ما الذي يجعل الأسلوب أيقونيًا؟
إعداد: SOUHA HAMED
نتتبع الخيط المشترك بين تصاميم المجوهرات التي عبرت الأجيال، في حديث مع دكتور "ديفيد أوسيتو كابريرا" من "ليكول، مدرسة فنون صياغة المجوهرات ـ الشرق الأوسط".

هل هناك معادلة خفية تجعل بعض أساليب المجوهرات تستمر عبر الأجيال، بينما تتلاشى غيرها على الرغم من نجاحها في فترة زمنية معينة؟ يلح هذا السؤال لدى الصاغة والمهتمين بهذا العالم الجميل، ويفتح مجالا للبحث فيما يحدد بقاء التصميم عبر الزمن. تبدو الإجابة القاطعة بعيدة، إذ ترتبط هذه المسألة بعوامل متداخلة تتصل بالذائقة والتاريخ والتحولات الاجتماعية، وهو ما يمنحها بُعدا يتغير باختلاف الأزمنة والبيئات. ومع ذلك فإن النظر إليها من زاوية أكاديمية، عبر دراسة تاريخ الفن والمجتمع والمجوهرات، يكشف عن عناصر مشتركة بين هذه الأساليب يمكن تتبعها عبر الزمن. في هذا الإطار تبرز "ليكول، مدرسة فنون صياغة المجوهرات" باعتبارها منصة متخصصة تجمع بين البحث والتعليم في هذا المجال، ومن خلالها توجهنا إلى دكتور "ديفيد أوسيتو كابريرا"، المؤرخ الفني والمحاضر في فرع الشرق الأوسط، لاستكشاف رؤيته القائمة على تحليل تاريخي ومنهجي لما يضمن استمرارية بعض أساليب التصميم، وما يكشفه ذلك من خيوط غير مرئية تربط الماضي بالحاضر داخل القطعة الواحدة.
يرى دكتور "ديفيد أوسيتو كابريرا" أن ما يستمر عبر الأجيال نادرا ما يتطابق مع ما يتوقعه كل عصر أن يستمر، وهي فكرة تعيد ترتيب النظر إلى تاريخ المجوهرات بالكامل. ومن هنا، تظهر عائلات تصميمية يتكرر حضورها عبر التاريخ، مثل الذهب المحبّب والمشغول بالخيوط الدقيقة الذي تعود جذوره إلى بلاد الرافدين، قبل أن يبلغ، عبر قرون من التطور، درجة عالية من الإتقان في إتروريا، الحضارة القديمة في إيطاليا، ويمتد إلى الورش الهلنستية في العالم اليوناني وصولا إلى ورش العهد الفاطمي. وأيضا عقد "ريفيير"، المكون من صف متواصل من الأحجار الكريمة المتشابهة، الذي صقله القرن الـ18، إضافة إلى مفردات الأكاليل في أسلوب "بيل إيبوك"، ثم التجريد الهندسي في "آرت ديكو". هذه الأمثلة، كما يوضح "كابريرا"، تتجاوز فكرة الأسلوب المرتبط بمرحلة ما، وتعمل كتقاليد تصميمية متماسكة يمكن إعادة كتابتها. لكنه يلفت إلى أن هذه القراءة تنتمي إلى تقليد تاريخي، أي إلى دراسة كيفية كتابة التاريخ وتفسيره عبر أعمال المؤرخين، وهو ما يجعلها قراءة تختلف إذا ما قيمّها مؤرخ من طوكيو مثلا أو من دلهي. ويضيف في هذا السياق أن كلا من هذه الأساليب وُلد بوصفه تركيبا توليفيا منذ بدايته، ويشير إلى أن ما يتشكل من خلال التفاعل والتداخل يمكن إعادة توظيفه لاحقا، وهو ما يمنحه قابلية للاستمرار.



تصوير: "بنجامان شيلي"
ومن هذا المفهوم، يبرز سؤال أساسي: أين يكمن هذا الاستمرار فعلا؟ يوضح أن ما يمنح القطعة قدرتها على البقاء لا يظهر مباشرة على السطح، بل يتكوّن من مجموعة من القرارات الأساسية الكامنة. يُضبط التناسب وفق الجسد لا الرسم، ولذا مثلا فإن الطوق العريض المصمم بعناية يستقر على الترقوة بالطريقة المناسبة. أما التناظر، فيُستخدم بانضباط ثم يكسر عمدا. فيما يُشكّل الفراغ جزءا من التكوين. نرى في هذه القطع أن المواد تحترم وفقا لخصائصها المعينة، حيث يستخدم الذهب لتشكيل الهيكل، وتوضع الأحجار لأداء دورها الجمالي، ويجري اختيار تقنيات الصياغة، لأنها تناسب المشكلة لا لإظهار براعة الصائغ. وفي هذا المستوى، يربط بين الاستمرارية والحرفة، مشيرا إلى عناصر تقنية محددة مثل التحبيب، والعمل بأنابيب الـ"شينييه"، والقطع المُعاير، حيث تستمر هذه التقنيات في ترسيخ قيمتها عبر الزمن. لا تعلن هذه القواعد عن نفسها، وإنما تنكشف عند تفكيك القطعة ذهنيا، وكأن البنية الحقيقية تختبئ خلف بساطة الشكل، وهي بمنزلة خيوط لا تظهر مباشرة، لكنها تتحكم في تماسك القطعة واستمراريتها.
ويمتد السؤال إلى الحاضر، كيف يستمر هذا التأثير من دون أن يظهر بشكل مباشر؟ يشير "كابريرا" إلى أن التأثير في المجوهرات ينتقل عبر التوريث على مستوى التقنية والتناسب، وهو أمر يصعب ملاحظته أكثر من الاقتباس المباشر، لأنه جرى استيعابه بشكل كامل لدرجة أن الحرفة لم تعد تلاحظه. مثلا تقنية تثبيت الأحجار الكريمة التي تعتبرها ورشة باريسية أمرا روتينيا، هي في الواقع تقنية نشأت في سبعينيات القرن الـ17. وكذلك مفهوم "البارور"، أي قطع متناسقة مصممة لارتدائها معا أو بشكل منفصل، هو اختراع من القرن الـ18، إلا أنه يشكل طريقة تفكير صائغ يعمل على تصميم مجموعة اليوم.

