جائزة ريتشارد ميل للفنون في نسختها الـ5 ظلال تتمايل بين الشرق الأوسط واليابان

جائزة ريتشارد ميل للفنون في نسختها الـ5 ظلال تتمايل بين الشرق الأوسط واليابان

عدنان الكاتب
29 يناير 2026

اليابان: Adnan Alkateb

في مدينة Nikko اليابانية الهادئة، المعروفة بجمال أشجار السرو في غاباتها، ومعابدها التاريخية التي صنّفتها اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي، أمضيت يومين رائعين مع أسرة دار "ريتشارد ميل" Richard Mille ومتحف اللوفر أبوظبي، وحضرت الاحتفال بالذكرى الـ5 لجائزة "ريتشارد ميل" السنوية للفنون، التي يرافقها معرض "فن الحين" Art Here. وعشتُ تجربة مؤثرة لمست فيها عن قرب وقع الرعاية المستمرة، والثقة المؤسسية، والتبادل الثقافي الحقيقي على توجيه الفنانين، وتغيير مسارات حياتهم إلى الأفضل. وها هي جائزة "ريتشارد ميل للفنون" تتألق وتنمو في نسختها الـ5، لتصبح منصة تكرّم الفنانين، وتفتح لهم أبواب حضور عالمي ودعم طويل الأمد. وأفضل دليل على ذلك مشاهدة المرشحين النهائيين مجتمعين في اليابان.

"تيلي هاريسون"، "ريويتشي كوروكاوا"، "أماندا ميل"
"تيلي هاريسون"، "ريويتشي كوروكاوا"، "أماندا ميل"

احتفالية الجائزة انطلقت في أمسية رائعة في أحضان معبد "توشوغو" التاريخي، في أجواء من السكون والتأمل. وخلالها حضرنا سلسلة من عروض الأداء الفنّية، من بينها عرض رقص مسرحي وفق فن "بوتو" الياباني، إلى جانب غناء الفنانة اللبنانية كارلا شمعون. وفي اليوم التالي انتقلت الاحتفالية إلى سحر بحيرة "شوزنجي"، في موقع مصقول ببياض الثلج. وهناك تم الإعلان عن فوز الفنان الياباني "ريويتشي كوروكاوا" Ryoichi Kurokawa بجائزة "ريتشارد ميل للفنون" 2025، وقد حاز عمله الفائز بعنوان skadw تقديرا كبيرا لكونه استكشافا غامرا للظل باعتباره قوّة مادّية، لا مجرد منتج ثانوي للضوء. فمن خلال استخدامه للضوء والصوت والضباب والظل، حوّل هذا العمل التركيبي مفهوم الغياب إلى تجربة مكانية تكاد تكون ملموسة، بالاستلهام من مفهوم "ما" الياباني الذي يقدّر الفواصل والفراغ.

"أماندا ميل" Amanda Mille

شراكتنا مع متحف اللوفر أبوظبي تعريف حقيقي للنمو معا والإبداع معا

في هذه الرحلة، أتيحت لي فرصة إجراء حوارين حصريين مع "أماندا ميل" Amanda Mille، ابنة "ريتشارد ميل" Richard Mille ومديرة العلامة التجارية والشراكات في دار الساعات الفاخرة التي أسسها والدها، ومع "مانويل راباتيه" Manuel Rabaté، مدير متحف اللوفر أبوظبي، حول التعاون بين المؤسستين، وقصة الجائزة، وأهدافها، ومستقبلها.

          بالنسـبـــــة إلى "أمــانـــدا مـــــيل" Amanda Mille لم يكن التعاون مع متحف اللوفر أبوظبي مجرّد رعاية تقليدية: "عندما نقول شراكة، فإننا نعني شراكة بكل ما للكلمة من معنى. إنها الـتـعـــريـــــف الحقيــــقي للنمو معا والإبداع معا". وتــوضـــح أن فــكـــرة إطـــلاق جائزة فنية جاءت بشكل طبيعي نتيجة التعاون الوثيق مع القيادات الإقليمية في دار "ريتشارد ميل"، وتحـــديـــدا "بيتر وتيلي هاريسون"، اللذين يعرفان المنطقة جيدا، إضافة إلى النقاشات المشتركة حول تقريب العلامة التجارية من العالم الثقافي. وتضيف: "بالنسبة إلينا، شعرنا بأنه لقاء طبيعي". وفي جوهر هذا الانسجام، احترام عميق للخبرة. وشرحت لي "أماندا" دور العلامة التجارية في هذه العملية قائلة: "نحن لسنا قيّمين فنيين.. نحن نحب الفن، ويسعدنا أن ننخرط أكثر فأكثر في هذا العالم، ولكن هــذا لـــيـس عمـــلــنــــا. متـــحــــف اللوفر أبوظبي هم المحترفون. يعرفون تماما من يستحق الفوز، ونحن نثق بهم ثقة كاملة". وترى "أماندا" أن دعم الفنانين مسؤولية حقيقية، مؤكدة: "لو لم يكن لدينا الأشخاص المناسبون إلى جانبنا، لما كنا في المكانة التي نحن فيها اليوم. لذلك، فإن دورنا الآن، ونحن نأخذه على محمل الجد، هو أن ننمو مع الأشخاص الذين نختارهم، لينضموا إلى عائلتنا.

          هــــذه الـــجـــائــــزة الفنـــــــــيــــة هي أفـــضــــل وسيــــلـــــة لمـــضــاعــــفة الدعم والأدوات المقدّمة للفنانين".

