السجادة التي تطلب أكثر من الأناقة...لماذا يبقى مهرجان كان موطن الفساتين الضخمة

السجادة التي تطلب أكثر من الأناقة...لماذا يبقى مهرجان كان موطن الفساتين الضخمة

حين تصل الموضة إلى "كان" تتغيّر قواعد السجادة الحمراء بالكامل. المهرجان لا يتعامل مع الأزياء كامتداد للبروتوكول، وإنما كجزء من الصورة السينائية نفسها. السلالم الشهيرة لقصر المهرجانات تحمل طبيعة مسرحية خاصة؛ مساحة طويلة، مرتفعة، مكدّسة بعدسات المصورين، ومبنية على فكرة الصعود البصري التدريجي. لهذا السبب تحديداً، تصبح الفساتين الضخمة والدرامية اللغة الأكثر حضوراً هناك. ليست مسألة ذوق فردي، وإنما استجابة بصرية لهندسة المكان، ولطبيعة الحدث، وللصورة التي يصنعها “كان” عن نفسه منذ عقود.

في حفلات الجوائز الأخرى، تظهر بدلات التوكسيدو، التصاميم القصيرة، أو الإطلالات المفاهيمية بوصفها خيارات قابلة للحياة. أما في مهرجان مهرجان كان السينمائي، فالأمر مختلف. السجادة الحمراء هناك تدفع النجمة نحو فكرة “الظهور الكامل”. كل شيء في المكان يطلب الامتداد: الدرجات الطويلة، حركة الفستان أثناء الصعود، الرياح القادمة من البحر، الحشود، الفلاشات، البث العالمي المباشر، والصور التي تعيش لعقود داخل أرشيف الموضة والسينما معاً. هكذا يصبح الـgown أكثر من قطعة؛ يتحول إلى أداة استحواذ بصري.

العارضة "اليساندرا امبروزيو" بفستان من Stephane Rolland. الصورة من AFP
العارضة "اليساندرا امبروزيو" بفستان من Stephane Rolland. الصورة من AFP

الفساتين في “كان” تحمل وظيفة تجارية هائلة أيضاً. المهرجان يأتي مباشرة قبل موسم الأزياء الراقية الصيفي، وفي لحظة دقيقة تستعد فيها الدور لتغذية الطلب على المناسبات الفاخرة، الأعراس، السهرات، وخزائن العميلات فائقـات الثراء. ظهور فستان واحد على درجات “كان” قادر على تحويله إلى صورة عالمية خلال ساعات. هنا، يتحرك الاقتصاد البصري للموضة بأقصى طاقته: ملايين المشاهدات، انتشار فوري عبر TikTok وInstagram، إعادة نشر من المنصات الإعلامية، ثم دخول القطعة إلى دورة الرغبة الاستهلاكية. حتى النساء اللواتي لن يشترين نسخة الكوتور الأصلية، يستهلكن الفكرة نفسها عبر السوق التجاري الواسع: القصّات، الأقمشة، الألوان، التطريزات، والنسخ المعدّلة.

الممثلة الهندية "اشواريا راي" بفستان من تصميم Gaurav Gupta. الصورة من AFP
الممثلة الهندية "اشواريا راي" بفستان من تصميم Gaurav Gupta. الصورة من AFP

لهذا تتعامل دور الأزياء مع “كان” كمنصة استراتيجية شبه موازية لعروض الأزياء نفسها. دار مثل Dior تدرك أن فستاناً واحداً على نجمة مناسبة قادر على ترسيخ صورة كاملة عن الأنوثة التي تريد بيعها هذا الموسم. "سكياباريلي" تستخدم المهرجان لتغذية حضورها النحتي والسريالي أمام جمهور جماهيري أوسع من جمهور الكوتور التقليدي. أما "شانيل" فتتعامل مع “كان” كامتداد عضوي لعلاقتها التاريخية بالسينما الفرنسية، حيث تبدو الفساتين أقرب إلى صورة سينمائية متحركة منها إلى إطلالة سجادة حمراء عابرة.

من مجموعة Schiaparelli ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Schiaparelli ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Schiaparelli ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Schiaparelli ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Schiaparelli ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Schiaparelli ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Dior ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Dior ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Dior ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Dior ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Dior ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Dior ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة Dior ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة CHANEL ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

المثير أن “كان” أيضاً يفرض على النجوم نوعاً محدداً من الأداء الجسدي. الفستان هناك لا يُرتدى فقط، وإنما يُقاد. طريقة الإمساك بالذيل، الالتفات نحو الكاميرات، التوقف على الدرج، وحتى سرعة الحركة، كلها عناصر تتحول إلى جزء من المشهد. لذلك تميل النجمات إلى التصاميم التي تخلق أثراً حركياً واضحاً: طبقات التول، الأقمشة المنسدلة، الكابات الطويلة، الأحجام الضخمة، أو الكورسيهات التي تنحت الجسد بصرياً. إنها لغة تقوم على فكرة “الهيمنة الهادئة”؛ صورة ضخمة تحتفظ برقيها حتى في أقصى درجات الاستعراض.

وفي نسخة 2026 تحديداً، يبدو المشهد مهيأً لعودة أكبر نحو الدراما. المزاج العام في الموضة يتحرك بعيداً عن سنوات الفخامة الصامتة والتقشف البصري. الرومانسية الداكنة، البناء المسرحي، التفاصيل الحرفية الثقيلة، والعودة إلى الصورة المبالغ بها، كلها تتصاعد بقوة على منصات ربيع وصيف 2026. وهذا يجعل “كان” البيئة المثالية لانفجار هذه اللغة بصرياً.

