من مجموعة "توري بورش" ‏Tory Burch‏ لربيع وصيف 2026 للملابس الجاهزة

خاص "هي"- من ثقافة الحركة إلى الأزياء الراقية: كيف أصبحت الرياضة لغة جديدة للفخامة؟

إعداد:‏ Nora AlBesher

في عام 1921، دخلت لاعبة التنس الفرنسية "سوزان لنجلن" ملاعب "ويمبلدون" بتنورة أقصر من المعتاد، وذراعين مكشوفتين، وحركة جسد بدت صادمة لذائقة اعتادت الأقمشة الثقيلة والانضباط الفيكتوري. تحدث الجمهور عن ملابسها بقدر حديثه عن ضرباتها، وكأن الجسد المتحرر من القيود كان الحدث الحقيقي. بعد قرن تقريبا، جلست "هايلي بيبر" في الصفوف الأمامية لعروض "سان لوران" SAINT LAURENT بسروال قصير وسترة رياضية فضفاضة، لتتحول القطعة التي ارتبطت يوما بالصالة الرياضية إلى صورة معاصرة للأناقة. هذا التحول من الصدمة إلى الإطلالة الأيقونية يلخص الرحلة الطويلة للموضة الرياضية.

من مجموعة "توري بورش" ‏Tory Burch‏ لربيع وصيف 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة "توري بورش" Tory Burch لربيع وصيف 2026 للملابس الجاهزة

الموضة بطبيعتها تعيد تدوير ما كان يُنظر إليه على أنه خروج عن الذوق العام، ثم تمنحه شرعية جمالية جديدة. غير أن الموضة الرياضية حملت منذ بدايتها معنى أعمق من مجرد تبدّل بصري. كانت مرآة لتحولات اجتماعية وثقافية مسّت علاقة المرأة بجسدها وحركتها ومكانها في الفضاء الــعــــام. حـــيـــــن بــــدأت "كـــوكـــــو شانــيـــــل" استـــخــــدام قـــماش "الجيرسيه" عام 1913 في دوفيل، وهــــو قماش ارتبط حينها بالملابس الداخلية والعملية والمـــــلابس الرجــــاليــــــة، كانت تعيـــد تعريف فكرة الراحة والأنــــاقـــــة معا. الجـــــسد لم يعد مشروعا للتقييد، وإنما مساحة للحركة والتنفس.

ومن هذا التحول تحديدا وُلدت الفكرة الحديثة للأزيـــاء الريـــــــاضيــــة: المــــلابــــس الـــتي تمنــــح الحرية من دون أن تتخلى عن الطابع الجمالي. في نهاية القرن الـ19، طالبت نساء الطبقة الأرستقراطية البريطانية بملابس تسمح لهن بركوب الدراجات ولعب التــــنـــس والمشـــــي بحـــــرية أكبر. الكورسيه كان يعيد تشكيل الجسد وفـــق معايير اجتماعية صـــارمة، والتــــنورة الطويـــــلـــــة كانت تربط الحركة بالأنــــاقة التقــليــدية. ومع الرياضة، ظهرت للمرة الأولى ملابس تُصمم انطلاقا من وظيفة الجسد نفسه. الرياضة فتحت ما عجزت السياسة عن فتحه بعد.

‏"سوزان لنجلن" 1921، تصوير: ‏PA Images‏ بواسطة ‏Getty images
"سوزان لنجلن" 1921، تصوير: PA Images بواسطة Getty images

قبل أن تدخل المرأة مجالات كثيرة من الحياة العامة، تجلى حضورها فيها أولا عبر الحركة.

ثم جاء التحول الأكبر في الثمانينيات والتسعينيات، حين تجاوزت العلامات الرياضية فكرة الأداء الرياضي لتبيع الهُوية والثقافة والصورة. "نايكي" NIKE و"أديداس" ADIDAS صنعتا عالما بصريا كاملا حول الحذاء الرياضي والملابس العملية، بينما حوّل "مايكل جوردان" الحذاء الرياضي إلى رمز ثقافي يتجاوز وظيفته الأصلية. لم يعد الحذاء مجرد أداة للركض أو اللعب، وإنما أصبح قطعة تعكس الانتماء والذوق والمكانة الاجتماعية.

