خاص "هي": صياغة عصر الرياضة السعودية.. عبر الموضة
إعداد: Mashael Aldakheel
كان ثمة وقت التقت فيه الرياضة والموضة عند الهامش: ملابس رياضية خارج أوقات التمرين، أحذية تُعاد صياغتها، ولمسات خفيفة من الأداء تُدمج في الحياة اليومية. لكن اليوم، لم تعد الرياضة مكمّلا للموضة، بل أصبحت هي الموضة. ولا يظهر هذا التحول بوضوح وتسارع على ما هو عليه الحال في المملكة العربية السعودية. فما نشهده اليوم ليس مجرد صعود لمفهوم الأناقة الرياضية Athliesure "أزياء رياضية للرفاهية"، بل تحوّل إلى شيء أكثر عمقا: أزياء رياضية تمثل لغة ثقافية. تغيّرت القواعد. فبعدما كانت هذه الفئة من الأزياء تُلطّف الطابع العملي للملابس الرياضية لتناسب الحياة اليومية، أصبحت أزياء الرياضة اليوم أكثر حدّة ووضوحًا، وباتت تنقل الانضباط والهُوية والرمزية إلى قلب الفخامة وأسلوب الشارع وصناعة الصورة الوطنية.

الرياضة هي منصة العرض الجديدة والسعودية تنضم بقوة إلى هذا السوق العالمي
اللاعبــــون العالمـــيـــــون يــــدركـــــون ذلك. فـــقــــد أعــــــادت "أديداس" adidas ترسيخ حــضـــورهــــا في المنــــطـــقــــــة، وأسهمت بشكل فعلي في صياغة السرد المحلي. تعاوناتها داخل السعودية تعكس استراتيجية أعمق: الاندمــــاج في النـــسيــــــج الثـــقــافي للممـــلــــكة، والتقاطع مع مصممين ورياضيين ومبدعين يعيدون تعريف الأسلوب السعودي المعاصر.
هذا النهج ليس جديدا عالميا. فلطالما استكشفت تعاونات مثل تلك التي تقودها "ستيلا مكارتـــني" Stella McCartney العــــلاقـــــــة بين الرياضة والموضة الراقية. لكن في السعودية، يحمل هذا الحوار بُعدا أكثر إلحاحا. هنا، الرياضة ليست فئة، بل حركة وطنية. في قلب هذا التحول يأتي عامل الحجم.
تأتي استثمارات السعـــــــوديــــــة في الــــــــريـــــاضـــــــة مــــدفـــــوعـــــــة بــــــرؤيـــــــة الســـــعــــــودية 2030 الــــتي أعــــــادت تكريس مكانة المملكة بوصفها منصة عالمية. فالطريق نحو استــــضافة البطولات الكبرى، من كأس آسيــــا 2027 إلى طــــــمــــوحـــــات كأس العــــالـــــم، حيــــث تـــستــــــعـــــــــد المملكة لاستضافتها في 2034، لا يتعلق بالبنية التحتية أو بالمنافسة فحسب، بل بالصورة والهُوية والتأثير. وهنا، تصبح الموضة عنصرا أساسيا.