ومن المرجّح أيضاً أن يحمل مهرجان كان السينمائي هذا العام حضوراً عربياً مكثفاً على مستوى الأزياء، تحديداً من المصممين الذين بنوا علاقتهم مع السجاد الأحمر على مفهوم التأنق الحاد والصورة المسرحية المكتملة. الذائقة الشرقية تخدم “كان” بصورة شبه مثالية؛ لأنها تقوم تاريخياً على الفخامة البصرية، الحرفة اليدوية الثقيلة، إبراز القوام، والقدرة على تحويل الفستان إلى مشهد قائم بذاته. هذه العناصر تحديداً هي ما تحتاجه درجات “كان” الطويلة، حيث تتحول الحركة إلى جزء من العرض.

من هنا، يبدو حضور إيلي صعب متوقعاً بقوة، خاصة مع لغته المعروفة في صناعة الأنوثة اللامعة والتطريزات التي تلتقط الضوء من أول خطوة. كذلك، يحمل جورج حبيقة إرثاً واضحاً مع السجاد الأحمر يقوم على الأحجام الدرامية والبناء الحالم، فيما يواصل إيليو أبو فيصل تقديم صورة أكثر جرأة وحداثة للأنوثة الشرقية، بخطوط منحوتة ولمعان حاد يناسب طبيعة المهرجان البصرية. أما كريكور جابوتيان، فيتحرك داخل مساحة رومانسية مترفة تعتمد على العمل اليدوي الكثيف والتفاصيل التي تعيش أمام الكاميرا.

من مجموعة ايلي صعب ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة ايلي صعب ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة ايلي صعب ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة ايلي صعب ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة جورج حبيقة ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة ايليو ابوفيصل ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية
من مجموعة ايليو ابوفيصل ربيع و صيف 2026 للأزياء الراقية

الحضور السعودي أيضاً يبدو مرشحاً للاتساع هذا العام، خصوصاً مع تصاعد حضور المصممات السعوديات على السجاد الأحمر العالمي خلال السنوات الأخيرة. تصاميم وعد العقيلي تحمل حساً درامياً واضحاً في التعامل مع الحجم والبنية، بينما تواصل إيمان العجلان ترسيخ صورة الفستان بوصفه مساحة للفخامة الشرقية المترفة والمطرزة بدقة عالية. كذلك، تبدو لغة هنيدة الصيرفي منسجمة مع المزاج السينمائي لـ“كان”، خاصة في مزجها بين الحضور الملكي والروح المعاصرة.

من تصاميم المصممة السعودية وعد العقيلي
من تصاميم المصممة السعودية وعد العقيلي 
من تصاميم المصممة السعودية وعد العقيلي
من تصاميم المصممة السعودية وعد العقيلي 
من تصاميم المصممة السعودية وعد العقيلي
من تصاميم المصممة السعودية وعد العقيلي 
من تصاميم المصممة السعودية وعد العقيلي
من تصاميم المصممة السعودية وعد العقيلي 
من تصاميم المصممة السعودية وعد إيمان العجلان
من تصاميم المصممة السعودية وعد إيمان العجلان
من تصاميم المصممة السعودية وعد إيمان العجلان
من تصاميم المصممة السعودية وعد إيمان العجلان

 

كذلك، قد يشهد المهرجان موجة واضحة من الفساتين المعدنية والسطوح العاكسة، امتداداً لصعود فكرة “الجسد كمنحوتة” التي سيطرت على أجزاء واسعة من عروض 2026. خامات لامعة، تطريزات تشبه الدروع، وكورسيهات حادة تستحضر صورة المرأة بوصفها أيقونة بصرية أكثر من مجرد نجمة تمر أمام الكاميرات. ومن المرجح أيضاً أن تعود الرقبات العالية، القفازات الطويلة، والكابات الملكية، مع تصاعد الرومانسية الفيكتورية داخل الموضة المعاصرة.

حتى الألوان ستتحرك ضمن هذا المزاج المسرحي: الأسود الحالك، الأحمر القاني، الذهبي المؤكسد، الأبيض النحتي، ودرجات الأزرق الليلي. ألوان تحمل كثافة سينمائية وتُقرأ بوضوح تحت أضواء التصوير العنيفة. أما الورود ثلاثية الأبعاد، الريش، والطبقات الشفافة، فستظهر بوصفها أدوات لصناعة الحركة داخل الصورة، وليس مجرد زينة سطحية.

في النهاية، يبقى “كان” آخر السجاد الأحمر الذي ما زال يؤمن بفكرة الحلم الكبير. زمن السرعة الرقمية دفع كثيراً من المناسبات نحو الواقعية والبساطة والبحث عن “الإطلالة القابلة للاستهلاك السريع”. أما “كان”، فما زال يطلب من الموضة أن تكون حدثاً قائماً بذاته. لذلك تظل الفساتين هي الملكة الحقيقية هناك؛ لأنها القطعة الوحيدة القادرة على احتلال الدرجات، والصورة، والذاكرة، في اللحظة نفسها.

محرّرة في مجال الموضة والأزياء، تُعدّ من أبرز الأسماء في صحافة الموضة السعودية