من مجموعة "روبرت ون" ‏Robert Wun‏ لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية

خاص هي- فن التحوّل.. كيف أصبحت الموضة شريكًا في صناعة الشخصية

14 أغسطس 2026

إعداد: Nora AlBesher

تتصدر نور ستارز وشقيقتها بنين ستارز غلاف عدد يوليو/أغسطس من مجلة هيَ، وقد رسختا حضورهما بقدرة لافتة على إعادة تشكيل صورتيهما مع كل ظهور. في كل جلسة تصوير أو حملة أو مشروع جديد، تبنيان هوية بصرية مختلفة تحمل مزاجها الخاص، ولغتها، وتفاصيلها، والطريقة التي تتواصل بها مع الجمهور. هذا النوع من التحول يفتح بابًا لفكرة أوسع كثيرًا من صناعة المحتوى نفسها؛ فكرة التحول بوصفها واحدة من أكثر العمليات الإبداعية تعقيدًا، وأحد المفاهيم التي قامت عليها الموضة منذ نشأتها.

من مجموعة "روبرت ون" ‏Robert Wun‏ لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة "روبرت ون" Robert Wun لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية

في السينما والمسرح، توجد مهنة كاملة تُبنى على هذه الفكرة: تصميم الأزياء للشخصيات، أو Costume Design. وعلى الرغم من حضورها الدائم أمام أعيننا، فإنها تبقى من أكثر الحرف التي تعمل في صمت. مهمتها لا تبدأ باختيار ما ترتديه الشخصية، بل بقراءة من تكون، ومن أين جاءت، وكيف عاشت، وما الذي تخفيه، وكيف ترى نفسها، وكيف يراها الآخرون، بعد ذلك تتحول هذه الأسئلة إلى ألوان، وخامات، ونسب، وتفاصيل، تحمل الشخصية إلى الحياة قبل أن تنطق بكلمة واحدة.

لهذا يعترف كثير من الممثلين بأن الشخصية تبدأ لحظة ارتداء أزيائها. يتغير إيقاع الحركة، وتتبدل الوقفة، وتصبح العلاقة مع الجسد مختلفة. قطعة واحدة قد تفرض طريقة جديدة للمشي، أو تمنح صاحبها إحساسا بالقوة، أو تضيف إليه هشاشة لم تكن موجودة قبل لحظات. هنا يصبح تصميم الأزياء شريكا في الأداء، لأن الشخصية لا تسكن العقل وحده، بل تحتاج إلى هيئة تقنع صاحبها قبل أن تقنع الجمهور.

موقع تصوير فيلم بواسطة: ‏ Getty images
موقع تصوير فيلم بواسطة: Getty images
د. شهد البهوش مصممة الأزياء السينمائية والمسرحية السعودية
د. شهد البهوش مصممة الأزياء السينمائية والمسرحية السعودية

تقول الدكتورة شهد البهوش، مصممة الأزياء السينمائية والمسرحية السعودية، لمجلة "هيَ" حصريا: "الأزياء الناجحة لا تغيّر شكل الإنسان، بل تغيّر الطريقة التي نقرأ بها شخصيته". وترى البهوش أن تصميم الأزياء يبدأ من الإنسان قبل الملابس؛ من عمره، وبيئته الاجتماعية، ومهنته، وحالته النفسية، والتجارب التي صنعت تاريخه. عندها تتحول الخامات، والألوان، وآثار الاستخدام، إلى أدوات سردية تحمل معنى دراميا، وتمنح الشخصية عمقها قبل أن تدخل المشهد.

وتضيف: "الزي يؤثر فعلا في أداء الممثل. عندما يرتدي ملابس الشخصية ويشعر بوزنها وخامتها وطريقة حــركتــها، يبدأ تلقائيا بالتفاعل معها". كما ترى البهوش أن تغيّر الوقفة، وإيقاع المشي، والإحـــســاس الـــداخلي بالأداء، كلها عناصر تبدأ أحيانا من الزي نفسه، حتى يصبح تصميم الأزياء جزءا من عملية التمثيل، لأنه يساعد الممثل على الدخول إلى الشخصــيــــة، ويمنح الجمهور فرصة لتصديقها منذ اللحظة الأولى.

هذه العلاقة تكشف حقيـــقــــة كثيرا ما تُختزل في عالم المـــوضـــة. فالأزياء لم تنشغل يوما بصناعة المظهر فحسب، بل بصناعة الشخصية. لهذا يبدأ كبار المصممين من السؤال نفسه الذي يبدأ منه المخرج أو الكـــاتب: من هو الإنـــسان الذي نحاول تقــديــــمه؟ كل مجــموعة ناجـــحـــة تمتــــلك بطلتــــها الخـــاصـة: امــرأة غامــضــــة، أو جريئة، أو حالمة، أو صــــارمة، أو رومــــانسية، ثم تتحول هذه الصفات إلى خطــــوط، وأحـــجـــــام، وإيقــــاعـــــات، حــــتى تصـــبح الشخصية مرئية.