السعودية نحو اقتصاد رياضي حيوي مرتبط بالأزياء
ومن الآمن القول إن السعودية لا تواكب هذا التحول فحسب، بل تُسهم في تسريعه، لتصبح واحدة من أسرع أسواق الأزياء الرياضية نموا عالميا. والدليل ليس نظريا، بل ثقافيا ومرئيا ومؤثرا.
المشــهــــد على الأرض يــــوضــح ذلك. إطلاق علامة "كاف باي كاف" KAF by KAF في مركز الملك عبدالله المالي في 2024 لم يكن مجرد تدشين علامة، بل لحظة ثقافية. في قلب مركز الملك عبدالله المالي في الرياض، جمع الحدث أسماء بارزة من عالمي الرياضة والموضة، مؤكدا نوعا جديدا من التقاطع. لم يكن استضافة للاتجاهات، بل إنتاجا لها.
تلت هذه اللحظة تعاونات عديدة برؤى مختلفة مع مصممي الأزياء السعوديين لتعمّق السرد.. فقدّمت لمياء العطيشان، المديرة الإبـــــداعــــيـــة لعلامة "لي بنجامين" Les Benjamins، تعـــــاونا مع "أديداس" لتصميم حذاء كرة قدم مستوحى من نقوش السدو. لم يكن ذلك استلهاما سطحيا، بل ترجمة حقيقية للتراث إلى أداء، فأصبحت الهُوية السعودية جزءا من بنية الرياضة نفسها.
وفي هذا السياق، تقول لمياء لمجلة "هي": "أزياء الرياضة تُعد من أكثر الفئات صدقا التي يمكن للمصمم الدخول إليها، لأنها تقع عند تقاطع الوظيفة والثقافة والطموح. بالنسبة للمصممين السعوديين، هذا التحول طبيعي جدا. نحن ننتمي إلى منطقة تعيش تحولا سريعا، حيث تتطور مفاهيم الرفاهية والحركة والهُوية في الوقت ذاته. وهي طريقة رائعة لإبراز المواهب التي نملكها وتعريف العالم بثقافتنا".
وتضيف: "بالنسبة إلي، أشعر بأن هذا التطور عضوي جدا. لقد تحولت أزياء الرياضة إلى فئة تعكس كيف يتحرك الناس في حياتهم اليومية. المصممون السعوديون جزء من جيل يعيد تعريف الإبداع مـــن خـــــلال عـــــدســــــة ثقـــافــيــــة جديدة، لذلك فإن الــــدخــــول إلى مساحة تقدّر الوظيفة والتعبير معا يبدو خطوة طبيعية جدا".

تصاميم الأزياء وثقافة الحضور للتشجيع
امتد الزخم أيضًــــا إلى ثــــــقــافـــــــة الأنـــــــدية. فــــقــــد قــــــدّم نــــــــــادي النصر Al Nassr FC، بالتــــــعــــــاون مع "أديداس" والمــصــمــــــمــــة السعودية "نورة آل شيخ"، تصـاميــــم مخصـــصــــة لمشجــعــــات الفــــريـــق في خـــطـــــوة تعـــكـــس تحولا في المنتج والرؤية. لم تعد المشجعة متلقية، بل صانعة للهُوية البصرية لكرة القدم.
وفي هـــذا الإطــــار، تقـــول نورة لمجلة "هي": "هذا النوع من التعاون يخلق تأثيرا على مستويات عدة. اقتصاديا، يسهم في نمو القطاع الإبـــــداعــي في السعــــــوديـــــــة من خـــــلال فتــــــح فــــــرص أكبر للمواهب المحلية، والإنتاج، والتنسيق، والإعلام، وعالم الأزياء ليكونوا جزءا من الحــــوارات العــــالمـــيـــــة. كما يثـــــبت أن المستهــــلكين والمبدعين السعوديين لا يشاركون في الثقافة فحسب، بل يؤثرون فيها".
وتضيف: "بالنسبة إلى علامتي، مثل هذه التعاونات تساعد في تموضعنا ضمن حوار دولي أوسع، مع الحفاظ على هُويتنا. إنها طريقة لدمج الموضة والثقافة والسرد القصصي بأسلوب معاصر وذي صلة، مع بناء حضور وثقة لدى جمهور أوسع".

