تيا ديب

خاص "هي": تيا ديب بين إرث الأم واستقلالية الإبداع.. رحلة ابنة نوال الزغبي في عالم الموضة

22 مارس 2026

في حياة بعض الأمهات، يتحول الإرث إلى شغف يزرع بصمت في قلب الابنة. هكذا تبدو العلاقة بين نوال الزغبي وتيا ديب: أكثر من أمومة، إنها مساحة إلهام ونمو تحت الضوء، لا للوقوف في ظله، بل لصناعة نور خاص.

كبرت تيا بين المسارح والكواليس، تراقب كيف تتحول الإطلالة إلى هُوية، وكيف يصبح الزي امتدادا للشخصية. ومن هناك، ولد شغفها بالموضة بلغة تعبير شخصية. في عدد مارس، شهر الاحتفاء بالأم، نقترب من تيا لا بصفتها ابنة نجمة فحسب، بل بصفتها مصممة اختارت أن تبني اسمها باستقلالية، وأن تعكس في تصاميمها صورة المرأة القوية والواثقة بذاتها. في هذا اللقاء، تتحدث تيا عن علاقتها بوالدتها، عن التأثير الذي شكل بداياتها، وعن المسافة الواعية التي صنعت فيها شخصيتها المهنية الخاصة.

تيا ديب

يعرف الجمهور نوال الزغبي نجمة، كيف تصفينها أمّا؟

بالنسبة إلى الجمهور، نوال هي أيقونة، أما بالنسبة إلي فهي القوة في أكثر صورها إنسانية. فبصفتها أمّا، هي حاضرة، وحامية، وصاحبة شخصية صلبة ومحبة في الوقت نفسه. علمتني أن النجاح لا قيمة له إذا فقد الإنسان مبادئه في الطريق. بعيدا عن الأضواء، هي ببساطة "ماما" داعمة، وقريبة، وتفهم احتياجات أبنائها بوعي عاطفي عميق.

هل كانت داعمة لقرارك دخول عالم الموضة منذ البداية، أم احتاج الأمر إلى نقاشات وطمأنة؟

كانت داعمة، لكنها أرادت أن تتأكد أنني مقتنعة تماما بخياري. بحكم تجربتها، تدرك جيدا ثقل الحياة العامة وصعوبة المجالات الإبداعية. كانت هناك نقاشات، ليس بدافع الشك، بل بدافع الحرص. وعندما رأت جديتي ورؤيتي طويلة المدى، أصبح دعمها ثابتا ومن دون تردد.

ما أهم نصيحة مهنية قدمتها لك والدتك ولا تزال "ترن" في ذهنك؟

كانت تقول لي دائما: "اسمك مسؤولية". هذه العبارة رافقتني. علمتني أن السمعة تبنى ببطء وتحمى بعناية. الموهبة تفتح الأبواب، لكن الانضباط، والاستمرارية، والتواضع هي التي تبقيها مفتوحة.

ارتداؤك تصاميم والدتك في مناسبات عدة شكّل لحظة خاصة. كيف عشت هذا الدعم؟

ارتداء تصاميمها لم يكن مجرد خيار أزياء، بل كان رمزا للثقة والترابط بيننا. شعرت كأنها حوار صامت بين جيلين من امرأتين مبدعتين تدعمان بعضهما من خلال الفن. كانت لحظة عاطفية، مليئة بالقوة والمعنى الشخصي العميق.

تيا ديب

هل تشاركينها تفاصيل مجموعاتك قبل إطلاقها؟ وما الدور الذي تلعبه ملاحظاتها في قراراتك النهائية؟

نعم، أقدّر رأيها كثيرا. لديها حدس نابع من سنوات طويلة من الخبرة أمام الجمهور. على الرغم من أنني أتخذ قراراتي النهائية بنفسي، إلا أن ملاحظاتها غالبا ما تمنحني وضوحا إضافيا، خصوصا فيما يتعلق بالحضور، والتأثير، وانطباع الجمهور. أراه توازنا بين احترام الخبرة والحفاظ على صوتي الإبداعي المستقل.