          بالنظر إلى المستقبل، تدخل جائزة "ريتشارد ميل للفنون" مرحلة جديدة، مع توسّع معرض "فن الحين" إلى الهند في عــــام 2026، ثم إلى فرنسا في عام 2027. وأكدت لي "أماندا" أن: "هذه ليست النهاية. على العكس، إنها خطوة قوية إلى الأمام. لقد جددنا المشروع لـ5 سنوات أخرى". وفي ختام حديثها، أعادت "أماندا" التأكيد على فكرة بدت حاضرة في كل تفاصيل هذه التجربة: "النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بقدرتنا على فتح الطريق أمام الآخرين، ودعمهم ليصنعوا أحلامهم بدورهم".

صورة جماعية مع الفائز "ريويتشي كوروكاوا"
صورة جماعية مع الفائز "ريويتشي كوروكاوا"
"أماندا ميل"، عدنان الكاتب
"أماندا ميل"، عدنان الكاتب

Richard Mille

Richard Mille

Richard Mille

مدير التحرير عدنان الكاتب مع "تيلي هاريسون" المديرة التنفيذية لـ"ريتشارد ميل" في الشرق الأوسط وتركيا
مدير التحرير عدنان الكاتب مع "تيلي هاريسون" المديرة التنفيذية لـ"ريتشارد ميل" في الشرق الأوسط وتركيا
ومع الفائز بالجائزة "ريويتشي كوروكاوا"
ومع الفائز بالجائزة "ريويتشي كوروكاوا"
الفنانة اللبنانية كارلا شمعون
الفنانة اللبنانية كارلا شمعون

"مانويل راباتيه" Manuel Rabaté

هذه ليست النهاية بل خطوة قوية إلى الأمام

من جهته، وصف "مانويل راباتيه" Manuel Rabaté شعوره خلال الاحتفال قائلا: "أنا سعيد جدا. إنها لحظة ملـــيــئـــة بالمـــشاعر والفــخــــر. تبدو كأنها ثمرة دورة كاملة، و5 أعوام من العمل الدؤوب الذي بات صداه يتردد عالميا".

          وامتد الحوار المتعدد الثقافات هذا العام إلى اليابان عبر موضوع "الظلال"، وهو مفهوم يرى "راباتيه" أنه حاضر في الثــقــافتـــــيــــن اليابانية والعربية، سواء في عناصر معمارية مثل المشربية أو في اللغة البصرية. وقال لي: "بدا الموضوع منطقيا في كلا العالمين، وأردنا أن نقدم أفضل ما في كليهما على المستوى الإبداعي". وقد شدّد على استقلالية عملية الاختيار: "لست عضوا في لجنة التحكيم، وهذا أمر مهم. كل الاحترام أيضا لدار "ريتشارد ميل"، الشريكة والراعية لهذه المبادرة، فــقــــد طلبوا منا أن نؤدي عملنا المتحفي بحرّية كامـــلــة، وأنـــشــأنا لجنـــة تحكـــيــــــم دولية من قيّمين وجامعين وخبراء فنيين. دوري هو حماية استقلالية اللجنة حتى لا تتعرض لأي ضغوط". ومن بين أكثر من 400 عمل فني مطروح، عُرضت الأعمال المختارة في القائمة النهائية تحت القبة الشهيرة لمتحف اللوفر أبوظبي قبل اختيار عمل واحد للفوز بالجائزة. وقد ترأس لجنة التحكيم الشيخ زايد بن سلطان بن خليفة آل نهيان، رئيس تحالفات الاستدامة العالمية ومؤسس "أ.ع.م. اللامحدودة". ويضيف " مانويل": "ما نكافــــئـــه لــــيس الفـــنــــان وحـــده، بل العمل الفني: مدى انسجامه مع الموضوع، وحضـــوره في المساحة، وجماله، وأهميته لتاريخ الفن. وأعلم أن الاختيار كان صعبا جدا هذا العام".

"مانويل راباتيه" مع مدير التحرير عدنان الكاتب
"مانويل راباتيه" مع مدير التحرير عدنان الكاتب

          اليوم، لا تزال الأعمال المختارة من Art Here 2025 مـــعـــروضــــة تحت قبة متحف اللوفر أبوظبي، حيث تتحول هندسة المتــــحــــف إلى معرض مفــتــــوح وحـــيــــوي، يتـــفاعل فيه كل عمل مع الــمكان. ويقول "مانويل": "هذه المساحة الخارجية مفتوحة حتى منتصف الليل. يأتي الناس، يحتسون القهوة، يتجولون، ويشاهدون الأعمال الفنية. بعد ساعات عـــمـــل المتـــحـــف، يكـــــون الــــدخـــــول مجــانــيــــا. المـقــصـــــود هو الاستمتاع بالتجربة، وخصوصا في الليل. وقد جرى تمديد المعرض حتى أواخر يناير، وهو ما يتيح للزوار فرصة التفاعل مع الأعمال خلال أجمل فصول العام في أبوظبي".

          عند مغادرة اليابان، لم يكن أكثر ما بقي في ذاكرتي جمال المواقع أو رقي الاحتفال فقط، بل الصدق الكامن خلف كل ذلك. كان من المؤثر للغاية مشاهدتي الفنانين يتلقون دعما يمكن أن يغيّر مسار حياتهم المهنية بشكل فعلي، وهو ما يذكّرني بأهمية النزاهة والرؤية والأصالة في مبادرات الدعم، ليكون أثرها حقيقيا، وفعّالا، ودائما، وهذا ما لمسته شخصيا في مبادرة "ريتشارد ميل" Richard Mille.