هافسانور نجمة أكتوبر من "هي": حكاية الألم والخوف والبحث عن الأمان
تحدثت بشفافية وشجاعة عن خوفها وتجاربها المؤلمة
هافسانور سانجاك توتان نجمة أكتوبر من "هي" في أول حوار وغلاف لها مع مطبوعة عربية:
أتمنى ألا يضطر أي طفل أو امرأة إلى تعلم القوة بالطريقة التي تعلمتها بعد تجربتي المؤلمة في طفولتي

أكثر ما يجعل المرأة جذابة أن تكون مدركة للنور الذي تحمله في داخلها
الحب أن يدخل أحدهم حياتي من دون أن أضطر إلى التخلي عن نفسي
أكثر ما يجذبني في الرجل أن يبقى ثابتا على مبادئه مهما تغيّرت الظروف
هناك نسخ أخرى من نفسي لم أتعرف إليها بعد
أصبحت أؤمن بجمال استمرار الحب أكثر من سحر البدايات
الإطلالة البسيطة قد تكون أقوى من أكثر الأزياء جرأة
أحب الأنوثة لكنني أحب أيضا أن تتخللها لمسة ذكورية أو تفصيل غير متوقع
الحب ليس مجرد تسارع نبضات القلب بل هو أيضا شعور بالسكينة والطمأنينة في الداخل
أنا أحزن كثيرا وأتألم وأنكسر ثم أجد بطريقة ما القوة لأرفع نفسي من جديد
أريد تجسيد امرأة قوية وغير تقليدية في عمل عربي-تركي مشترك
الوفاء مسألة شخصية وقيم نختارها كل يوم
بعض الأبواب تُفتح من جديد لكننا لم نعد نرغب في دخولها
هناك شخصية مشاكسة ومرحة أكثر مما ينبغي تختبئ خلف مظهري الجاد
كثيرا ما تكون أجمل لحظات حياتي تلك التي لا أملك حتى صورة لها
تعلمت مع الوقت أن أستند إلى كتفي أنا وعندما أقول إنني أكبر داعمة لنفسي فلا أقصد أنني وحيدة بل أنني تعلمت ألا أتخلى عن نفسي في منتصف الطريق

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
فستان من "نيكولا جبران" Nicolas Jebran
عندما كنت أتابع النجمة التركية "هافسانور سانجاك توتان" Hafsanur Sancaktutan عن بعد كانت تلفت نظري بجمالها وموهبتها وحضورها على الشاشة، من "الصيف الأخير" إلى "لو أحببت كثيرا" و"القلب الأسود"، وصولا إلى مسلسلها "قصر المرجان" الذي يُعرض حاليا. لكنني اكتشفت خلال جلسة تصوير هذا الغلاف، وهو أول غلاف وحوار لها مع مجلة عربية، أنني أمام شابة مختلفة عمّا قد توحي به أضواء الشهرة: نجمة ساحرة وآسرة بجمالها الطبيعي، شديدة اللطف والتواضع، عفوية في حديثها، قريبة من الجميع، ابتسامتها المشرقة تكاد لا تفارق شفتيها. كما اكتشفت أنها كانت تخفي خلف ملامحها الجميلة وعينيها المعبرتين، شخصية تجمع بين رقة المشاعر وقوة الإرادة، وبين روح طفولية مرحة ونضج لافت في نظرتها إلى الحياة. ولم تكن وحدها الكاميرا التي أحبت "هافسانور" في ذلك اليوم، فقد استطاعت، ببساطتها ودفئها واهتمامها بمن حولها، أن تكسب محبة وإعجاب كل من شارك في جلسة التصوير التي تألقت فيها بمجوهرات الدار الفرنسية العريقة "شوميه" Chaumet.. تعالوا نتعرف معا إلى هذه النجمة الشابة التي تجمع بين الجمال والموهبة، وبين الحب والخوف والأمل. الشابة التي تحدثت بشجاعة عن خوفها وتجاربها المؤلمة وتعرضها للتحرش والاستغلال في طفولتها.
