خاص - ندى غزال لـ"هي": أنتظر أن تمنحني الحياة قصتها التالية لأحوّلها إلى مجوهرات
ليست المجوهرات لدى ندى غزال مجرد تصاميم تزين المرأة، بل لغة عاطفية تترجم المشاعر والتجارب الإنسانية إلى قطع تحمل قصصاً خاصة. وفي مجموعتها الجديدة "Whispers of Joy"، تختار مصممة المجوهرات اللبنانية ندى غزال أن تحتفي بالفرح ليس بوصفه شعوراً عابراً، بل كقوة قادرة على الصمود في مواجهة الألم والتحديات. وبين خطوط انسيابية وأشكال حيوية، تكشف المجموعة عن رؤية إبداعية تنسج التناقضات في قالب واحد، حيث تلتقي الرقة بالقوة، والعفوية بالفخامة.
في هذا الحوار مع "هي"، تتحدث ندى غزال عن الظروف الشخصية والعاطفية التي ألهمت هذه المجموعة، وعن تأثير بيروت المستمر في هويتها الإبداعية، كما تكشف كيف تحولت علامتها على مر السنين إلى مساحة للتعبير عن الذات، وإلى رفيق يرافق النساء في لحظاتهن الأكثر خصوصية، حاملاً في كل قطعة رسالة تتجاوز الجمال لتلامس المعنى.

1. تحمل مجموعة "همسات الفرح" روحاً عاطفية عميقة، ما اللحظة أو الشعور الأول الذي ألهم هذه المجموعة؟
استوحيت مجموعة "همسات الفرح" من تجربة شخصية عميقة بدأت مع شعوري بأن عام 2026 يحمل خفة وإشراقاً مختلفين، وهو ما انعكس تلقائياً على رسوماتي الأولى. لكن مع الحرب التي مر بها لبنان والخسارة الشخصية التي عشتها مع عائلتي، وجدت نفسي أمام تحد عاطفي كبير. وفي خضم تلك الظروف، اخترت أن أفسح المجال للفرح ليعود إلى حياتي. ومن هنا ولدت هذه المجموعة كتعبير عن الفرح ليس بوصفه شعوراً عابراً، بل كفعل من أفعال الصمود والأمل، وتذكير بأن الجمال والنور قادران دائما على إيجاد طريقهما إلينا مهما اشتدت الصعاب.

2. نرى توازناً جميلاً بين النعومة والقوة في مختلف التصاميم. كيف ترجمت هذا التناقض إلى قطع المجوهرات؟
إن التوازن بين النعومة والقوة في مجموعة "همسات الفرح" ليس مجرد خيار تصميمي، بل هو جزء أساسي من فلسفتي الإبداعية ومفهوم "المفارقة" الذي تقوم عليه العلامة. فأنا أرى المرأة كائناً يجمع بطبيعته بين القوة والهشاشة، وبين الرقة والصلابة. لذلك ترجمت هذا التناقض من خلال مزج الخطوط الانسيابية بالأشكال الأكثر جرأة، والتفاصيل الدقيقة بالعناصر القوية. كل قطعة تعيش في تلك المساحة التي تلتقي فيها النعومة بالقوة، وهو ما يمنح المجموعة طابعها العاطفي والمشرق مع الحفاظ على هويتها القائمة على الاحتفاء بالتناقضات.
3. تبدو المجموعة شابة ومرحة، لكنها في الوقت نفسه فاخرة بلا شك. كيف حققت هذا التوازن إبداعياً؟
هذا صحيح تماماً! فالفخامة اليوم لم تعد تعني المبالغة أو البذخ، بل أصبحت ترتبط بالمشاعر والحرفية والأصالة. أردت للمجموعة أن تبدو عفوية ومفعمة بالفرح، مع الحفاظ على رقي المجوهرات الراقية.
وتمنح اللمسات المرحة والأشكال غير المتوقعة والإحساس بالحركة التصاميم روحاً متجددة وحيوية، بينما تضمن الحرفية المتقنة والمواد الثمينة بقاء القطع ضمن إطار الفخامة الخالدة.
4. هل هناك قطعة معينة في المجموعة تعتبرينها الأكثر تجسيداً لجوهر "همسات الفرح"؟
تنقسم المجموعة إلى ثلاث فئات رئيسية، ورغم أنها جميعاً تحمل روح الفرح نفسها، فإن لكل منها مزاجاً مختلفاً. أحب أن أراها كأنها لحظات مختلفة من اليوم، الصباح والظهيرة والمساء. إنه اليوم ذاته، لكن التعبير يتغير مع تغير الضوء.
فكل فئة تعبر عن إيقاع مختلف للفرح، بدءاً من القطع الرقيقة والهادئة وصولاً إلى التصاميم الأكثر جرأة وحضوراً. أحبها جميعاً لأسباب مختلفة، لأنها تجسد أوجهاً متنوعة للمشاعر نفسها.
ومع ذلك، أميل بطبيعتي إلى القطع الأكبر حجماً، وخصوصاً أساور Floating Joy فهناك شيء فيها يجمع بين البريق والعفوية في الوقت نفسه. وأحب بشكل خاص النسخة المزينة بتعليقة من اللؤلؤ والألماس، لأنها تحمل ذلك التناقض الذي أبحث عنه دائما، بين الأناقة الهادئة وهمسة خفيفة من الفرح.

