رؤية نقدية ـ "مش أنا".. فيلم "تامر حسني" الذي يُقدم كل شيء ولا يقول أي شيء!

تُقدم بعض أفلام السينما الهندية التُجارية توليفة درامية أصبحت جزء من ملامح صناعة السينما في بوليوود؛ تتضمن الميلودراما الحزينة والكوميديا والغناء والرقص والأكشن والجمل الحوارية التي تُطلق الحكم والمواعظ بمُباشرة، وتفعل كل ما يضمن جذب أكبر قدر من الجمهور، وتجتهد هذه الأفلام في تقديم هذه التركيبة المُتنافرة بجودة وإتقان، وتعتمد على أن الجمهور يهضم كل شىء وأى شىء، ويبدو أن تامر حسني تأثر بهذه المدرسة وهو يكتب قصة وسيناريو وحوار فيلمه الأخير "مش أنا".

فقر وبطالة وميلودراما!

يُقدم "تامر حسني" في الفيلم دور "حسن" وهو شاب رسام، يرعى أمه المريضة "سوسن بدر"، لكنه يُعاني من الفقر والبطالة، ومن هذا المُنطلق الميلودرامي ينسج الفيلم حكاية حزينة لا تلبث أن تنحرف عن مسارها حينما يستيقط ذات يوم ويده اليسرى تتحرك بعشوائية، وكأن عقل شخص آخر يتحكم فيها؛ ويسبب هذا الكثير من المشاكل له، فاليد تخرج عن السيطرة، وتهاجم أى شخص بمُبرر وبلا مًبرر، ويتم تقديم هذا المرض الغريب بصورة أقرب للكوميديا والتهريج، بغرض إضحاك الجمهور، ولاحقاً يُحاول الفيلم إستدرار عطف المُشاهد وهو يؤكد أن ما يُعاني منه البطل مرض حقيقي ونادر، وعدد المُصابين به حول العالم قليل للغاية.

الفيلم الذي حاول أن يُقدم كوميديا سوداء تحول إلى كوميديا بألوان الطيف؛ فهى سوداء أحياناً، ووردية ناعمة في مشاهد وقوع البطل في غرام فتاة "حلا شيحة"، وفاقعة للغاية حينما تصفع يد البطل صديقه "ماجد الكدواني" أو رئيسه في العمل، أو تتحرش بالبنات.

قدمت السينما حول العالم هذا المرض النادر الذي يُدعى "متلازمة اليد الغريبة" في عدد محدود من الأفلام؛ ربما أبرزها دور الجنرال الذي قدمه "بيتر سيلرز" في فيلم بعنوان Dr. Strangelove "دكتور سترينجلوف" عام 1964، وفيلم أمريكي تسعينياتي مغمور بعنوان Idle Hands "الأيدي العاطلة"، وهو عن شاب تتحكم بيده اليُمنى روح مجرم ميت، وتدفعه إلى تصرفات إجرامية تتناقض مع طبيعته.

سيناريو بتوابل هندية

السينما الهندية تناولت المرض نفسه في أكثر من مُعالجة؛ أذكر منها فيلم بعنوان Sankashta Kara Ganapathi ، وهو فيلم عن رسام شاب فقير، واقع في غرام زميلته في العمل، لكنه مُصاب بمتلازمة اليد الغريبة؛ وهذا يُسبب له كثير من الأزمات والمشاكل، وتهجره حبيبته، لكنه يُقاوم مرضه ويتحداه ليستعيد حياته وحبه، ويمزج الفيلم بين الكوميديا والميلودراما والأغاني والرقص وكل مُشهيات التسلية، وهذا تقريباً ما يُقدمه فيلم "تامر حسني" الذي لا نعرف هل اقتبس مضمون وتفاصيل الفيلم الهندي؟ أم يده التي قامت بكتابة الفيلم رغماً عنه؟!