"هافسانور" التي بدأت رحلتها الفنية في سن مبكرة، ووجدت نفسها سريعا أمام تحديات النجاح والشهرة وما يرافقهما من ضغوط وتضحيات، فتحت لي قلبها وتحدثت بشفافية وصراحة عن الخوف الذي يختبئ خلف صورتها الواثقة، وعن التجارب التي علمتها أن تختار معاركها، وعن طفولة حملت معها ذكريات مؤلمة جعلتها أكثر وعيا بحدودها وصوتها، من دون أن تسمح لتلك التجارب بأن تختصر هُويتها أو تحدد مستقبلها. وكان للحب مساحة خاصة في حديثنا. فهي لا تخفي رومانسيتها، لكنها أصبحت تؤمن بأن الحب ليس مجرد خفقان سريع للقلب، بل شعور بالأمان والسكينة، وأن الوفاء لا يقتصر على الإخلاص الجسدي، بل يمتد إلى الصدق والثبات في المواقف، حتى في غياب الشريك.. وحين سألتها عن تعريفها للحب، اختصرته بجملة تستحق التأمل: "الحب أن يدخل أحدهم حياتي من دون أن أضطر إلى التخلي عن نفسي“.

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
فستان من "نيكولا جبران" Nicolas Jebran
من أنت؟ وكيف تكونين عندما تنطفئ الكاميرات، ويهدأ ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يراقبك أحد؟
أنا في الحقيقة أكثر بساطة مما يعتقد الناس. أحب قضاء الوقت في المنزل مع قططي، والجلوس طويلا للحديث مع الأشخاص الذين أحبهم، وأحيانا أستمتع بقضاء ساعات من دون القيام بأي شيء. يراني الناس عادة مفعمة بالطاقة وقوية الشخصية، لكنني في عالمي الخاص أكثر هدوءا وملاحظة لما يدور حولي، بل أميل قليلا إلى الانطواء. وفي داخلي أيضا جانب طفولي كبير؛ أحب المزاح واللعب والمرح كثيرا. أعتقد أن "هافسانور" الحقيقية أكثر هدوءا مما تبدو عليه من الخارج، لكنها أكثر حركة وحيوية في داخلها.
قلتِ سابقا إن أكبر داعم لك هو نفسك. هل كانت هناك تجربة أو خيبة أمل معينة أوصلتك إلى هذه القناعة؟
لم تكن حادثة واحدة، بل درسا تعلمته مع مرور الوقت. قد يكون في حياتنا أشخاص يحبوننا ويدعموننا كثيرا، لكننا في النهاية نتحمل مسؤولية حياتنا بأنفسنا. وفي هذه المهنة تحديدا، نسمع الكثير من كلمات "نعم" و"لا". وفي مرحلة ما، علينا أن نتعلم ألا نقيّم أنفسنا بناء على موافقة الآخرين أو رفضهم. أعتقد أنني تعلمت مع الوقت أن أستند إلى كتفي أنا. وعندما أقول إنني أكبر داعمة لنفسي، فلا أقصد أنني وحيدة، بل أنني تعلمت ألا أتخلى عن نفسي في منتصف الطريق.
ما أكثر عبارة جارحة سمعتِها في بداية مسيرتك ولا تزال عالقة في ذاكرتك؟
لا أستطيع تحديد عبارة واحدة، لكن من المؤلم عندما نكون صغارا أن يرسم الآخرون حدودا لقدراتنا، ويقولوا لنا: "لن تصلي إلى أبعد من هذا" أو "لن تستطيعي فعل ذلك". في الماضي، كنت آخذ هذه الكلمات على محمل شخصي أكثر. أما اليوم، فأعرف أن رأي شخص آخر في قدراتي لا يحدد حقيقتي. بل إن عدم إيمان الآخرين بي يمنحني أحيانا دافعا غريبا، فأقول في داخلي: "حسنا، لنرَ إذن".