كيف أثر نجاح والدتك واستقلاليتها كامرأة في نظرتك للحياة والعمل؟

مشاهدتي لها وهي تدير نجاحها بثبات وصمود شكلت فهمي للانضباط والمسؤولية. علمتني أن الاستقلال لا يقتصر على الجانب المادي، بل هو قوة عاطفية، وقدرة على اتخاذ القرار، واحترام للذات. رحلتها أثبتت لي أن الاستمرارية تأتي من الثبات الداخلي والالتزام، لا من ملاحقة "الترند" أو السعي وراء القبول.

إذا طلب منك تلخيص علاقتك بوالدتك بثلاث كلمات بعيدا عن العاطفية، فماذا تختارين؟

احترام وقوة وانسجام.

كلمة من القلب لوالدتك بمناسبة عيد الأم.

شكرا لأنك كنت قوتي وحناني في آن معا. لأنك علمتني الصمود من دون أن أفقد لطفي. ولأنك منحتني الحرية لأكون نفسي، وأنا أعلم دائما أنك خلفي.

تيا ديب

شغف الموضة والبداية المهنية المستقلة

شغفك بالموضة بدأ في سن مبكرة. متى اتخذت القرار الحاسم لتحويل هذا الشغف إلى مشروع مهني مستقل؟

الموضة كانت دائما فطرية بالنسبة إلي، لم تكن مجرد هواية، بل لغة أتحدثها بطبيعتي. اللحظة الحاسمة جاءت عندما أدركت أن الإبداع تحت رؤية شخص آخر لن يعكسني بالكامل. أردت ملكية كاملة لأفكاري، لهُويتي الجمالية، ولرسالتي. هذا الوضوح هو ما دفعني لتحويل الشغف إلى مشروع مستقل ومنظم، وليس مجرد اهتمام إبداعي.

درست الموضة في الخارج وعدت إلى لبنان لإطلاق علامتك الخاصة. ما اللحظة التي شعرت فيها بأنك جاهزة فعلا لفعل ذلك؟

الجاهزية لم تكن شعورا بعدم الخوف، بل شعورا بالانسجام. الدراسة في الخارج منحتني الانضباط التقني، والانفتاح، والرؤية الواسعة، لكن العودة إلى لبنان منحت عملي معنى. شعرت بأنني جاهزة عندما أدركت أن جذوري وبيئتي وقصتي الشخصية هي عناصر أساسية في هُوية علامتي. عندها أصبح القرار ضرورة وليس مجرد مغامرة.

في عالم يربطك تلقائيا باسم عائلتك، كيف عملت على بناء هُوية مستقلة تحمل توقيع Tia Dib؟

اخترت أن يتحدث عملي قبل اسمي. ركزت على بناء هُوية بصرية قوية، و"سيليويتات" واضحة، ولغة جمالية ثابتة. مع الوقت، أصبح اسم "Tia Dib" مرتبطا بالقوة، والبنية، والثقة، وليس فقط بالانتماء العائلي. بناء هذا التميز تطلّب انضباطا، واستمرارية، وشجاعة للتميز إبداعيا حتى في ظل المقارنات.

تيا ديب

فلسفة التصميم والتمكين

توصف تصاميمك بأنها جريئة وتعكس امرأة واثقة. هل هذا انعكاس لشخصيتك أم رسالة مقصودة للمرأة المعاصرة؟

الاثنان معا. تصاميمي تعكس شخصيتي بطبيعتها، مباشرة، وقوية، وغير اعتذارية، لكنها أيضا رسالة واعية. أنا أصمم لامرأة تريد أن تشعر بالقوة من دون الحاجة للتبرير. الثقة لا يجب أن تكون صاخبة، بل يجب أن تشعر بها. قطعي مصممة لتدعم هذه القوة الداخلية، لا لتغطي عليها.

كيف توازنين بين الذوق الفني والجانب التجاري في تصاميمك؟

لا أرى أي تناقض بين الفن والتجارة. الفن يمنح العلامة روحها، والبنية تجعلها مستدامة. أصمم بوعي وجمالية قوية مدروسة مع قابلية للارتداء، ووظيفة واضحة، وفهم للسوق. القطعة يجب أن تكون معبرة، وفي الوقت نفسه قادرة على العيش في واقع المرأة اليومي. هذا التوازن هو ما يحافظ على أصالة العلامة واستمراريتها.