5. بصفتك مصممة لبنانية، هل لا تزال بيروت تؤثر في المشاعر والطاقة والقصص التي تنعكس في إبداعاتك؟
مهما ابتعدت في العالم، تبقى بيروت مصدراً دائماً للإلهام في عملي. فهي ليست مجرد مدينة أنتمي إليها، بل جزء من هويتي. بيروت تشبه الدم الذي يجري في عروقي؛ تحمل إيقاعي ومشاعري وطريقتي في رؤية العالم.
هذه المدينة مليئة بالتناقضات، الجمال والهشاشة، الفوضى والصمود، وهذه الازدواجية تجد طريقها بشكل طبيعي إلى إبداعاتي. هناك كثافة عاطفية خاصة في بيروت، فهي تعلمك كيف تحتضن الفرح والألم في الوقت نفسه، وكيف تجد المعنى والجمال وسط ذلك كله.
وهذه الحساسية العاطفية متجذرة بعمق في عملي، فهي لا تشكل القصص التي أرويها من خلال المجوهرات فحسب، بل تؤثر أيضاً في الطريقة التي أتعامل بها مع الشكل والملمس والمشاعر.
6. لطالما مزجت أعمالك بين الفن والمجوهرات. كيف تعرفين العلاقة بينهما؟ وهل تسعين إلى أن تحمل كل قطعة رسالة تتجاوز قيمتها الجمالية؟
بالنسبة لي، المجوهرات هي شكل من أشكال الفن القابل للارتداء. وعلى الرغم من أهمية الجمال، لم أكن يوماً مهتمة بابتكار قطع هدفها الزينة فقط.
فكل مجموعة تبدأ بفكرة أو شعور أو تساؤل. وتمتلك المجوهرات قدرة فريدة على مرافقة الأشخاص خلال مراحل حياتهم المختلفة، لتصبح جزءاً من قصصهم الشخصية. وآمل أن تلامس كل قطعة مشاعر من يرتديها.
7. في عالم تحكمه الاتجاهات السريعة والجماليات المتغيرة باستمرار، كيف تحافظين على هويتك الإبداعية الخاصة والبصمة التي تميز ندى غزال؟
في عالم تقوده الاتجاهات المتغيرة بسرعة، يصبح الاستمرار خياراً واعياً. في "ندى غزال"، لطالما آمنت بأن الإبداع الحقيقي لا يتعلق بملاحقة ما هو رائج، بل بالتعبير عما هو راسخ ودائم في داخلنا.
فالنساء اليوم يتعرضن باستمرار لتعريفات خارجية للجمال والنجاح والهوية. لكنني أؤمن بأن أقوى رسالة يمكن أن تقدمها المرأة هي أن تكون نفسها بالكامل، لا انعكاساً للآخرين، ولا استجابة للاتجاهات، بل تعبيراً عن عالمها الداخلي الخاص.
لهذا السبب أحرص على ابتكار قطع تتجاوز المواسم، سواء من الناحية العاطفية أو المادية. فالمجوهرات في أفضل صورها تصبح تذكيراً بماهية الشخص الحقيقية.
وإذا كان هناك من رسالة أود إيصالها فهي: اختاري نفسك. ارتدي ما يشبهك وما يلامس روحك، لا ما يتوقع منك ارتداؤه. دعي اختياراتك تعكس حقيقتك، فهناك تكمن الاستمرارية الحقيقية.