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
سترة وتنورة من "هاريثاند" Harithand
هل أُغلق باب في وجهك يوما، ثم فُتح مجددا بعدما حققت النجاح؟ وكيف تعاملتِ مع الذين عادوا وطرقوا ذلك الباب؟
بالطبع حدث ذلك. هذا القطاع يشهد مثل هذه الأمور كثيرا. لكنني لست من الذين يتصرفون بدافع الحقد أو الانتقام. قد تتغير آراء الناس، وتتغير الظروف، ونتغير نحن أيضا. لكن المفارقة أنني أكتشف أحيانا أن بعض الأبواب التي كنت أتمنى بشدة الدخول منها، عندما تُفتح مجددا، لم أعد أرغب في دخولها. أعتقد أن النضج يعني أيضا ألا نعتبر كل باب يُفتح أمامنا فرصة بالضرورة.
ما أكبر ثمن دفعتِه مقابل النجاح الذي وصلتِ إليه اليوم، ولا يعرفه الناس؟
الوقت.. بالتأكيد الوقت. بدأت العمل في سن صغيرة جدا، وأمضيت جزءا كبيرا من حياتي في مواقع التصوير. الأعياد والمناسبات المهمة في حياة الأصدقاء.. أحيانا أكون منهمكة في العمل بينما تستمر الحياة في مكان آخر. لا أشكو، لأنني اخترت هذه المهنة وأحبها كثيرا. لكن النجاح يُظهر للناس النتيجة فقط، بينما تختبئ خلف تلك النتيجة أوقات كثيرة اضطررنا إلى التخلي عنها.
هل منحتك الشهرة الحياة التي حلمتِ بها، أم أخذت منك أشياء لا يمكن استعادتها؟
الأمران معا.. منحتني تجارب لم أكن لأحلم بها حتى في طفولتي، وعرّفتني إلى أشخاص رائعين وحكايات جميلة. لكنْ للظهور المستمر ثمن أيضا. فأحيانا لا تعود حتى لحظاتنا العادية ملكا لنا وحدنا. وتتضاءل حريتنا، وأعترف هنا بأن الشهرة لم تكن هدفا بالنسبة إليّ يوما.. أردت أن أصبح ممثلة، وهذا ما لا يزال يهمني أكثر من أي شيء آخر.
ما الاعتقاد الشائع الذي يظنه الناس صحيحا عنك، بينما هو بعيد تماما عن الحقيقة؟
أعتقد أن البعض يظنون أنني قاسية أو حادة الطباع. قد أبدو متحفظة قليلا عند التعارف الأول، وهذا يُفسَّر أحيانا بطريقة خاطئة. لكنني في الحقيقة سريعة التأثر، شديدة الحرص على من أحب، ولدي جانب رقيق جدا. أنا فقط لا أفتح قلبي للجميع بسرعة. وهناك أيضا شخصية مشاكسة ومرحة أكثر مما ينبغي تختبئ خلف مظهري الجاد.

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
فستان من "طوني ورد" Tony Ward
هل هناك نقطة تحول من طفولتك لا تزال ترافقك حتى اليوم، وربما لم تتحدثي عنها في أي حوار سابق؟
لا أعتقد أنه من الدقة أن أختصر حياتي في نقطة تحول درامية واحدة. أنا حصيلة أشياء صغيرة كثيرة عشتها على مر السنين. لكن رغبتي في الاعتماد على نفسي كانت قوية منذ طفولتي. تعلمت مبكرا أنني إذا أردت شيئا، فعليّ أن أعمل من أجله. وما زال في داخلي عناد تلك الطفلة الصغيرة. ربما الفرق الوحيد أنني أصبحت اليوم أعرف بصورة أفضل ما الذي يستحق أن أحارب من أجله.