وفي أواخر التسعينيات، ظهرت "لولوليمون" LULULEMON بوصفها جزءا من موجة جديدة ربطت الرياضة بثقافة العافية والرفاهية اليومية، وقدمت السروال الضيق الرياضي والملابس الرياضية بوصفها قطعا تستحق الحرفية والأقمشة الفاخرة، في لحظة مهّدت لصعود مفهوم الأناقة الرياضية ATHLEISURE الذي سيهيمن لاحقا على جزء واسع من صناعة الأزياء.

‏"هايلي بيبر" أثناء حضور عرض "سان لوران" ‏SAINT LAURENT‏ لربيع وصيف 2026‏
"هايلي بيبر" أثناء حضور عرض "سان لوران" SAINT LAURENT لربيع وصيف 2026

اليوم، تبدو الحدود بين الرياضة والفخامة شبه متلاشية. نادرا ما تمر مجموعة أزياء معاصرة من دون أثر واضح للخطوط ‏الديناميكية أو العناصر الريـــاضيــــة. حـــتى عــــالــــم الكوتــــــور، أكثــــر مساحات الموضة ارتباطا بالحرفة التقليدية، ‏فتح أبوابه لهذا التحول. في مجموعة "شانيل" ‏CHANEL‏ للهوت كوتور لربيع وصيف 2014، أرسل "كارل لاغرفيلد" ‏العارضات بأحذية رياضية صنعت داخل أتيليه "ماسارو" الباريـســــي العـــريق. استغرق تنفيذ كل زوج نحو 30 ساعة من ‏العمل اليدوي، وتحولت الأربطة إلى شرائط "أورغانزا"، فيما غُطي الحذاء بالتويد المطرز واللآلئ والكريستالات. الحذاء ‏الرياضي دخل الكوتور محتفظا بروحه العملية، لكنه اكتسب قيمة القطعة الفنية.‏

من مجموعة "شانيل" ‏CHANEL‏ لربيع وصيف 2014 للأزياء الراقية
من مجموعة "شانيل" CHANEL لربيع وصيف 2014 للأزياء الراقية
من مجموعة "شانيل" ‏CHANEL‏ لربيع وصيف 2014 للأزياء الراقية
من مجموعة "شانيل" CHANEL لربيع وصيف 2014 للأزياء الراقية
من مجموعة "شانيل" ‏CHANEL‏ لربيع وصيف 2014 للأزياء الراقية
من مجموعة "شانيل" CHANEL لربيع وصيف 2014 للأزياء الراقية

وفي السنوات الأخيرة، تسارعت الشراكات بين بيوت الفخامة والعلامات الرياضية بوتيرة غير مسبوقة. حين تعاونت ‏‏"برادا" ‏PRADA‏ مع "أديداس" لإعادة تقديم حذاء "سوبرستار" ‏SUPERSTAR‏ بجلد إيطالي فاخر، أو حين نقلت ‏"جاكموس" JACQUEMUS أحذية "نايكي" إلى منصات العروض الباريسية، كانت الموضة تعلن اكتمال دورة كاملة: الشارع يصعد إلى الفخامة، والفخامة تعيد تعريف الشارع بلغتها الخاصة.

ويُعد قطاع الأناقة الرياضية ـAthleisure اليوم من أسرع قطاعات الأزياء نموا عالميا، مدفوعا بتحولات ثقافية ترتبط بالراحة والحركة والعمل المرن وثقافة العافية، وهي تحولات جعلت الملابس الرياضية جزءا من الحياة اليومية المعاصرة، داخل الصالات الرياضية وخارجها.

من مجموعة "ستود" ‏Staud‏ لربيع وصيف 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة "ستود" Staud لربيع وصيف 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة ‏ ‏"ستيلا مكارتني" ‏ STELLA MCCARTNEY‏ ‏
من مجموعة "ستيلا مكارتني" STELLA MCCARTNEY لربيع وصيف 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة "ستود" ‏Staud‏ لربيع وصيف 2026 للملابس الجاهزة
من مجموعة "ستود" Staud لربيع وصيف 2026 للملابس الجاهزة

من قماش "جيرسيه" من "شانيل" إلى أحذية "نايكي × جاكموس"، بقيت الموضة الرياضية مرتبطة بفكرة واحدة تتكرر عبر الأجيال: وهي أن الأناقة الحقيقية تبدأ حين تتحرك المرأة بحرية، من دون أن تضطر للتخلي عن قوتها أو حضورها أو راحتها.

محرّرة في مجال الموضة والأزياء، تُعدّ من أبرز الأسماء في صحافة الموضة السعودية