كارمن بصيبص نجمة غلاف عدد أبريل من "هي": حضور يعبر الزمن
توطدت علاقتي مع الصديقة النجمة كارمن بصيبص منذ سنوات.. في البداية لقاءاتٍ عابرة وعلى السجاد الأحمر، ثم في جلسات مطولة خلال مناسبات كثيرة حول العالم.. في كل مرة، كنت ألاحظ السمة نفسها التي لا تتغير: هدوء يسبق حضورها، وثقة لا تحتاج إلى استعراض، وبساطة راقية تجعلها قريبة من الناس حتى وهي تحت الأضواء. كارمن ليست من اللواتي يبدلن وجوههن بتبدل الأدوار أو الظروف، فهي في حياتها كما على الشاشة: صادقة في اختياراتها، واضحة في ملامحها، ومتصالحة مع ذاتها بطريقة تمنح حضورها قوة هادئة يصعب تجاهلها. ربما لهذا السبب، كلما التقيها، أشعر أن ما أراه في عينيها هو ما أجده في أدوارها.. لا مبالغة، ولا تصنع، بل بحث دائم عن الحقيقة.
كارمن بصيبص كانت اختيارا طبيعيا لغلاف هذا العدد الذي نحتفي فيه بالحنين بوصفه ذاكرةً حيّة لا تتوقف عند الماضي، فهي تشبه روح العدد: امرأة تحمل في ملامحها شيئاً من سحر السينما القديمة، وفي حضورها بساطة راقية تذكّرنا بزمن كانت فيه الأناقة تُقاس بالهدوء لا بالمبالغة، وبالتفاصيل التي تبقى في الذاكرة طويلاً. في هذا التصوير مع دار "بولغري " BVLGARI، يلتقي فن كارمن بالمجوهرات في صورة تروي كيف يمكن للضوء أن يصبح ذاكرة، وللحجر الكريم أن يتحول إلى قصة.

كافة المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
فستان أسود من "بلومارين" BLUEMARINE

اللحظة الأولى التي شعرت فيها بأن التمثيل سيكون قدري الحقيقي كانت عندما صعدت الطائرة بمفردي لأسافر إلى مصر للمرة الأولى. كنت حينها في سنتي الجامعية الأولى أو الثانية، وصحيح أنني كنت قد شاركت في الكثير من الإعلانات ووقفت أمام الكاميرا سابقا، لكن تلك كانت المرة الأولى التي أشارك فيها في مشروع تمثيلي حقيقي. كان هناك شعور كبير بالمسؤولية، إذ كنت أسافر لتصوير مسلسل "جامعة"، بدور بطولة، وكنت مدركة أنه مشروع ضخم سيشاهده عدد كبير من الناس، إلى جانب كونه دورا جميلا. في تلك اللحظة، شعرت في داخلي بأن هذه هي الخطوة الأولى في رحلة بدأت ولن تنتهي.

كل المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
إطلالة كاملة مؤلفة من تنورة وقميص من "علية" ALAÏA
كثـيـــــرون يعتبــــرون "عـــــروس بيروت" نقــطـــــة التحول في مسيرتك. ماذا غيّر هذا العمل فيك بوصفك ممثلة؟
غيّر الكثير من الأمور، لكن الأهم أنه علّمني الصبر. ليس من السهل على الممثل أن يحمل شخصية واحدة على مدى 3 سنوات، عبر 3 مواسم وأكثر من 200 حلقة، وأن يستمر في حبّها من دون أن يحكم عليها، مع العمل المستمر على تطويرها. كما علّمني العمل تحت الضغط، إذ إن هذا النوع من المسلسلات يتطلب وتيرة تصوير مكثّفة وعددا كبيرا من المشاهد يوميا، ما يضع على عاتق الممثل مسؤولية كبيرة تمتد لأشهر طويلة.. إلى جانب ذلك، بنى لي علاقة جميلة مع الجمهور، ومنحني إحساسا أعمق بالمسؤولية تجاه خياراتي الفنّية المستقبلية، سواء في الأعمال التي أقدّمها أو الأدوار التي أجسّدها. وتعلّمت من نجاحه إلى أي مدى يمتلك المشاهد حساسية عالية تجاه الصدق، وتجاه التفاصيل الصغيرة الصادقة في أداء الممثل. وفهمت حجم المسؤولية الكبيرة التي يحملها الممثل تجاه الجمهور في كل عمل يقدّمه، وأدركت أكثر مدى تعلّق الجمهور، وكيف ينتظر ويشعر مع الممثل في كل مشهد. لذلك، بات من غير الممكن أن أخذله. وأكثر ما يهمّني أنا، حتى قبل التفكير بالجمهور، هو أن أكون صادقة مع نفسي في التمثيل، وأن أبحث دائما في داخلي عن الأدوات التي تمكّنني من تقديم أكبر قدر ممكن من الصدق في كل مشهد.