يراك كثيرون قوية وسعيدة. هل مررتِ بلحظة قلتِ فيها لنفسك: "لم أعد أريد الاستمرار" أو فكرتِ في ترك كل شيء؟
بالطبع. سيكون من غير الواقعي أن أقول إن ذلك لم يحدث قط. مررت بفترات شعرت فيها بإرهاق شديد، وسألت نفسي: "لماذا أضغط على نفسي إلى هذا الحد؟". لكنني لم أرغب في ترك التمثيل بقدر ما رغبت أحيانا في الابتعاد عن الضجيج المحيط بهذه المهنة. فعندما تبدأ الكاميرا بالتصوير وأدخل فعلا في عالم الشخصية التي أجسدها، أتذكر من جديد لماذا اخترت هذا العمل. لم تكن مشكلتي يوما مع التمثيل نفسه.
هل جعلتك الشهرة تشكّين في النيات الحقيقية للأشخاص الذين يقتربون منك؟ وهل يصعب التمييز بين من يحب "هافسانور" الإنسانة ومن يحب هافسانور النجمة؟
كان ذلك أصعب في البدايات. مع الوقت تعلمت قراءة تصرفات الآخرين. لكن العيش في حالة تساؤل دائم: "لماذا يحبني هذا الشخص؟" أمر مرهق وغير صحي. أفضل أن أمنح الناس فرصة. فالوقت يكشف في النهاية من يرتبط بـ"هافسانور" الإنسانة، ومن يرتبط بالصورة التي كوّنها عن "هافسانور سانجاك توتان". أما العلاقات الحقيقية، فهي تلك التي نستطيع فيها البقاء معا حتى في الصمت، بعيدا عن النجاح وعدد المتابعين والأعمال التي نقدمها. هذا هو المقياس بالنسبة إليّ.

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
فستان من "نيكولا جبران" Nicolas Jebran، وحذاء طويل من "جوزيبي زانوتي" Giuseppe Zanotti
هل خسرتِ صديقة حقيقية بسبب النجاح، أو اكتشفتِ أن شخصا اعتقدتِ أنه صديق لم يكن كذلك؟
افترقت طرقي عن بعض الأشخاص خلال حياتي، بالطبع. لكنني لا أحب ربط ذلك بالنجاح مباشرة. فالناس يكبرون ويتغيرون، وأحيانا لا يعودون ينظرون في الاتجاه نفسه. ومع الوقت نكتشف أيضا أن بعض العلاقات لم تكن متينة بالقدر الذي كنا نعتقده. في الماضي، كنت أعتبر انتهاء العلاقات نوعا من الفشل، أما اليوم فأستطيع تقبّل أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا لفترة معينة فقط. وما يهمني هو ما يتركونه في داخلي، وما أتركه أنا في داخلهم عندما نفترق.
ما المهم في حياتك الذي لم تكتشفه المقابلات والعناوين ووسائل التواصل الاجتماعي حتى اليوم؟
أعتقد أن هناك الكثير مما لا يعرفه الناس عني، وبصراحة أنا سعيدة بذلك. (تضحك). فكوني أعمل في مهنة تجعلني تحت الأضواء لا يعني أن حياتي كلها يجب أن تكون مكشوفة. يرى الناس النتائج؛ والشخصيات التي أجسدها، والصور، والسجادات الحمراء.. لكنهم لا يعرفون الصراعات التي خضتها مع نفسي للوصول إلى تلك النتائج، ولا عدد المرات التي بدأت فيها من جديد، ولا حجم الحوارات التي أجريتها مع نفسي. وربما الشيء الوحيد الذي أريدهم أن يعرفوه هو أنني لست شجاعة بالقدر الذي أبدو عليه. أنا أيضا أخاف، لكنني تعلمت أن أمضي على الرغم من خوفي.
لو كانت حياتك كتابا، فما عنوان الفصل الذي لم يقرأه أحد بعد؟
الغريب أنني، على الرغم من كل ما عشته وحققته، لا أشعر بأنني أقترب من نهاية قصتي، بل كأنني ما زلت في فصولها الأولى. لا يزال في داخلي فضول كبير. وأعتقد أن هناك نسخا أخرى من نفسي لم أتعرف إليها بعد، سواء في التمثيل أو في حياتي.