من مجموعة ‏ ‏"روبرت ون" ‏ Robert Wun‏ ‏ لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة "روبرت ون" Robert Wun لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية

وتوضح البهوش أن العلاقة بين الموضة وتصميم أزياء الشخصيات تقوم على أسس مشتركة، مع اختلاف الغاية. وفي هذا تقول: "الموضة تهدف غالبا إلى التعبير عن أسلوب أو هُوية أو اتجاه جمالي، بينما تصميم أزياء الشخصيات يخدم القصة أولا". لهذا ترى أن نجاح الزي في الدراما لا يقاس بقدرة الجمهور على تذكر الملابس، ولكن بمدى إيمان الجمهور بالشخصية واندماجه معها، حتى تبدو حقيقية بمختلف تفاصيلها.

من هنا، تبدو عروض الأزياء الراقية أقرب إلى المسرح منها إلى منصات العرض. كل إطلالة تحمل سيرة غير مكتوبة، وكل خروج على المنصة يقدّم امرأة جديدة، لها مزاجها، وحضورها، وطريقتها في احتلال المكان. لا نتابع تبدل القصات والألوان بقدر ما نتابع ولادة شخصيات مختلفة، تروي كل واحدة منها حكاية مستقلة.

تزداد هذه الفكرة وضوحا حين نتأمل علاقة الإنسان بما يرتديه خارج الشاشة أيضا. نحن جميعا نمارس قدرا من التحول كل يوم، بدرجات متفاوتة. تختلف طريقتنا في الوقوف، وفي الحديث، وفي استقبال الآخرين تبعا للصورة التي نختار أن نقدم بها أنفسنا. المسألة ترتبط بإظهار جانب مختلف من الشخصية نفسها. الإنسان يحمل داخله أكثر من احتمال، والموضة تمنحه الوسيلة لإبراز كل احتمال في لحظته المناسبة.

من مجموعة ‏ إيلي صعب ‏ لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة إيلي صعب لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة ‏ "آشي ستوديو" ‏ Ashi Studio‏ ‏ لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة "آشي ستوديو" Ashi Studio لخريف وشتاء 2026 للأزياء الراقية

لهذا يصعب اختزال الموضة في اتجاهات موسمية أو صيحات عابرة. إنها لغة بصرية تترجم الأفكار، والمشاعر، والهُوية إلى صورة. ولهذا تستمر في مرافقة المسرح والسينما منذ بداياتهما، لأن الفن يعرف أن الشخصية لا تُكتب بالكلمات وحدها. ثمة تاريخ ينعكس في اللون، وسلطة تظهر في البنية، ورقة تتجسد في الحركة، وذاكرة تختبئ داخل أدق التفاصيل.

التحول الحقيقي يقوم على الإقناع. الممثل يقنعنا بأنه شخص آخر، والمصمم يقنعنا بأن هذه الشخصية لا يمكن أن تظهر بصورة مختلفة. وحين ينجح الاثنان، تختفي الحدود بين الإنسان والدور، وبين الخيال والواقع. عندها تتحول الصورة إلى تجربة كاملة، ويصبح من الصعب تخيل الشخصية خارج العالم الذي صُنعت له. ربما لهذا بقيت الموضة واحدا من أكثر الفنون ارتباطا بفكرة التحول. فهي تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نسخة أخرى من نفسه، وتعيد تعريف حضوره من دون أن تمحو هُويته. إنها تكشف وجها جديدا لشخص كان موجودا منذ البداية، ينتظر اللحظة المناسبة كي يظهر.

في النهاية، يجتمع التمثيل والموضة حول الحرفة نفسها. كلاهما يبحث عن الإنسان قبل أن يبحث عن الصورة. كلاهما يبدأ بالشخصية، ثم يبني العالم الذي يليق بها. وكلاهما يدرك أن أعظم أشكال التحول لا تحدث أمام أعيننا، بل تبدأ في الداخل، ثم تجد طريقها إلى الخارج، حتى تبدو طبيعية، وصادقة، وحقيقية إلى درجة تجعلنا ننسى أنها صُنعت بإتقان.

محرّرة في مجال الموضة والأزياء، تُعدّ من أبرز الأسماء في صحافة الموضة السعودية