كيف تختارين أدوارك: بالقلب أم بالعقل؟
أختار أدواري بالقلب وبالعقل معا. عند قراءة أي نص جديد، أبدأ أولا باتّباع قلبي: هل أشعر بأن هذا الدور يناديني؟ وهل أرغب في تقديمه الآن؟ ثم يأتي دور عقلي، فأطرح على نفسي أسئلة تتعلّق بمسيرتي المهنية: ما مدى ملاءمة هذا الدور لي في الوقت الحالي؟ هل هو الخطوة الصحيحة؟ هل يختلف عمّا قدّمته سابقا أم يشبهه؟ وأين أرى نفسي في هذه المرحلة، وما الذي ينبغي أن أقدّمه اليوم؟ في النهاية، هو توازن بين القلب والعقل، وكلاهما حاضر في اختياراتي.
ما الشخصية التي لعبتِها وشعرتِ بأنها تشبهك أكثر من غيرها؟
في كل شخصية أقدّمها جانب يشبه شيئا في شخصيتي. وإن لم يكن هذا القاسم المشترك موجودا بشكل واضح، أعمل على البحث في داخلي لاكتشافه أو تطويره، كي أتمكّن من التقارب مع الشخصية التي أجسّدها.

كل المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
فستان من "جورج حبيقة" Georges Hobeika
مسلسلك "ليل" الــــذي يعـــرض حالــيــــا يحـــظــــى بمـتــابــعـــة كبيرة.. ما الذي شدّك إلى شخصيتك فيه؟
شدتني التجربة بحد ذاتها. فبعد "عروس بيروت"، أخذت استراحة من هذا النوع من المسلسلات الطويلة، لكنني شـعرت بأنني مستعدة للعودة من خلال هذا العمل، خصوصا لأن القصة المشوّقة أعجبتني منذ البداية، وأكثر ما شدّني كان هذا الدور الصعب الذي يحمل قسوة كبيرة، ويجسّد شخصية تعرّضت لاعتداء من شخص مقرّب. ذلك وضعني أمــام مسؤولـــيـــــة كبيـــــرة، وجــعـــلنـــــي أرغب في تقديم نموذج يشبه الكثير من النساء اللواتي يعشن هذه التجارب. كما أن الشخصية، نتيجة ما تمرّ به، تصل إلى حدّ اتخاذ قرار الانتحار، وهو ما يضيف بعدا آخر من الحساسية والتحدّي. أحببت الشخـــصــيــــة، وأحبـــبـــت العــمــــل ككل، بكــــل ممثليه وفريـــقــــه. وكان لدي حــمـــاس لتجـــربـــة تجمعني مع "محمود نصر"، وهو ما انعكس في الكيمياء التي لمسها الجمهور بيننا. كل هذه العوامل دفعتني للمشاركة، وأعتقد أن ذلك يظهر على الشاشة ومن خلال تفاعل الجمهور مع العمل.

كل المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
فستان بنفسجي من "بالنسياغا" Balenciaga
حدثينا عن أصعب مشهد صوّرته فيه؟
مشهد تسليمي ابنتي لوالدها، إذ لا شيء يفوق قسوة لحظة تفترق فيها الأم عن ابنتها، وهي تتخذ قرار إنهاء حياتها. كان هذا المشهد مؤلما للغاية. كما أن معظم مشاهد المواجهة بيني وبين "نجم" كانت صعبة. وهناك أيضا مشهد ضياع ابنتنا، حين لا نجدها، ثم نعثر على وشاحها ملطخا بالدم، وهو مشهد يحمل قدرا كبيرا من الحزن والصدمة يصعب تخيّله. عموما، كانت المشاهد المرتبطة بابنتي من الأصعب، خصوصا تلك التي وُضعت فيها شخصيتي أمام خيار قاسٍ بين أن تقتل "نجم" أو أن تتعرّض ابنتها للخطر.
أول ما اكتشفتُه عن نفسي بعد أن أصبحت أمّا هو تلك القدرة الكبيرة التي تمتلكها الأم، ليس فقط على حماية طفلها، بل على احتواء عالمه بالكامل. واكتشفت أيضا هذا الكمّ الهائل من الحب، حبّ يجعلني أرغب في أن أهب طفلتي كل شيء، قلبي وروحي. لقد تعرّفت إلى الحب بطريقة جديدة تماما.

