خاص "هي": مشروع التخرّج "أهزوجة"يستعيد العرضة النجدية بلغة تُرتدى

خاص "هي": مشروع التخرّج "أهزوجة" يستعيد العرضة النجدية بلغة تُرتدى

سارة العجمي
25 يناير 2026

ضمن مشاريع التخرّج لطالبات جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن؛تخصص تصميم الأزياء والنسيج، قدّمت المصممتان الصاعدتان شريفة المبارك وأمجاد باوزير مشروعهما "أهزوجة" بوصفه قراءة معاصرة للعرضة النجدية، تستند إلى البحث التاريخي والحِرفي، وتُترجم رموزها إلى أزياء ومجوهرات تُرتدى اليوم وتحمل الهيبة ذاتها.
جاء المشروع متقاطعًا مع عام الحِرف اليدوية، ليؤكد على أهمية العمل اليدوي بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء الهوية البصرية، لا مجرد تفصيل جمالي.

من الأهازيج الشعرية التي كانت تُلهب حماس المحاربين وتوحّد الصفوف، إلى رقصة وطنية تعبّر عن الشجاعة والانتماء، شكّلت العرضة النجدية أحد أعمق الرموز الثقافية في الذاكرة السعودية. ومن هذا الإرث، انطلق مشروع "أهزوجة" ليعيد قراءة عناصر العرضة؛ الإيقاع، الأدوات، الحركة، والزي، ويحوّلها إلى لغة تصميم معاصرة تحترم الأصل من دون نسخه.

التراث بوصفه بنية تصميمية

لم يتعامل المشروع مع العرضة النجدية كمرجع شكلي، بل كمصدر بنيوي للفكرة. جرى تفكيك عناصرها الأساسية وإعادة صياغتها عبر الخطوط، القصّات، والخامات، بحيث تحضر الرمزية في التكوين نفسه، لا في الزخرفة المباشرة.صمّمت كل مصمّمة ثلاث قطع أزياء، إلى جانب قطع مجوهرات مكملة، لتشكّل الأعمال معًا رؤية متكاملة تربط بين الأزياء والحِرفة والهوية.

المجوهرات: رمز الصفّ والوحدة بلغة معاصرة

ضمن مشروع "أهزوجة"، لم تُقدَّم المجوهرات بوصفها عنصرًا مكمّلًا فحسب، بل كجزء أساسي من السرد البصري المرتبط بالعرضة النجدية. من أبرز القطع؛ طقم من حلق وعقد باسم "مهابة"، المصنوعة من النحاس، تجسدمفهوم تلاحم الصفوف ووحدة الصف في العرضة، حيث استُخدمت الخطوط الطولية المتقاربة لتعكس صورة الرجال مصطفّين في أداء جماعي يحمل القوة والانسجام.

أُضيف الخرز الأخضر إلى التصميم بوصفه رمزًا للعَلم، في إشارة مباشرة إلى الهوية الوطنية وأهميتها داخل صفوف العرضة النجدية، ليس كرمز بصري فقط، بل كقيمة معنوية حاضرة في الذاكرة الجماعية.جاءت القطعة بأسلوب معاصر وبناء هندسي واضح، يحافظ على رمزية الأصل، ويعيد تقديمها بلغة مجوهرات حديثة تؤكد أن الحِرفة قادرة على حمل المعنى، لا تزيينه فقط.

طقم حلق وعقد باسم مهابة من مشروع أهزوجة
طقم حلق وعقد باسم مهابة من مشروع أهزوجة

Al-Takhmīr: حين يتحوّل الإيقاع إلى قصّة تُرتدى

إحدى أبرز قطع المشروع حملت اسم “Al-Takhmīr”، وهي بدلة "بليزر" طويلة من الكتان الإندونيسي ذو اللون الأسود بقصة غير متماثلة مع كولة تُمثل "مطرقة الطبول"، تلتقي مع قصة دائرية تمثل "طبول التخمير" بالعرضة النجدية، كما تخرج من تحت الكولة أهداب الطبول إشارة ايقاع للقرع، يزين حواف العباءة بتطريز مستوحى من تطريز ازياء العرضة النجدية، كما اضيف للبدلة حزام اسود لإحدى مكملات أزياء العرضة النجدية "الحزام" او الجنبية".

فستان التخمير من مشروع أهزوجة
فستان التخمير من مشروع أهزوجة

فستان السيف: حين تتحوّل القوة إلى خطّ تصميمي

تحمل هذه القطعة عنوان "السيف" وجاءت كفستان رسمي طويل من الكريب الكوري باللون الأبيض السكري، بُني على قصّات طولية تتخللها فتحات جمالية دقيقة، تمنح التصميم حركة وانسيابية محسوبة. من هذه القصّات، ينساب تطريز بخيوط ذهبية يحاكي حركة عرض السيوف في العرضة النجدية بين الصفوف، ليحوّل الإيقاع الحركي إلى عنصر بصري حيّ داخل القطعة.

يتصدّر التصميم ياقة على شكل سيف بقصّة كتف مفتوحة، مطرّزة بخيوط ذهبية، في إشارة مباشرة إلى رمزية السيف وأهميته في العرضة النجدية بوصفه رمزًا للقوة والشجاعة. أما الأكمام، فجاءت مصمّمة بأسلوب معاصر يحاكي طول أكمام الزيّ التقليدي في العرضة، ليجمع التصميم بين الهيبة التاريخية والطرح الحديث، من دون الوقوع في النقل الحرفي.

فستان السيف من مشروع أهزوجة
فستان السيف من مشروع أهزوجة

ثلاث رؤى… وهوية واحدة

رغم تنوّع المعالجات الإبداعية بين القطع، حافظ المشروع على وحدة واضحة في الرؤية: تقديم العرضة النجدية بوصفها هوية حيّة قابلة للتحوّل، لا قالبًا جامدًا. جمع "أهزوجة" بين البحث، الحِرفة، والتجريب المعاصر، ليقدّم نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه مشاريع التخرّج حين تُبنى على فهم عميق للتراث.

يقدّم مشروع "أهزوجة" مثالًا على جيل جديد من المصمّمات السعوديات اللواتي يتعاملن مع التراث بوصفه مساحة إبداع، لا حدًّا. مشروع تخرّج يؤكد أن الحِرفة حين تُفهم بعمق، يمكن أن تتحوّل إلى لغة تصميم معاصرة، وأن العرضة النجدية، بما تحمله من رمزية وقوة، قادرة على العيش اليوم في قطع تُرتدى وتُعاش، لا تُعرض فقط.