ماذا يعني لك مفهوم تمكين المرأة من خلال الموضة؟

تمكين المرأة بالنسبة إلي هو خيار وحضور. الموضة يجب ألا ترتدي المرأة، بل المرأة هي من ترتدي الموضة. التمكين هو خلق قطع تجعل المرأة تشعر بأنها مرئية، وقوية، ومتحكمة بالطريقة التي تقدم بها نفسها للعالم. إذا ارتدت امرأة أحد تصاميمي وشعرت بأنها أقرب إلى قوتها الحقيقية، فقد تحققت الرسالة.

التحديات والمقاربة النسائية في المجال الإبداعي

ما أصعب تحدٍّ واجهتِه في بداية إطلاق علامتك: نظرة الناس، أم المنافسة، أم ضغط إثبات الذات؟

ضغط إثبات الذات كان الأصعب. في البدايات، يتم تقييمك باستمرار بالتوقعات، والمقارنات، والافتراضات. تعلمت سريعا أن الاستمرارية والصمود أهم من البحث عن القبول. عندما توقفت عن محاولة إثبات نفسي، وركزت على بناء عمل متين، بدأت النتائج تتبعني بشكل طبيعي.

برأيك، هل ما زالت المرأة مضطرة لإثبات نفسها أكثر من الرجل في المجالات الإبداعية؟

في كثير من الحالات، نعم، لكن السردية تتغير تدريجيا. غالبا ما يتوقع من المرأة أن تبرر سلطتها أو إبداعها بشكل أكبر. لكنني أؤمن بأن الكفاءة في النهاية تتفوق على أي تحيز. المهم هو ألا تستبطن المرأة هذا الضغط، بل تركز على التميز في عملها. المصداقية الحقيقية تبنى بالعمل والنتائج، لا بالمقارنة.

تمثلين جيلا جديدا من النساء في عالم الموضة. ما الفرق الجوهري بين جيلك وجيل والدتك؟

أعتقد أن جيل والدتي كان عليه أن يناضل ليحجز مكانه، أما جيلنا، فيتعلم كيف يعرف هذا المكان بنفسه. هن كسرن الحواجز وأثبتن أن المرأة قادرة على القيادة والإبداع وفرض حضورها في مختلف المجالات. نحن نبني على هذه الأسس، لكننا نركز أكثر على الفردية، والأصالة، وإعادة تعريف النجاح وفق معاييرنا الخاصة. لم يعد الأمر طلب إذن، بل امتلاك هُوية واضحة وصوت مستقل.

ما الرسالة التي توجهينها لكل شابة تحمل اسما معروفا وتحاول إثبات نفسها باستقلالية؟

قد يفتح الاسم بابا، لكن العمل هو ما يبقيك في الغرفة. لا تحاربي خلفيتك، بل ابني هُويتك فوقها. ركزي على الجوهر، والانضباط، والاستمرارية. مع الوقت، سيعرفك جهدك أكثر من أي إرث.

الأمومة والدعم العاطفي

يتزامن هذا العدد مع عيد الأم. ماذا تعني لك هذه المناسبة اليوم وأنت تبنين هُويتك المهنية؟

عيد الأم أصبح يحمل معنى أعمق بالنسبة إلي اليوم أكثر من أي وقت مضى. وأنا أبني هُويتي المهنية، أصبحت أدرك بشكل أوضح حجم التضحيات والقوة والصمود العاطفي الذي تتطلبه الأمومة. لم تعد مجرد مناسبة احتفالية، بل لحظة امتنان وتأمل. تذكرني بأن الأساس الذي أقف عليه اليوم، على الصعيدين الشخصي والمهني، بني داخل البيت.

كيف يمكن للأم أن تكون مساحة أمان في حياة ابنتها؟

تصبح الأم مساحة أمان عندما تدعم من دون أن تسيطر، وتوجه من دون أن تفرض، وتستمع من دون أحكام. الحضور لا يعني التظليل. قوة الأمومة الحقيقية تكمن في منح الابنة المساحة لاكتشاف صوتها الخاص، حتى لو اختلف عن صوت والدتها. الدعم يجب أن يعزز الاستقلالية، لا أن يستبدلها.
 

صحافية ومسؤولة تحرير مكتب بيروت ومشرفة على قسم الأعراس.
Credits

    تصوير: نبيل اسماعيل