كل المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
فستان أسود طويل من "غوتشي" GUCCI
غيّرت الأمومة نظرتي إلى الحياة بالكامل، ولم يكن ذلك تغييرا جزئيا أو محددا، بل تبدّلت الرؤية كلها. في السابق، كانت لديّ أهداف وأسباب متعددة أعيش من أجلها، أما اليوم، فأصبح هدفي الأساسي أن تكون ابنتي سعيدة، ومرتاحة، وفي أمان. في كل ما أفعله الآن، تكون ابنتي حاضرة في ذهني وقلبي. كما جعلتني الأمومة أكثر إحساسا بالمرأة عموما، وبالأم بشكل خاص، وبما قد تمرّ به من صعوبات في حياتها.
أولا، أنا أحترم كثيرا خصوصية الأشخاص من حولي، وأعتبر أن قراري بدخول هذا المجال وأن أكون شخصية معروفة هو قرار شخصي يخصّني وحدي. كما أؤمن بأن اهتمام الناس يجب أن يكون منصبّا على عملي، وعلى المشاريع التي أقدّمها، والفن والأدوار التي أشارك فيها. وإذا كان هناك فضول تجاه ما هو خارج هذا الإطار، فأنا أفضّل أن يبقى ضمن حدوده، لأنه جزء من حياتي الخاصة. في حياتي اليومية، أعيش بشكل طبيعي بعيدا عن أجواء النجومية، ولذلك أشعر بأن مشاركة حياتي الشخصية على وسائل التواصل ووضعها في متناول الجميع قد يهدّدان هذا التوازن الجميل الذي أحرص على الحفاظ عليه داخل منزلي.

كل المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
فستان من "روبيرتو كافالي" Roberto Cavalli
خلال الأشهر السبعة الماضية، كانت حياتي مليئة بضغط التصوير، وكنت أنام ما بين ست إلى سبع ساعات بحد أقصى، أستيقظ باكرا مع ابنتي، ثم أتابع يومي بين الدراسة والتصوير ضمن وتيرة مكثّفة. لذلك، من الضروري بالنسبة إلي، أن أعود بعد انتهاء التصوير للتركيز على نفسي وعلى نمط حياة أكثر توازنا. وذلك من خلال الحرص على الأكل الصحي، وأنا أحب الطبخ، خصوصا الأطباق اللبنانية. كما أحاول ممارسة الرياضة ثلاث إلى أربع مرات في الأسبوع، وهو ما يمنحني راحة كبيرة.
فلسفتي في الجمال بسيطة جدا: أن تكون المرأة مرتاحة مع نفسها، ومع شكلها وشخصيتها. هذا الشعور هو ما ينعكس جمالا حقيقيا. أما حول العناية بنفسي، فأبدأ بالرياضة التي أحرص على ممارستها، وأهتم بنظامي الغذائي، مع الاستمتاع بالطعام في الوقت نفسه لأنني أحبّه كثيرا. كما ألتزم بعناية مخصصة ببشرتي.
أسلوبك في الأزياء يوصف غالبا بالبساطة الراقية.. كيف تصفين علاقتك بالموضة؟
أتابع الموضة بالتأكيد، لكنني أشعر بأن لديّ أسلوبا خاصا بي منذ فترة طويلة، ولا أخرج عنه كثيرا. أواكب الصيحات، لكنني لا أتبنّى إلا ما أرى أنه يناسبني ويشبه شخصيتي، ويتماشى مع أسلوبي وطبيعة جسمي. وإن كانت القطعة رائجة، لا أرتديها إذا لم أشعر بأنها تعبّر عني. يمكنني القول إنني أتابع الموضة، لكن بما يتوافق مع هُويتي الشخصية.