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
خلف "هافسانور" الناجحة والقوية والجميلة التي يراها الناس، أي امرأة تختبئ ولا يعرفها إلا القليلون؟
هناك امرأة عاطفية جدا، تفكر كثيرا، وأحيانا أكثر مما ينبغي. عندما أحب، أحب بعمق، ولا أستطيع إخراج الناس من حياتي بسهولة. وحتى عندما أتأذى، أحاول أن أنظر إلى الأمور من وجهة نظر الطرف الآخر. قوتي حقيقية، لكن القوة بالنسبة إليّ لا تعني ألا أحزن أو ألا أنهار أبدا. أنا أحزن كثيرا وأتألم وأنكسر، ثم أجد بطريقة ما القوة لأرفع نفسي من جديد.
طفولة مؤلمة.. وصوت يرفض الصمت
تحدثتِ قبل سنوات بشجاعة عن تعرضك للتحرش والاستغلال في طفولتك، وشددتِ على أهمية عدم الصمت. عندما تنظرين اليوم إلى "هافسانور" الصغيرة، ماذا تشعرين تجاهها؟ وكيف أسهمت تلك التجارب في تشكيل المرأة التي أصبحتِ عليها؟
أول ما أشعر به تجاهها هو الحنان. لو استطعت العودة إلى الماضي بعقليتي اليوم، لقلت لها إن أي شيء مما تعرضت له ليس أمرا يجب أن تشعري بالخجل بسببه.
عندما تحدثت عن تلك التجارب، لم أرد يوما أن تصبح الأشياء التي عشتها هي ما يعرّفني كإنسانة. وما زلت لا أريد ذلك اليوم، لأن الإنسان ليس مجرد شيء سيئ حدث له. لكن إذا كان هناك ما تركته تلك التجارب في داخلي، فهو أنني أصبحت أكثر معرفة بحدودي وبصوتي. تعلمت ألا أصمت. واليوم، عندما أرى أمرا خاطئا، أصبحت أقل خوفا من التعبير عن رفضي له. وأتمنى ألا يضطر أي طفل أو امرأة إلى تعلم القوة بهذه الطريقة.
قلتِ يومها إن النساء يجب ألا يشعرن بالخجل أو الخوف، وإن عليهن دعم بعضهن بعضا. هل أصبح المجتمع اليوم أكثر استعدادا للاستماع إلى النساء اللواتي يتحدثن عن التحرش والاستغلال، أم أن الصمت لا يزال المشكلة الكبرى؟
أعتقد أننا أصبحنا نتحدث أكثر عن هذه القضايا، وهذا أمر مهم جدا. لكن كثرة الحديث لا تعني بالضرورة أننا أصبحنا نجيد الاستماع. فعندما تروي امرأة ما تعرضت له، يجب ألا يكون رد فعلنا الأول التشكيك فيها، بل الاستماع إليها. فمجرد القدرة على الكلام قد يكون أمرا صعبا للغاية. علينا أن نتعلم طرح الأسئلة الصحيحة بدلا من أن نسأل: "لماذا لم تتحدث من قبل؟"، أو "لماذا كانت هناك؟"، أو "لماذا تصرفت بهذه الطريقة؟". والمسألة لا تتعلق فقط بأن تصبح النساء أكثر شجاعة. أعتقد أنه حان الوقت لئلا نضع المسؤولية كلها على أكتافهن. فنحن نكرر للنساء: "تحدثن، لا تخفن، كنّ قويات". لكن ما نحتاج إليه حقا هو بناء بيئة تعرف فيها المرأة أنها لن تُترك وحدها عندما تقرر الكلام.

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
فستان من "هاريثاند" Harithand
بعض التجارب المؤلمة قد تكسر الإنسان، وبعضها يغير نظرته إلى الحياة. من دون الدخول في أي تفاصيل لا ترغبين في الحديث عنها، هل جعلتك تجارب طفولتك أكثر قوة أم أكثر حذرا، أم الاثنين معا؟
الاثنين معا. أصبحت أكثر حذرا، لكنني أحاول ألا أسمح لهذا الحذر بأن يحولني إلى إنسانة تخاف من الحياة. وأنا أتحفظ قليلا على عبارة "التجارب التي عشتها جعلتني قوية"، لأننا نحاول أحيانا أن نجد معنى للأشياء السيئة التي حدثت لنا من خلال القول إنها جعلتنا أقوى. أنا لا أنظر إلى الأمر بهذه الطريقة. كنت أتمنى لو أنها لم تحدث أصلا.. قوتي ليست بسبب ما حدث لي، بل بما فعلته من أجل نفسي بعد ذلك وهذا الفرق مهم جدا بالنسبة إليّ.
