1886 لا تكتفي بمزج التراث والحداثة في الثوب فقط حتى قطعها الأكثر حضورًا بالشارع، كهذا السترة الصوفية، تحمل

الثوب السعودي المعاصر: كيف يعيد الرجل السعودي تعريف الأناقة بين الأصالة والحداثة؟

30 سبتمبر 2026

لا تزال شريحة واسعة من الرجال السعوديين تكتفي بالثوب التقليدي كما عرفته الأجيال السابقة، بلا تغيير يُذكر في القصة أو التفاصيل.

لكن في المقابل، بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة موجة من العلامات السعودية الجديدة التي قررت أن تنافس بجدية على منصة أسبوع الأزياء في الرياض، حاملة معها إبداعًا وابتكارًا وحسًا فنيًا واضحًا، لتخطف الأضواء بأفكار لم تكن مطروحة من قبل بهذا الشكل.

صحيح أن الثوب، بوصفه لباسًا تقليديًا، لا يحتمل تغييرًا جذريًا في هيئته الأساسية، لكن ما تغيّر فعليًا هو رؤية هذه العلامات ولغتها الفنية في التعامل معه.

رفض بالأمس، احتفاء اليوم

هذا التوجه، وإن بدا جديدًا في زخمه الحالي، ليس أمرًا مستحدثًا بالكامل من حيث الفكرة.

فقد سبق أن ظهرت محاولات فردية لإعادة تفسير الزي الرجالي السعودي، خصوصًا في مدينة جدة، وقوبلت حينها بردود فعل متحفظة من المجتمع.

الفارق الجوهري اليوم أن هذه المحاولات باتت تُقدَّم برؤية فنية واضحة ومتكاملة، مدعومة بمنصة رسمية معترف بها عالميًا، ما جعلها تلقى قبولًا مجتمعيًا لم يكن متاحًا للتجارب السابقة.

1886: الشارع بلغة الفخامة

1886 لا تكتفي بمزج التراث والحداثة في الثوب فقط حتى قطعها الأكثر حضورًا بالشارع، كهذا السترة الصوفية، تحمل نفس الفلسفة المزدوجة هوية سعودية أصيلة داخل قالب أزياء عالمي معاصر
1886 لا تكتفي بمزج التراث والحداثة في الثوب فقط حتى قطعها الأكثر حضورًا بالشارع، كهذا السترة الصوفية، تحمل نفس الفلسفة المزدوجة هوية سعودية أصيلة داخل قالب أزياء عالمي معاصر

من أبرز الأمثلة على هذا التحول، علامة "1886"، التي أسسها فهد الجميعة وخالد الجماز خلال فترة دراستهما في لندن، وتطورت لتصبح واحدة من أكثر العلامات السعودية إثارة للاهتمام.

يقول فهد الجميعة، الرئيس التنفيذي للعلامة: "أزياء الرجل في السعودية تتطور بوتيرة مذهلة، تعكس إحساسًا جديدًا بالثقة الثقافية"، مضيفًا أن "الرجل السعودي اليوم يمزج بين قطع تقليدية كالثوب وعناصر عصرية كالجاكيتات أو الأحذية الرياضية، في حوار حقيقي بين التراث والابتكار".

خلف كل إطلالة على المنصة، عشرات الاختبارات والأسماء.. هكذا تُبنى مجموعة “1886” ق
خلف كل إطلالة على المنصة، عشرات الاختبارات والأسماء.. هكذا تُبنى مجموعة “1886” ق

وتحت قيادة المدير الإبداعي نيكولاس أوترستن، الذي عمل سابقًا مع دور عالمية مثل Acne Studios وKenzo، قدّمت العلامة مجموعات وصفها بـ"الفخامة الحضرية"، تمزج بين صرامة القصّات الكلاسيكية وروح الشارع السعودي المعاصر.

قرمز: "لو تبين تراثًا محفوظًا بلا تغيير، اذهب إلى المتحف"

كواليس ما بعد العرض.. لحظة تعديل الشماغ بروح استوديو قرمز، حيث تلتقي التفا
كواليس ما بعد العرض.. لحظة تعديل الشماغ بروح استوديو قرمز، حيث تلتقي التفا

أما عبدالرحمن العابد، مؤسس علامة "قرمز"، فيذهب أبعد من مجرد إعادة التفصيل، ويطرح فلسفة كاملة تجاه الزي التقليدي. يقول العابد بوضوح: "لو تبين ثقافة محفوظة تمامًا بلا تغيير، تفضل زُر المتحف الوطني.

