الخوارزميات وأزمة الهوية الفردية في الموضة والعبايات: لماذا نرتدي جميعًا الملابس نفسها؟
ثمة شعور غريب يتكرر مع كل صيحة جديدة؛ تلمحينها للمرة الأولى في مكان بعيد تمامًا عنك، ثم لا تكاد تمر أسابيع حتى تجدينها عليك، وعلى من حولك، وكأن العالم كله بدأ يتنفس بالإيقاع نفسه، وفي اللحظة نفسها.
لاحظتُ هذا تحديدًا مع نقشة الـ"Polka Dots". ظهرت في أسابيع الموضة، وعلى إطلالات المؤثرات، وبعد أسابيع قليلة فقط، كانت في كل مكان: على الأحذية والملابس وإكسسوارات الشعر، حتى وصلت إلى العبايات نفسها. أما الدانتيل، الذي كان صيحةً قائمة بذاتها، سلك المسار نفسه تمامًا، ووصل هو الآخر إلى العبايات.
لم يعد هناك فاصل زمني يُذكر بين تحول شيء ما إلى صيحة في أي بقعة من العالم ووصوله إلينا؛ فالنقشة تنتشر كالحريق، ثم تخمد فجأة، تاركة وراءها شعورًا غريبًا بالملل، قبل أن تأتي نقشة أخرى لتكرر القصة نفسها من جديد.
لم تكن الـ"Polka Dots" وحدها؛ فقد سلكت نقشة الـ"Bambi Print" المسار نفسه تمامًا، وكذلك موجة "Bedazzling" التي غزت كل شيء تقريبًا: من الحقائب إلى الأحذية، وصولًا إلى تفاصيل العبايات. وكأن لكل صيحة المصير نفسه: ظهور مفاجئ، وانتشار سريع، ثم تراجع لا يقل سرعةً عن ظهوره. فلماذا نرتدي جميعًا الملابس نفسها، وبهذه السرعة تحديدًا؟
التشابه الذي يتجاوز الملابس إلى الهوية الكاملة

الأمر لا يتوقف عند قطعة ملابس أو نقشة عابرة. ففي يوم واحد، قد تصادفين خمسة أو ستة أشخاص بالتنسيق نفسه تقريبًا والحواجب نفسها والمكياج نفسه، وحتى لون الشعر نفسه.
ولم يعد هذا التشابه بصريًا فحسب؛ بل امتد إلى طريقة الحديث أيضًا، من العبارات الدارجة إلى أسلوب وصف الأشياء على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن الخوارزمية لم توحّد المظهر وحده، بل وحّدت اللغة أيضًا.
الانتماء الحقيقي الذي تمنحه الخوارزمية، لا القيد الوحيد الذي تفرضه
وهذا التشابه، بصراحة، يمنح شعورًا حقيقيًا لا يمكن إنكاره: الانتماء. فأن تشاركي آلاف الأشخاص الصيحة نفسها قد يمنحك إحساسًا صادقًا بالمشاركة، أقرب إلى الشعور بأنك جزء من لحظة جماعية منه إلى مجرد التقليد.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الانتماء إلى النمط الوحيد المتاح، حين يصبح الخروج عنه استثناءً يحتاج إلى تبرير، بدلًا من أن يكون خيارًا طبيعيًا، كما يفترض أن يكون.
مفارقة الـ"Thrifting": هروب من القطيع يصنع قطيعًا جديدًا

أوضح مثال على ذلك هو "Thrifting"، أو التسوق من المتاجر المستعملة. فالفكرة انطلقت أساسًا من رغبة صادقة في التفرد، والبحث عن قطع لا يملكها الآخرون، إلى جانب بُعد يرتبط بالاستدامة.
لكن حتى هذا المفهوم تحوّل اليوم إلى صيحة يتبعها كثيرون، أحيانًا من دون ارتباط حقيقي بالمعنى الذي بدأ منه. وهكذا، تحولت حتى محاولة الخروج من القطيع إلى قطيع جديد، يعيد إنتاج النمط نفسه الذي كانت تحاول الهروب منه.
في السعودية، ما زالت هذه الثقافة في بداياتها.. وهنا تكمن الفرصة لكن في السعودية تحديدًا، ما زالت ثقافة الـ"Thrifting" في بداياتها.

بدأت تظهر أسواق وتجمعات صغيرة، في الرياض وغيرها، يقصدها هواة القطع الـ"Vintage" والباحثون عن قطع نادرة، ولم يصل المشهد هنا بعد إلى موجة استهلاكية جماعية بالحجم الذي شهدته أسواق أخرى حول العالم.
وهذا تحديدًا ما يمنحنا فرصة نادرة: أن نتبنى هذه الثقافة منذ بدايتها، وبالمعنى الذي قامت عليه، قبل أن تصل إليها الخوارزمية وتحوّلها إلى نسخة أخرى من الشيء نفسه الذي حاولت الهروب منه.
وفي النهاية، يبقى السؤال بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: هل أختار هذا لأنه يعبّر عني فعلًا، أم لأنه ببساطة موجود في كل مكان؟

وربما هنا يكمن المعنى الأوسع للتفرد؛ فهو لا يتعلق بقطعة نادرة نقتنيها، ولا بصيحة نتعمد تجنبها، بقدر ما يتعلق بفكرة أعمق: أن يكون الاختيار انعكاسًا حقيقيًا للذات، لا استجابة سريعة لخوارزمية توزّع الذوق نفسه على الجميع في اللحظة نفسها.
وتجربتنا الناشئة مع الـ"Thrifting" في السعودية قد تكون أول اختبار حقيقي لهذا السؤال: هل سنكرر المسار نفسه الذي تكرر في كل مكان آخر، أم سنمنح هذه الثقافة فرصة لأن تحتفظ بمعناها الحقيقي هذه المرة؟