نلاحظ أن بعض المسلسلات التي لا تحقق نسب مشاهدة مرتفعة في تركيا تحظى بنجاح كبير في العالم العربي. كيف تفسرين اختلاف نظرة الجمهورين التركي والعربي إلى القصة نفسها؟
لا أعتقد أنه من الصحيح قياس نجاح أي قصة من خلال نسب المشاهدة وحدها. فالعلاقة التي يقيمها كل مجتمع مع الحكايات تنبع من ذاكرته الثقافية وعالمه العاطفي. ومن نقاط قوة الدراما التركية أنها لا تخفي المشاعر عند التعبير عنها. فالعائلة والحب والتضحية والانتماء موضوعات تشكل لغة مشتركة بيننا جميعا. فأحيانا لا تجد قصة ما الصدى المنتظر في بلدها، لكنها تستطيع أن تلامس حياة الناس في مكان آخر من العالم. وأعتقد أن هذا هو الجانب الأكثر سحرا في التمثيل؛ أن أجد لنفسي مكانا في مشاعر أشخاص لم أعرفهم يوما.

هل تتابعين السينما أو الدراما أو الموسيقى العربية؟ وهل هناك فنانون عرب يلفتون اهتمامك؟
أجد أن الثراء العاطفي في الموسيقى العربية مؤثرا جدا. فمن الجميل أن تستطيع أغنية أن تلامس مشاعرك حتى عندما لا تفهمين لغتها بالكامل. وبصفتي ممثلة، أحب اكتشاف الطرق المختلفة التي تروي بها الثقافات حكاياتها. وأرغب في مشاهدة المزيد من الأفلام العربية والتعرف عن قرب إلى المبدعين في العالم العربي، لأنني أؤمن بأن الانفتاح على ثقافات وجغرافيات مختلفة يثري تجربتي في التمثيل.
كيف تنـــظـــريــــن إلى المـــشـــاركة في إنـتـــــاج درامي أو سينمائي عربي-تركي مشترك؟
سأكون متحمسة جدا لهذه التجربة بالتأكيد. الشرط الأول لقبولي أي مشروع هو دائما القصة والشخصية. فقبل التفكير في مكان التصوير أو اللغة التي تُروى بها الحكاية، يجب أن تكون لدى الشخصية رسالة تستحق أن تُقال. أجد اجتماع أشخاص من ثقافات مختلفة في قصة واحدة أمرا ذا قيمة كبيرة. وسيكون من المثير بالنسبة إليّ أن أجسد شخصية امرأة قوية وغير تقليدية، تتجاوز الحدود المعتادة.
لديك حضور لافت في عالم الموضة وتتعاونين مع علامات عالمية.. بعيدا عن اتجاهات الموضة وخبراء تنسيق الأزياء، ما فلسفتك الشخصية في الأناقة؟
بالنسبة إليّ، ترتبط الأناقة بمعرفة الإنسان لنفسه أكثر من ارتباطها باتباع الموضة. فمن المهم أن أشعر بأنني على طبيعتي داخل الملابس التي أرتديها، بقدر أهمية أن أبدو جميلة فيها. وأؤمن أحيانا بأن الإطلالة البسيطة قد تكون أقوى من أكثر الأزياء جرأة. أحب الأنوثة، لكنني أحب أيضا أن تتخللها لمسة ذكورية أو تفصيل غير متوقع. أعتقد أن الأناقة الحقيقية هي أن يلاحظ الناس طاقتي وحضوري عندما أدخل إلى مكان ما، قبل أن يلاحظوا ملابسي.