8. أصبحت المرأة اليوم أكثر وعياً في اختياراتها وتميل إلى اقتناء قطع تحمل معنى شخصياً. كيف أثر هذا التحول على طريقة تعاملك مع المجموعات الجديدة؟
أجد هذا التحول مهماً جداً، لكنه في الواقع أمر آمنت به ومارسته منذ انطلاقي عام 2003. فمنذ البداية، لم يكن هدفي تصميم مجوهرات للزينة فقط، بل قطع تحمل روحاً، وتنبع من المشاعر والذكريات والتجارب الحياتية.
اليوم أصبحت النساء أكثر وعياً من أي وقت مضى في اختياراتهن، وصرن يبحثن عن المعنى أكثر من مجرد الجمال. وما تغير ليس أسلوبي، بل مدى تجاوب الناس معه. فهناك اليوم وعي أكبر بالمجوهرات كوسيلة للتعبير عن الذات وسرد القصص الشخصية.
وهذا يعزز كل ما آمنت به دائماً، ويشجعني على الاستمرار في ابتكار تصاميم تنطلق من المشاعر، حيث تحمل كل قطعة إحساساً معيناً وتصبح جزءاً من رحلة المرأة الخاصة. ففي النهاية، المجوهرات ليست مجرد شيء نرتديه، بل شيء نعيش معه ونورثه للأجيال، وهذا ما أحبه كثيراً.

9. بعد "همسات الفرح"، ما المشاعر أو القصص أو الموضوعات التي ترغبين في استكشافها مستقبلاً من خلال مجوهراتك؟ وهل هناك فصل معين من الحياة تشعرين أنه يستحق أن يتحول إلى مجموعة؟
بما أن إبداعاتي تنبع من المشاعر والأحاسيس وأحياناً من الذكريات، فأنا لا أبدأ عادة بفكرة محددة للمجموعة التالية. أحتاج أولاً إلى أن أعيش التجربة وأشعر بها وأراقبها، قبل أن أفهم ما الذي يرغب في التعبير عن نفسه من خلالها.
إنها عملية حدسية للغاية. وغالباً ما أقول إنني بحاجة إلى أن تمنحني الحياة المزيد من التجارب قبل أن أترجمها إلى مجوهرات. عندها فقط يبدأ الاتجاه الجديد بالتشكل بشكل طبيعي، وكأن القطع تكشف عن نفسها تدريجياً بدلاً من أن تكون مخططاً لها مسبقاً.
لذلك يبقى الفصل القادم بالنسبة لي مجهولاً حتى أعيشه فعلاً، وهذه المساحة من عدم اليقين هي ما يبقي العمل صادقاً وحياً.

10. عند النظر إلى مسيرتك المهنية، هل كانت هناك لحظة مفصلية أدركت فيها أن "ندى غزال" أصبحت أكثر من مجرد علامة مجوهرات، وتحولت إلى لغة تعبر من خلالها النساء عن أنفسهن؟
لم تكن هناك لحظة واحدة فاصلة، بل مجموعة من اللقاءات والتجارب الصغيرة. كانت النساء يشاركنني قصصهن مع القطع التي ارتدينها خلال مناسبات مهمة، أو احتفالات، أو مراحل انتقالية، أو لحظات شخصية عميقة.
وسماع الطريقة التي ارتبطن بها عاطفياً بالمجوهرات جعلني أدرك أن العلامة أصبحت شيئاً أكبر من مجرد تصميم. لقد تحولت إلى وسيلة للتعبير عن الذات، ولغة تعبر من خلالها النساء عن ذكرياتهن ومشاعرهن وجوانب من هويتهن، وربما يكون ذلك أكثر ما يمنحني الرضا في هذه الرحلة.