بوشرون تمنح الفنانة الإماراتية ميثاء عبدالله أول جائزة فنية ضمن MENART 2026 في باريس
اختارت دار بوشرون Boucheron الفنانة الإماراتية ميثاء عبدالله لتكون أول الحاصلات على جائزة "Coup de Coeur Boucheron"، التي أطلقتها الدار بالتعاون مع معرض MENART للفن الحديث والمعاصر في باريس. ويأتي هذا التكريم ضمن الدورة السابعة من المعرض، التي أقيمت بين 23 و25 أكتوبر 2026، تقديراً لأسلوب الفنانة وقدرتها على معالجة موضوعات الهوية والذاكرة والانتماء من خلال أعمال تجمع بين الواقع والخيال.
وتُعد الجائزة خطوة جديدة في الشراكة التي بدأت بين بوشرون والمعرض عام 2024، بهدف دعم الفنانات من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وإتاحة فرص أوسع لعرض أعمالهن أمام الجمهور الدولي. وقد تسلّمت ميثاء عبدالله الجائزة من هيلين بولي-دوكين، الرئيسة التنفيذية لدار بوشرون، خلال الكشف عن عملها الفني "احتضن أرضي" Hug My Land في 22 أكتوبر 2026.

بوشرون تحتفي بحرية التعبير الفني من خلال جائزة Coup de Coeur
لم يأتِ اختيار ميثاء عبدالله من فراغ، إذ وجدت دار بوشرون في تجربتها الفنية ما يتقاطع مع رؤيتها للإبداع، خصوصاً في ما يتعلق بالتحرر من القوالب التقليدية وإعادة قراءة التراث بأساليب معاصرة.
وأوضحت هيلين بولي-دوكين أن الهدف من إطلاق جائزة "Coup de Coeur Boucheron" هو تكريم الفنانات اللواتي يتمسكن بخياراتهن الإبداعية، ولا يترددن في تحدي الأفكار السائدة وتقديم وجهات نظر مختلفة. واعتبرت أن ميثاء عبدالله تجسّد هذه المبادئ من خلال أعمال ترتبط بتراث بلدها، لكنها تتناول في الوقت نفسه مشاعر وتجارب إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
أما لور دوتفيل، مؤسسة ومديرة معرض MENART، فرأت أن أعمال الفنانة الإماراتية تلتقي مع عالم بوشرون عند الاهتمام بالهوية ونقل الإرث الثقافي، إلى جانب الإيمان بأن التراث لا ينبغي أن يبقى محصوراً في الماضي، بل يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لأفكار جديدة.
معرض MENART 2026 يطرح سؤال الوطن والانتماء
منذ تأسيسه عام 2021 على يد لور دوتفيل، أصبح معرض MENART مساحة مخصصة للتعريف بالفن الحديث والمعاصر القادم من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويُقام المعرض سنوياً في باريس، بمشاركة صالات عرض وفنانين من المنطقة ومن المجتمعات العربية المقيمة خارجها.
ويولي المعرض اهتماماً خاصاً بالفنانات والمواهب الصاعدة، في محاولة لمنحهن حضوراً أوسع في المشهد الفني الدولي. وقد شكّلت دورة عام 2024 محطة مهمة في هذا التوجه، بعدما خُصصت لتجارب النساء الفنية، من أعمال الرائدات إلى إبداعات الجيل الجديد، وهي الدورة نفسها التي شهدت بداية التعاون مع دار بوشرون.
وفي نسخته لعام 2026، اختار MENART موضوع "أين هو الوطن؟" ليكون محور الأعمال والنقاشات الفنية. ويأتي هذا السؤال في وقت تشهد فيه مناطق مختلفة من العالم، ومنها الشرق الأوسط، تحولات سياسية واجتماعية ونزوحاً يفرض إعادة التفكير في معنى الوطن.
فهل يرتبط الوطن بالأرض التي وُلدنا عليها؟ أم بالذكريات والأشخاص والتجارب التي ترافقنا أينما ذهبنا؟ هذه التساؤلات حضرت في أعمال الفنانين المشاركين، ومن بينها منحوتة ميثاء عبدالله التي اختارت مقاربة الموضوع من خلال الجسد الإنساني.
ميثاء عبدالله: فنانة إماراتية تستكشف الهوية والذاكرة
وُلدت ميثاء عبدالله في الشارقة عام 1989، وهي فنانة متعددة التخصصات تعتمد في أعمالها على الرسم والنحت والأداء الفني، وتستلهم أفكارها من المسرح والحكايات الشعبية والأساطير.
