المؤسس والمدير الإبداعي لـ"Not Borning" يزيد أبا حسين يتحدث لـ"هي" عن قصة "القناع الوردي" بالتعاون مع جمعية زهرة لسرطان الثدي
من الاحتفاء بعام الإبل إلى استلهام ثقافة النخيل والتمور، اعتادت علامة "نوت بورينج" Not Boring السعودية أن تعيد تقديم الثقافة المحلية بلغة بصرية قريبة من الجيل الجديد، تمزج فيها الهُوية السعودية بروح الشارع وجرأة التصميم. واليوم، يواصل مؤسس العلامة ومديرها الإبداعي يزيد أبا حسين هذا النهج بالتعاون مع جمعية زهرة لسرطان الثدي، في حملة تتجاوز اللون الوردي لتطرح قراءة مختلفة لقوة المرأة، وتؤكد أن الموضة قادرة على أن تكون جزءا من قضايا المجتمع، لا مجرد انعكاس لاتجاهاته.
لم تكن الثقافة السعودية بالنسبة إلى "نوت بورينج" مجرد مصدر للزخارف أو الرموز التقليدية، بل مادة إبداعية قابلة لإعادة الاكتشاف والتقديم بأسلوب معاصر. من الاحتفاء بعام الإبل إلى استحضار ثقافة النخيل والتمور، اشتغلت العلامة على تحويل عناصر متجذرة في الذاكرة المحلية إلى لغة بصرية شبابية، تستلهم أسلوب الشارع وتخاطب جيلا جديدا من دون أن تفقد صلتها بجذوره.
هذه القدرة على تقديم الموروث بروح مختلفة هي ما يمنح تعاونها مع جمعية زهرة لسرطان الثدي بُعده الأهم. فالفكرة لم تبدأ من اللون الوردي وحده، ولا من الرغبة في إطلاق قطعة مرتبطة بمناسبة توعوية، بل من البحث عن طريقة تجعل الرسالة أكثر قربا من المرأة السعودية، وأكثر تعبيرا عن قوتها وهُويتها.

هذا القرب الإنساني انعكس على المعالجة الإبداعية للحملة. فبدلا من الاستناد إلى الصور الحزينة التي كثيرا ما ارتبطت بالتوعية بسرطان الثدي، أراد أبا حسين تقديم صورة تحتفي بالمواجهة والعزيمة، وتضع المرأة في مركز الحكاية.

ويشرح فكرته قائلا: "لم نرد أن تكون المعالجة غربية أو أن ترتبط بالحزن فقط. نحن العرب لدينا قوة وعزيمة وإصرار إيجابي، وأردت أن يعكس التصميم هذه الروح؛ أن يذكّر المرأة بقوتها وقدرتها على مواجهة المرض، لا أن يختزلها في تجربتها معه".
من المرأة إلى المرأة
جاء التصميم ثمرة عمل مشترك بين أبا حسين وفريقه، بمشاركة رزان المساعد إحدى المصممات التي تعمل مع العلامة. وانطلق من مجموعة عناصر تجمع بين الأنوثة والجرأة والهُوية المحلية. فالوردي حاضر، لكن بدرجة جريئة تبتعد عن المعالجة التقليدية، فيما تضيف نقشة النمر العربي والجدائل والقناع طبقات من المعنى إلى التصميم.
يقول أبا حسين: "حرصت على أن يكون التصميم من المرأة إلى المرأة. عملت مع رزان وفريق التصميم على استلهام عناصر متعددة، من الوردي الجريء إلى نقشة النمر العربي والجدائل والقناع. لم نرد الاكتفاء بلون يرمز إلى الحملة؛ بل أردنا تصميما له شخصية ورسالة".

يحمل النمر العربي صلة واضحة بأرض الجزيرة العربية، فيما تستحضر الجدائل ملامح المرأة في المنطقة. أما القناع، فيستمد فكرته من المقاتلين والمصارعين وشخصيات الأبطال الخارقين، ليقدّم صورة للمرأة المناضلة، المستعدة للمواجهة، والقادرة على خوض رحلتها في تحدي سرطان الثدي بشروطها.
اللافت هنا أن الهُوية المحلية لا تظهر كإضافة جمالية، بل تشكّل أساس الفكرة. وهي مقاربة تتماشى مع ما اعتادت "نوت بورينج" تقديمه: أخذ عناصر مألوفة من الثقافة السعودية، وإعادة صياغتها بأسلوب معاصر، يمنحها حضورا جديدا في حياة الشباب وذائقتهم اليومية.
علامة أزياء، وموقف اجتماعي
في وقت تتنافس فيه العلامات على جذب الانتباه عبر الحملات والتعاونات، تبرز أهمية أن تكون للقصة قيمة تتجاوز الصورة.
ويؤكد أبا حسين أن تخصيص ريع التعاون بالكامل لجمعية زهرة كان جزءا أساسيا من الفكرة، قائلا: "كان من الطبيعي أن يذهب ريع التعاون بالكامل إلى جمعية زهرة. هذه مسؤولية مشتركة بين العلامة وفريق التصميم، ومن المهم أن يكون للعمل أثر حقيقي يعود بالنفع على المجتمع".

بهذا المعنى، لا تكتفي الحملة بالتفاعل مع قضية إنسانية لتقديم تصميم لافت، بل تربط الإبداع بمساهمة مباشرة في دعم جمعية زهرة ومساندة المستفيدات. وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية حين تأتي من علامة شابة تسعى إلى بناء هُويتها على التفاعل مع المجتمع، لا على مواكبة الموضة وحدها.
ويقول أبا حسين: "نحن علامة أزياء، لكننا أيضا علامة اجتماعية، من الناس وللناس، وجزء من المحادثة اليومية. نواكب ما يحدث حولنا ونتفاعل مع القضايا التي تهم المجتمع. لا نريد أن نكون علامة مملة أو محصورة في تصنيف واحد؛ نريد أن نقدم تصميما متقدما يحمل فكرة، لا أن نكتفي بالألوان أو بالشكل".
حين تصبح الهُوية لغة معاصرة
تقدّم تجربة "نوت بورينج" مع جمعية زهرة قراءة مختلفة لما يمكن أن تفعله الموضة حين تنطلق من ثقافتها وتفهم جمهورها. فمثلما أعادت العلامة تقديم رموز سعودية، من الإبل إلى النخيل والتمور، بلغة بصرية قريبة من الجيل الجديد، يأتي هذا التعاون ليمنح قضية إنسانية مساحة جديدة للتعبير، من خلال تصميم يستمد قوته من البيئة التي نشأ منها.

والأهم أن الحملة لا تجعل اللون الوردي محور الحكاية الوحيد، ولا تختزل المرأة في مرضها. بل تضع القوة والهُوية في المقدمة، وتتعامل مع التصميم باعتباره وسيلة للتواصل، قادرة على فتح حوار حول قضية تمس النساء والأسر والمجتمع بأكمله.
في النهاية، ما يجعل هذه التجربة جديرة بالاهتمام ليس ارتباطها بحملة توعوية فحسب، بل الطريقة التي تترجم بها "نوت بورينج" انتماءها إلى المجتمع: ثقافة سعودية تُقدَّم بروح جديدة، وتصميم له موقف، وعلامة تدرك أن التأثير الحقيقي يبدأ حين يجد الناس أنفسهم فيما ترتديه، وما تقوله، وما تختار أن تدعمه.