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
سترة وسروال وحذاء، جميعها من "لورو بيانا" Loro Piana
هل تعتبرين هُويتك البصرية على "إنستغرام" امتدادا لشخصيتك الفنية، أم عالما منفصلا عن التمثيل؟
ليسا عالمين منفصلين تماما. فالتمثيل طريقتي في التعبير عن نفسي، والموضة تمثل جانبا أكثر شخصية ومرحا من هذا التعبير. لكنني لا أستطيع القول إن وسائل التواصل الاجتماعي تعكس حياتي كلها. ما يراه الناس هناك هو مجموعة من اللحظات التي اخترت مشاركتها. أما حياتي الحقيقية، فهي تستمر أيضا في اللحظات التي لا أنشرها. وفي الواقع، كثيرا ما تكون أجمل لحظات حياتي تلك التي لا أملك حتى صورة لها.
ماذا يعني لك الجمال الطبيعي؟ ومتى تشعرين بأنك في أجمل حالاتك؟
الجمال الطبيعي بالنسبة إليّ لا يعني الكمال، بل أن يكون الإنسان متصالحا مع نفسه. غالبا ما أشعر بأنني في أجمل حالاتي عندما لا أحاول أن أبدو جميلة؛ عندما أضحك كثيرا، أو أمضي الوقت مع الأشخاص الذين أحبهم، أو عندما لا أفكر في شكل شعري. أؤمن بأن الجمال شيء ينبع من الداخل ويظهر إلى الخارج. وأعتقد أن أكثر ما يجعل المرأة جذابة هو أن تكون مدركة للنور الذي تحمله في داخلها.

ماذا يعني الحب لـ"هافسانور" اليوم؟ هل أصبحتِ أكثر رومانسية أم أكثر واقعية؟
لم أفقد جانبي الرومانسي قط، لكنني بدأت مع الوقت أفهم الرومانسية بطريقة مختلفة قليلا. في الماضي، كنت أعتقد أن المشاعر الكبيرة تصنع قصص حب كبيرة. أما اليوم، فأهتم أكثر بالمكان الذي يحتله الإنسان في حياتنا، وبالمشاعر التي يمنحنا إياها. أعتقد أن الحب ليس مجرد تسارع نبضات القلب، بل هو أيضا شعور بالسكينة والطمأنينة في الداخل. واليوم أنا رومانسية، لكنني أكثر وعيا أيضا.
ما العنصر الأهم الذي يجعل الحب يستمر لسنوات طويلة؟
الثقة، والقدرة على اختيار بعضنا بعضا من جديد. فالشغف قد يتغير شكله مع مرور الوقت، وظروف الحياة تتبدل، والناس ينضجون. لكن إذا لم يفقد شخصان الاحترام والفضول تجاه بعضهما، فإن العلاقة تستمر في الحياة. فليس المهم أن نحب الشخص فقط، بل أن نواصل محاولة فهمه. وأعتقد أن الحب الذي يعيش طويلا يحتاج أيضا إلى أن نكون رفيقَي درب جيدين.
هل تعتقدين أن الحب الحقيقي هو الشجاعة في إظهار نقاط ضعفنا أمام من نحب؟
بالتأكيد. أحب أن أكون قوية، لكن القوة لا تعني أن أكون مضطرة إلى الوقوف بثبات طوال الوقت. أحيانا يكون الشعور بأنني لست مضطرة إلى إخفاء أي شيء أمام شخص ما مصدر قوة كبيرا بحد ذاته. ومن المهم جدا بالنسبة إليّ أن أستطيع إظهار ضعفي أمام الشخص الذي أحبه. لكن ذلك يحتاج إلى الثقة، لأن الإنسان لا يستطيع كشف أكثر جوانبه حساسية إلا أمام شخص يعرف أنه لن يؤذيه.