وتتناول تجربتها الفنية العلاقة بين الفرد والمجتمع، وتأثير الذكريات والتقاليد في تكوين الهوية الشخصية.ولا تعتمد عبدالله على تصوير الواقع كما هو، بل تمزج بين عناصر مستمدة من الحياة اليومية ومشاهد متخيلة، لتترك مجالاً أمام المشاهد لتفسير العمل وفق تجربته الخاصة.
وتعمل الفنانة حالياً على مشروع جديد يتناول هويات النساء المسلمات في مناطق مختلفة من العالم، ومن المقرر إنجازه خلال عام 2027.
في عملها "احتضن أرضي"، تتناول ميثاء عبدالله العلاقة بالأرض من زاوية شخصية، مستندة إلى مشاعر الخوف والحماية والانتماء التي تبرز في أوقات الأزمات.
المنحوتة المصنوعة من البرونز، والتي يبلغ ارتفاعها نحو متر واحد، تُظهر شخصية نسائية جالسة في وضعية منكمشة، وقد أحاطت جسدها بذراعيها كما لو أنها تحاول حماية نفسها.

بدأت فكرة العمل من رغبة في احتضان الأرض والتشبث بها، خصوصاً في ظل التوترات الأخيرة التي شهدتها منطقة الخليج. لكن مع تطور الفكرة، تحوّل الاحتضان من حركة موجهة نحو الأرض إلى فعل يقوم به الجسد تجاه نفسه.
وتحضر في المنحوتة أيضاً رمزية الأمومة، بما تحمله من معاني الحماية والأمان والبدايات. إلا أن الشخصية النسائية لا تحتضن شخصاً آخر، بل تحتضن ذاتها، وكأنها تحاول العثور على الأمان داخلها.
وتلخّص ميثاء عبدالله فكرتها بالإشارة إلى العلاقة العميقة التي تربط الإنسان بالأرض، وما تمنحه له من إحساس بالانتماء، وما يبقى منها في داخله بعد الرحيل.
وبهذه المقاربة، تترك الفنانة سؤال "أين هو الوطن؟" مفتوحاً أمام المشاهد، وتقترح أن الشعور بالانتماء قد لا يرتبط دائماً بمكان نعود إليه، بل بما نحمله في ذاكرتنا ونحتفظ به من تجارب.
علاقة بوشرون بالفن المعاصر تتجاوز تصميم المجوهرات
ترتبط دار بوشرون بتاريخ طويل من التجارب الإبداعية التي لا تقتصر على صناعة المجوهرات الراقية. فمنذ تأسيسها، اعتمدت الدار مقاربة فنية تمنح التصميم مساحة للتجريب، وهو توجه تواصله اليوم المديرة الإبداعية كلير شوان Claire Choisne.
ويظهر ذلك بصورة خاصة في مجموعات Carte Blanche التي تكشف عنها الدار في شهر يوليو من كل عام، حيث تستخدم تقنيات ومواد غير مألوفة في عالم المجوهرات، وتعيد النظر في المفاهيم التقليدية للقيمة والجمال.
ويمتد اهتمام بوشرون بالفنون إلى مبادرات ثقافية خارج مشاغلها. فمنذ عام 2018، تتعاون الدار مع مؤسسة Yishu 8، التي تستضيف سنوياً ثلاثة فنانين ضمن برنامج إقامة فنية في Maison des Arts بالعاصمة الصينية بكين، بالقرب من المدينة المحرمة.
ويتيح البرنامج للمشاركين فرصة تطوير مشاريعهم في بيئة تشجع التبادل الثقافي والتجريب.
وتأتي جائزة "Coup de Coeur Boucheron" لتضيف مبادرة جديدة إلى هذا المسار، مع تركيز خاص على المبدعات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تكريم ميثاء عبدالله يفتح مساحة أوسع للفنانات العربيات
يحمل اختيار ميثاء عبدالله لأول نسخة من جائزة بوشرون أهمية تتجاوز التكريم الفردي، إذ يسلّط الضوء على حضور الفنانات العربيات في المعارض الدولية، وعلى تنوع التجارب الفنية التي تقدمها المنطقة.
كما يعكس التعاون بين بوشرون وMENART اهتماماً متزايداً بإقامة روابط بين دور المجوهرات الراقية والمؤسسات الفنية، بما يتيح للفنانين الوصول إلى جمهور جديد خارج المساحات التقليدية للعرض.
وبينما تواصل ميثاء عبدالله تطوير أعمالها حول الذاكرة والهوية والتجربة النسائية، يمنحها هذا التكريم فرصة إضافية لتقديم رؤيتها على الساحة الدولية.
أما منحوتة "احتضن أرضي"، فتظل مرتبطة بسؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه يحمل معاني مختلفة لكل إنسان: ما الذي يجعل مكاناً ما وطناً، وما الذي يبقى منه عندما نغادره؟