تصوير "بنجامان شيلي"

"سيمبليك أند تشيس"، لندن
بعض الأساليب الشائعة يعاد تقديمها أحيانا، إما من خلال إحيائها أو إعادة تفسيرها. ومن هنا يتضح الفرق بين هذين المسارين. يوضح أن الإحياء، في صيغته الأضعف يكون سطحيا، فيعيد إنتاج هيئة حقبة دون الانخراط في الظروف التي شكلتها، وهو ما يجعل كثيرا منه أقرب إلى الزينة التنكرية. أما إعادة التفسير، فتتطلب فهما أعمق، وفهم ما الذي صُمم الأسلوب من أجله؟ وما الشروط التي استجاب لها؟ وهل ما زالت هذه الظروف قائمة؟ وهنا يضرب "كابريرا" مثالا طراز "آرت ديكو"، الذي كان بحد ذاته إعادة تفسير، حيث تبلور في عشرينيات القرن الماضي من تداخل عناصر من الثقافة المادية المصرية، والتيارات الفنية الحديثة، واللغة البصرية للصناعة، إلى جانب تحولات اجتماعية غيّرت طريقة حضور المرأة في العالم، لينتج من ذلك كله منظومة متماسكة. ويضيف أن القطعة المعاصرة التي تكتفي بنسخ ملامح سوار من تلك الفترة مثلا، تقوم بشيء مختلف تماما عن قطعة تحاول أن تعيد طرح الفكرة نفسها ضمن شروط زمنها، مشيرا إلى أن النوع الثاني هو الأقدر على الاستمرار.
ويمتد هذا المنطق إلى تفسير الإقبال على "آرت ديكو" اليوم، إذ ارتبط منذ بدايته بجسد أنثوي حديث وبحياة متغيرة، حيث تخلّى عن الزخرفة المفرطة لمصلحة وضوح الخط وبنية أكثر صرامة، بما يتماشى مع نساء بدأن يتحركن ويعملن بطريقة مختلفة. ويشير إلى أن الظروف الاجتماعية التي أفرزت هذا الأسلوب لم تنتهِ، بل اتسعت، وهو ما يجعل العلاقة بين التصميم ومن ترتديه علاقة نادرة في انسجامها، ويمنح هذا الأسلوب قدرته على الاستمرار.

تصوير: "بنجامان شيلي"

مجموعة "فان كليف أند أربلز"
يطرح هنا احتمال أن يكون "الأسلوب الخالد" سمة متأصلة في بعض التصاميم. يلفت "كابريرا" إلى أن هذه الصفة تمنح للقطعة لاحقا، من خلال عودة الأجيال إليها واستمرار قدرتها على إنتاج معنى. ويشير إلى أن هذا الحكم يتشكل عبر الزمن من خلال التجربة والاستخدام. ويضرب مثالا أسلوب صياغة filigree (الزخرفة السلكية) الفاطمية التي يقول إنها لا تعتمد على الثقافة البلاطية التي أنتجتها لتظل تعتبر صياغة ذهبية من الطراز الرفيع.
أما عما قد يفرزه صاغة اليوم من مفردات تصميم يتوقع لها أن تكون عصية على الزمن، فيتوخى "كابريرا" الحذر بتحديد أي منها. لكنه يرجح أن التوجهات الأكثر احتمالا للاستمرار هي تلك التي تعود إلى الحرف اليدوية باعتبارها الموقع الفعلي للمعنى بدلا من الاستعراض. ويشير إلى انتعاش حقيقي في الأعمال اليدوية في عدة مناطق، بما فيها الخليح، حيث تُحترم التقنيات التقليدية بدل محاكاتها رقميا. ويذكر من بينها صياغة الفضة البدوية في المناطق الداخلية، وتراث صيد اللؤلؤ على سواحل الإمارات، وتقنيات التحبيب التي انتقلت عبر الخليج الهندي.

ما يمنح القطعة قدرتها على البقاء يتشكل في قراراتها الداخلية أكثر مما يظهر على سطحها
كــمــــا يــلفت إلى اهتــمــــام متـــــجدد بالتناسب وبفهم المــجـــوهـــرات بوصفــهـــا نــوعـــا من العـمــارة الصغيرة المحمولة القائمة على منطق بنيوي واضح.
وعما إذا كانت هذه الاتجاهات ستتبلور في مفردات تتــوارثــهـــا الأجــيـــال، كــمـــا حــــدث مــــع "آرت ديــكـــــو" وأسلوب الأكاليل، يشير "كابريرا" إلى أن الحكـــــم يبـــقـــى للأجــيــال المقبلة من المؤرخين، ويؤكد أن الأسلوب يُعمّـــر عنــــــدمـــا يتـــحــــول إلى مجموعة من المبادئ المنضبطة.