كل المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
فستان متعدد الطبقات من "أردزاي" ARDAZEI
ماذا يعني لك التعاون مع دار "بولغري" Bvlgari كونك الوجه العربي لها؟
هذا التعاون مع يعني لي الكثير، خصوصا أنني أحببت قطع الدار منذ فترة طويلة، حتى قبل بدء هذه الشراكة. فمجوهراتها بالنسبة إلي خالدة. وبالعودة إلى أسلوبي الشخصي، أميل إلى القطع الكلاسيكية جدا، وأحب أن أقتني تصاميم يمكنني ارتداؤها اليوم أو بعد سنوات. وهذا ما أراه في "بولغري"، حيث تتميّز مجوهراتها وإكسسواراتها بطابع عابر للزمن يمكن اعتماده في أي وقت ولا تبطل موضته. كما أنني أحب أسلوب الدار في استخدام الأحجار الكريمة الملوّنة، وكيف تضفي إشراقة على الوجه، وتعطي المرأة المزيد من الأنوثة والجمال.
كيف تصفين فلسفة Bvlgari في الجمال والأنوثة؟
هي فلسفة فريدة، خصوصا بعد أن زرتُ مشاغل الدار الخاصة بالمجوهرات الراقية، والتقيت بالمديرة الإبداعية "لوتشيا سيلفيستري" في مكتبها، حيث اطّلعت عن قرب على عملية اختيار الأحجار الكريمة. وما لفتني هو أنها تختار كل حجر بعناية ليكون فريدا بحد ذاته، حتى ضمن اللون الواحد، حيث تتدرّج الألوان بتفاصيل دقيقة ومتنوعة. كل حجر مختلف، وكل قطعة فريدة. أي امرأة تتزين بقطعة من "بولغري" ستشعر بأنها مميّزة وفريدة.
عملت في السينما والدراما، أيهما يمنحك مساحة أعمق باعتبارك ممثلة؟
سواء في الدراما أو السينما، يحتاج الممثل إلى الغوص عميقا في الشخصية، والبحث في داخله لفهمها وتقديمها بأكبر قدر ممكن من الصدق. ما يميّز السينما هو العمل مع مخرج يمتلك رؤية واضحة ولغة خاصة وفكرة معيّنة يريد إيصالها من خلال الفيلم؛ إضافة إلى ما يمكن وصفه برفاهية الوقت، إذ تتاح للممثل فرصة التحضير لفترة أطول، والعمل على مشهد واحد أو اثنين في اليوم، مع إجراء بروفات مكثّفة مع المخرج وبقية الممثلين. هذه المساحة غير متوفّرة غالبا في الدراما التلفزيونية، حيث تكون وتيرة العمل أسرع وضغط التصوير أكبر. وهذا ما يجعل تجربة السينما ممتعة للممثل من هذه الناحية. ومع ذلك، في المجالين، يبقى الأساس هو قدرة الممثل على فهم الشخصية، وعيشها، وتقديمها بأسلوب حقيقي.

كل المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
فستان أسود طويل من "غوتشي" GUCCI
كيف ترين مكانة المرأة العربية اليوم في الصناعة الفنية؟
دورها أساسي. في الكثير من المشاريع المهمّة التي خرجت من العالم العربي ومثّلته على الصعيد الدولي، كانت هناك مواهب نسائية في القيادة، سواء على مستوى الإخراج أو الكتابة أو الإنتاج. نحن نلعب دورا محوريا في هذه الصناعة، ومن الجميل أننا أصبحنا نروي الحكايات أكثر فأكثر من منظورنا نحن.
إذا عدت 10 سنوات إلى الوراء، ما النصيحة التي ستقدمينها لنفسك؟
أقول لنفسي أن أبقى كما كنت، أن أعيش يومي بيومه، وأن أستمر في الحلم كما كنت أفعل. ولكنني أقول أيضا: لا تخافي، اندفعي بثقة، فأنت قادرة، وستصلين.

كل المجوهرات من "بولغري" BVLGARI
فستان أسود من "بلومارين" BLUEMARINE
ماذا تريد كارمن بصيبص أن تقول للعالم من خلال فنها؟
الأمر بسيط. من خلال فنّي، أريد أن أروي حكايات الناس، سواء من حولي أو في العالم عموما؛ حكايات المعاناة التي يعيشونها، والجروح التي يمرّون بها، والظلم الذي يواجهونه. هناك الكثير من القصص، خصوصا في منطقتنا، في لبنان، ولا سيما لدى النساء والأمهات. أشعر بأن هذه الحكايات لا تنتهي، ولا أريد أن أتوقف عن سردها، وعن إظهار معاناة الناس كما هي. ربما، مع بقاء الأمل، يمكن لهذا الفن أن يؤثّر أو يغيّر في مكان ما. أعلم أن الأمر ليس سهلا، لكن الفن أحيانا قادر على إحداث فرق، أو على الأقل تسليط الضوء على قضايا مهمّة. وأتمنى من خلال عملي أن أتمكّن من الإضاءة ونقل أوجاع الناس بصدق.