في قرمز، إحنا نتطلع إلى 2050"، مضيفًا عن أسلوبه الشخصي: "أنا شخصيًا ما أحصر نفسي بأسلوب واحد. ألبس البشت، وأحب الشماغ، لكن ألبسهما بطريقتي أنا".

وتشتهر "قرمز" بالبشوت المصنوعة من وبر الجمل، وبـ"الجبّة" كنسخة أكثر تعقيدًا من الثوب التقليدي، وابتكرت أيضًا قطعة أطلقت عليها اسم "البشاية"، تمزج بين هيكل البشت وانسيابية العباءة.

ويُذكر أن المصممة العالمية ستيلا مكارتني، التي اختُتم بها أسبوع الأزياء في الرياض بعرض خاص، اشترت بنفسها ثلاث قطع من "جبّة قرمز" خلال زيارتها.

أما علامة "ميار"، فقدمت رؤية مختلفة، إذ أعادت تفصيل الثوب والجلابية والفروة بأقمشة الدنيم بمعالجات وألوان متعددة.

عمر عاشور: الثوب تجربة، لا مجرد قطعة قماش

يمتد الاهتمام بالتفصيل إلى أدق القطع.. حرفية لا تكتفي بالثوب نفسه، بل تطال كل إكسسوار مرافق له
يمتد الاهتمام بالتفصيل إلى أدق القطع.. حرفية لا تكتفي بالثوب نفسه، بل تطال كل إكسسوار مرافق له

وعلى الطرف الآخر من المشهد، تقدّم دار "عمر عاشور" نموذجًا مختلفًا تمامًا لإعادة تعريف الثوب، لا عبر الإنتاج الواسع، بل عبر تجربة شبه حصرية.

فبينما يستغرق شراء ثوب جاهز من أي محل ربع ساعة أو أقل، تمتد رحلة الحصول على ثوب من دار عمر عاشور إلى أسبوع أو عشرة أيام كاملة، تبدأ بجلسة تعارف واختيار للأقمشة والتصاميم داخل استوديو خاص تتجاوز قيمة قطعه الفنية وأثاثه مليون ريال سعودي، وتنتهي بتجربة قياس دقيقة تضمن ملاءمة الثوب لصاحبه تمامًا.

هذا النموذج يعيد تعريف الثوب من "قطعة ملابس يومية" إلى "تجربة حرفية مصممة خصيصًا"، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا أصبح الحديث عن الثوب المعاصر اليوم حديثًا عن هوية وتجربة، لا عن قماش وقصّة فقط.

حتى الهيئة الرسمية ترتدي التحول

“Eighteen Eightysix”.. حين يتحول اسم العلامة نفسه إلى بيان أزياء يُكتب على الظهر بثقة
“Eighteen Eightysix”.. حين يتحول اسم العلامة نفسه إلى بيان أزياء يُكتب على الظهر بثقة

ولعل أكثر ما يعكس عمق هذا التغيير أن تنفيذيين من هيئة الأزياء السعودية أنفسهم ظهروا خلال أيام أسبوع الأزياء في الرياض بالثوب والشماغ في مناسبات، وبالجاكيت الرسمي والبنطال في مناسبات أخرى، في مشهد يلخّص ازدواجية الهوية الجديدة: اعتزاز كامل بالزي التقليدي، وانفتاح كامل في الوقت نفسه على لغة عالمية معاصرة.

وقد حقق عرض واحد فقط من علامة "قرمز" ما يقارب 10 ملايين مشاهدة عبر منصات تيك توك وإنستغرام وإكس، وهو رقم يعكس حجم الاهتمام الحقيقي الذي بات يحظى به هذا التوجه، محليًا وعالميًا.

وربما هذا بالضبط ما يمنح الملابس التقليدية روحًا وطعمًا جديدين: ليس تغيير شكل الثوب نفسه، بل تغيير الرؤية التي يُقدَّم بها.

فحين تلتقي الحرفية التقليدية برؤية فنية واضحة، يتحول الثوب من مجرد زي يومي معتاد إلى وسيلة تعبير حقيقية عن هوية جيل كامل، يريد أن يفتخر بجذوره دون أن يتنازل عن طموحه العالمي.