يُعاني سيناريو الفيلم من كثير من العيوب؛ لعل أبرزها هو أنه لا يقدم دراما تتفاعل وتتطور بشكل جذاب؛ بل يُلقي على الشاشة بأحداث مُتتابعة تفتقد روح الدراما والمنطق؛ فالبطل يتقدم لطلب يد حبيبته من والدتها "شيرين"، لكنها ترفضه بعد إعترافه لها بمرضه الغريب؛ خوفاً على إبنتها، وبعد عدة مشاهد توافق الأم دون دافع درامي قوي يبرر تراجعها عن موقفها، وحتى قصة الحب القوية بين البطل والبطلة لم تُقدم على الشاشة بتفاصيل تُبرر وقوع فتاة في غرام شاب يُعاني مرض قد يُهدد حياتها لو قررت يده قتلها مثلاً، وفي بداية الأحداث تحرش بها، ولم يبذل السيناريو مجهود كافي لإقناعها بأن الأمر كان بسبب يده المريضة، وهو أمر كان يحتاج لحبكة إتقاناً من السهولة التي تم بها الأمر على الشاشة.

كلاشيهات الأداء ومواعظ الحوار!

من أسوأ عناصر الفيلم بعد أداء "حلا شيحة" الفاتر هو الحوار، وهو يتنوع بين الجمل الإنشائية النمطية التي يتبادلها الإبن وأمه للتعبير عن حالة الابن البار المسكين والأم الحنون المسكينة، والجمل العاطفية النمطية التي يتبادلها البطل والبطلة، بالإضافة إلى كم يصيب المتفرج بتخمة من جمل الحكم والمواعظ التي لا يُمكن أن تجدها إلا كبوستات رديئة على بعض صفحات فيسبوك.

ساهم إخراج "سارة وفيق" بدور كبير في الشكل المتواضع للفيلم، وفي الأداء التمثيلي المتواضع لجميع الممثلين؛ وأول ملاحظات هذا الأداء هو أن أبطال العمل يُمثلون أدوارهم بلا تفاعل مع شخصياتهم، وإنفعالات الممثل في كل مشهد غير مُترابطة، ولا يُحافظ الممثل على حالة واحدة في نفس المشهد؛ حتى "ماجد الكدواني" قدم دور صديق البطل الطيب بشكل نمطي وضعيف مُقارنة بأدواره السابقة التي قدم فيها نفس الدور، وأيضاً "سوسن بدر"، وهى مُمثلة جيدة، لكن أداءها كان مُصطنعاً في بعض المشاهد التي تُجسد فيها معاناتها مع المرض، كما لجأ تامر حسني" إلى كلاشيهات الأداء الميلودرامي المُفتعل حتى ظننته يقدم أداء ساخر من الأداء المبالغ فيه في بعض الأفلام الميلودرامية المتواضعة، ولكنه للأسف كان جاداً، وظهرت "حلا شيحا" بشكل سىء للغاية وكانت تردد الحوار الرديء أساساً بتعبيرات فاترة للغاية.

"مش أنا".. فيلم "تامر حسني" الذي يُقدم كل شيء ولا يقول أي شيء!

إذا كنت من المعجبين بالمطرب النجم "تامر حسني" فغالباً ستبتلع له الزلط الدرامي الذي قدمه في فيلم "مش أنا"، ولكن لو إستبعدنا شُهرة الإسم وكل البروباجاندا المُصاحبة للفيلم، وأخبار الإيرادات الخُرافية التي يدعي صُناع العمل تحقيقها؛ فسنجد أننا أمام فيلم شديد التواضع، حاول أن يكون مُضحكاً وحزيناً، وجاداً وهزلياً، ورومانسياً ومُتحرشاً، وغنائياً ووعظياً، وقدم عدد كبير من ضيوف الشرف لمنح الفيلم زخم وحضور لعدد كبير من النجوم، ولكن تلك التركيبة فسدت، وصار الفيلم مثل يد البطل اليُسرى في الفيلم؛ يريد هو أن يفعل شىء جيد، ولكن يده العابثة تفعل شىء أخر.