو اغتنام فرصة، فتأكد من أن تُحيط نفسك بأشخاص يُساعدونك على الاستمرار في العمل رغم شكوكك. تجنّب أولئك الذين لا يفعلون ذلك.
التحلي بالشجاعة

لا توجد وصفة سحرية واحدة للتغلب على الشك الذاتي وبناء الثقة بالنفس. نبني الثقة تدريجيًا؛ من خلال التحلي بالشجاعة لاتخاذ الإجراءات رغم مخاوفنا، وإحدى الطرق التي نتبعها هي تطبيق بحث بي جيه فوج في جامعة ستانفورد، الذي وجد أن تقليص السلوكيات الكبيرة إلى أفعال أصغر يُمكن أن يُحدث تحولات جذرية تدوم. فكّر في الشجاعة كعضلة، فكلما استخدمتها أكثر، ازددت شجاعة. لكن عليك أن تكون مستعداً لتدريب الشجاعة يومياً.