مبادرات أزياء على مستوى وطني
وعلى مستوى المؤسسات، بدأ هذا التقاطع يأخذ طابعا رسميا، إذ أطلـــقـــت جمعـــيــــة الأزياء المهنــــية مبادرات مثل مسابقات تصميم قمصان نادي العلا لكرة القدم، لربط الرياضة بأحد أهم المواقع الثقافية في المملكة. وهذا يعكس استثمارا طويل الأمد في المواهب المحلية، لضمان أن أزياء الرياضة السعودية تُصمَّم من الداخل، ولا تُستورد من الخارج.
ما يجمع هذه اللحظات كلها هو النية. فالسعودية لا تتبنى نموذج أزياء الرياضة العالمي، بل تعيد تعريفه. كل تعاون، وكل إطلاق، وكل مبادرة تؤكد أن الرياضة في المملكة لا تُمارس فحسب، بل تُصمَّم وتُروى وتُصدَّر. ويتجلى هذا التحول في هُوية الأندية. لم تعد الفرق مجرد كيانات رياضية، بل علامات أسلوب حياة. لم تعد المنتجات مخصصة ليوم المباراة فحسب، بل للحياة اليومية. تُنسّق القمصان مع أزياء مفصلة، وتُرفع قيمة البدلات الرياضية بإكسسوارات فاخرة، وتتنقل الأحذية الرياضية بين الملاعب وصفوف العروض الأولى.

أما الرياضيون أنفسهم، فقد أصبحوا رموزا ثقافية. لم يعد تعريفـــهـــم يقتــــصر على الأداء، بل يمتد إلى الحملات الإعلانية والسرديات البصرية. وباتوا يمثلون جيلا جديدا يعبّر عن تقاطع الرياضة مع الهُوية والطموح والأسلوب.
هذا التحول يعكس عقلية جيل جديد، جيل لا يفصل بين الرياضة والثقافة. بالنسبة إليه، الأسلوب هو أداء، والأداء هو أسلوب.
تفاعل علامات الأزياء في التعاونات الرياضية وإدراجها في مجموعاتها
وقد تفاعل أسلوب الشارع مع هذا التحول. لم تعد الأزياء الرياضية مجرد خيار للراحة، بل تحولت إلى رفاهية وهُوية رياضية واضحة. الأقمشة التقنية تُبرَز بدل أن تُخفى، والشعارات تُضخَّم بدل أن تُقلَّص، والتصاميم تستلهم الحركة والسرعة والدقة. لم يعد الأمر يتعلق بالبساطة بل بالقصد.

يقـــول فـــهــــد الجمــيــعـــــة، الـشــــريـــــك المــؤســــس لعلامة 1886 التي حظيت باهتـــمــام عالـــمي من المستــثــمــريـــــن، وهي من العــــلامات التي تعاونت مع دار "أديداس" في تصميم حذاء رياضي ظهر على منصة عرض أسبوع الأزياء في الرياض: "يشهد قطاع الأزياء الرياضية في السعودية نموا متسارعا مدفوعا بتغير نمط الحياة وزيادة الوعي الصحي. هذا القطاع أصبح جزءا من التحول الاقتصادي في رؤية 2030 من خلال دعم التصنيع المحلي".
ويضـيف لمجــلـــة "هي": "كما يسهــــم هذا النـمو في خلق فرص عمل وتوسيع مجالات التصميم والتجارة والابتكار في المنتجات. ومع توسع الرياضة بوصفها ثقافة يومية، يتحول هذا القطاع إلى ركيزة مهمة في اقتصاد المملكة".
وفي السعودية، لهذا القصد معنى أعمق: الرياضة اليوم أصبحت قوة ناعمة تشكل الصورة، وتبني رأس المال الثقافي، وتعبّر عن الهُوية عالميا. والموضة هي لغتها البصرية التي تحوّل الطموح إلى صورة، والاستراتيجية إلى أسلوب.
اقتـــصـــاد الرياضة السعودي، إذا، لا يتعلق بالنمو فحسب، بل بالريادة في السرد. ومع استمرار المملكة في مسارها نحو استضافة الأحداث العالمية، سيزداد هذا التكامل بين الرياضة والموضة عمقا. ما نشهده اليوم هو بداية مرحلة طويلة، حيث تعمل الرياضـــة والموضة والثقافة بوصفها واحدة. تغيّرت منصة العرض، فلم تعـــد تحـــضــــر في عـــواصـــم المــوضـــة فحسب، بل في الملاعب، والحمــــلات، وخــــزائن جيل جديد. والسعودية لا تسير على هذا النهج فحسب، بل تعيد تعريفه.