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET
فستان من "طوني ورد" Tony Ward
ما الصفات التي يجب أن يمتلكها الرجل حتى يمنحك الشعور بالأمان، وليس الحب وحده؟
أعتقد أن الأمان لا يرتبط بمدى قوة الرجل، بل بالطريقة التي يستخدم بها قوته. يجب أن تتطابق أفعاله مع أقواله. وألا أشعر وأنا إلى جانبه بأنني مضطرة باستمرار إلى تفسير نفسي أو الدفاع عنها أو التشكيك في الأمور. ومن أكثر الصفات جاذبية بالنسبة إليّ في الرجل أن تبقى مبادئه وشخصيته ثابتة مهما تغيرت الظروف. فالأمان الحقيقي لا يُبنى بالوعود الكبيرة، بل بالتصرفات الصغيرة والمتسقة.
هل الوفاء قرار نتخذه كل يوم، أم أنه جزء من شخصية الإنسان؟
أعتقد أن الوفاء مسألة تتعلق بالشخصية أولا، ثم بالاختيارات التي تتخذها هذه الشخصية كل يوم. ولا أنظر إلى الوفاء من زاوية الحدود الجسدية فقط؛ فالصدق والاحترام والحفاظ على العلاقة حتى في غياب الطرف الآخر، كلها بالنسبة إليّ جزء من الوفاء. ولا أؤمن بأن الإنسان الوفي يحتاج إلى مراقبة نفسه باستمرار حتى يبقى وفيا. فهناك قيم متجذرة في طبيعة الإنسان ونظرته إلى الحياة.
ما الذي يجب أن تشعري به تجاه الرجل حتى تقولي لنفسك إنك تستطيعين تأسيس عائلة معه؟
أولا، يجب أن أستطيع أن أكون على طبيعتي إلى جانبه. وأن أشعر بأننا قادران على مواجهة الأوقات الصعبة معا، وليس فقط الاستمتاع بالأيام الجميلة.. تأسيس العائلة بالنسبة إليّ لا يعني أن نحب بعضنا كثيرا فحسب، بل أن نستطيع بناء حياة آمنة ومطمئنة معا. وأعتقد أن الأهم هو أن أشعر، إذا رُزقت يوما بطفل، بأنني أرغب من كل قلبي في أن ينشأ هذا الطفل محاطا بحب هذا الرجل وقيمه وشخصيته.
ماذا علمتك علاقتك الحالية عن الحب وعن نفسك؟
أعتقد أن كل تجربة في حياتي علمتني شيئا عن نفسي. ومع مرور الوقت، أصبحت أفهم بصورة أفضل ما أحتاج إليه، وما الأشياء التي لا يمكنني التنازل عنها. في الماضي، كنت أقيّم الحب بصورة أكبر من خلال المشاعر التي يثيرها في داخلي. أما اليوم، فأصبحت أنظر أيضا إلى نوع الحياة التي تقدمها لي العلاقة. أحب أن أحتفظ ببعض جوانب حياتي الخاصة لنفسي، لكن يمكنني القول إنني تعلمت أن الحب يجب ألا يجعل الإنسان يبتعد عن ذاته.

هل يمكن أن يشعر الإنسان منذ اللحظة الأولى بأنه وجد الشخص المناسب، أم أن الأيام وحدها تكشف حقيقة الحب؟
أعتقد أنه يستطيع أن يشعر بذلك، لكن الشعور بشيء ومعرفته على وجه اليقين أمران مختلفان. قد تنشأ رابطة قوية جدا منذ اللقاء الأول، وقد يشعر الإنسان أحيانا بقرب لا يستطيع تفسيره. لكن الوقت هو الذي يكشف ما إذا كان هذا الشخص مناسبا فعلا. فالحقيقة العميقة للحب لا تظهر عندما تسير الأمور على ما يرام، بل عندما تصبح صعبة. وأنا اليوم أؤمن بجمال القدرة على الاستمرار أكثر من سحر البدايات.
أخيرا، لو طلبنا منك أن تختصري الحب في جملة واحدة، فماذا تقولين؟
الحب أن يدخل أحدهم حياتي من دون أن أضطر إلى التخلي عن نفسي.

المجوهرات من "شوميه" CHAUMET