فالنتينو غارافاني

فالنتينو غارافاني يغادر المنصة ويترك لنا اللون الأحمر وبصمة غيّرت وجه الكوتور

نادين منيّر
20 يناير 2026

انطفأت شمعة كانت تضيء منصات العرض لعقود، وغابت الشمس عن روما التي طالما استمدت بريقها من إبداعاته. رحل المصمم الإيطالي الأسطوري فالنتينو غارافاني عن عمر يناهز 93 عاماً في منزله بالعاصمة الإيطالية، تاركاً وراءه إرثاً لا يمحى، وحكاية بدأت بفستان كوكتيل أحمر وانتهت بلقب "الإمبراطور الأخير" في عالم الهوت كوتور.

رحل المصمم الإيطالي الأسطوري فالنتينو غارافاني عن عمر يناهز 93
رحل المصمم الإيطالي الأسطوري فالنتينو غارافاني عن عمر يناهز 93

البصمة التي غيرت وجه التاريخ: "أحمر فالنتينو"

لم يكن مجرد لون، بل كان حالة شعورية ومزيجاً دقيقاً بين القرمزي والسكارليت مع لمسة من البرتقالي. منذ أن قدمه لأول مرة عام 1959 على فستان كوكتيل من التول المنسدل، أصبح "أحمر فالنتينو" مرادفاً للقوة والأنوثة الطاغية. كان يؤمن دائماً أن "المرأة التي ترتدي الأحمر هي دائماً رائعة، فهي الصورة المثالية للبطلة"، وفق ما كتب فالنتينو في كتابه "روسو" Rosso.

لكن مرت سنوات قبل أن يحظى المصمم الإيطالي باهتمام عالمي حقيقي، وذلك بفستان مختلف تمامًا.

من جاكي كينيدي إلى السجادة الحمراء في هوليوود

بصمة فالنتينو لم تتوقف عند الألوان، بل امتدت لتصيغ لحظات تاريخية. في عام 1968، خطفت جاكي كينيدي الأنظار عندما اختارت تصميماً من "المجموعة البيضاء" لفالنتينو في زفافها من "أرسطو أوناسيس"، مما كسر قواعد الفساتين التقليدية آنذاك.

وكان فالنتينو أول مصمم إيطالي يفتتح متجراً في نيويورك عام 1970، ليرفع شعار "صنع في إيطاليا" إلى مصاف العالمية.

فستان أبيض وأسود ارتدته "جوليا روبرتس" عندما فازت بجائزة الأوسكار عام 2001
فستان أبيض وأسود ارتدته "جوليا روبرتس" عندما فازت بجائزة الأوسكار عام 2001

ارتدت تصاميمه أجيال من العائلات المالكة والسيدات الأُوَل ونجمات السينما، من إليزابيث تايلور ونانسي ريغان إلى شارون ستون. ومن بين إطلالات فالنتينو الأيقونية على السجادة الحمراء، فستان أبيض وأسود ارتدته "جوليا روبرتس" عندما فازت بجائزة الأوسكار عام 2001 عن دورها في فيلم "إيرين بروكوفيتش"، وفستان حريري أصفر فاتح بكتف واحد ارتدته كيت بلانشيت في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد ثلاث سنوات. كان فالنتينو مقربًا أيضًا من ديانا، أميرة ويلز، التي كانت ترتدي غالبًا فساتينه الفاخرة.

إلى جانب لونه الأحمر المميز، اشتهر فالنتينو بإضافة الأقواس والكشكشة والدانتيل والتطريز إلى تصاميمه.

أحد آخر عمالقة الموضة الحقيقيين

وُلد فالنتينو في 11 مايو 1932 في "فوغيرا"، وهي بلدة صغيرة جنوب ميلانو. كان وحيدًا، وكان والده يدير متجرًا لمستلزمات الكهرباء. بعد دراسة تصميم الأزياء الراقية في ميلانو وباريس، عمل متدربًا لدى المصمم "جان ديسيس" Jean Dessès قبل أن يفتتح دار أزياء خاصة به في روما عام 1960.

في ذلك العام، التقى "جيانكارلو جياميتي" في مقهى روماني، والذي سرعان ما أصبح شريكه في العمل، فتولى جياميتي الجانب الإداري من العمل، تاركًا الأمور الإبداعية للمصمم.

أصبح فالنتينو، كما كان يُعرف عالميًا، أول إيطالي يظهر على منصات عروض الأزياء الراقية في باريس.

توسعت إمبراطورية فالنتينو على مر العقود مع إضافة الملابس الجاهزة والملابس الرجالية والإكسسوارات إلى علامته التجارية.

باع هو وجياميتي العلامة التجارية لشركة قابضة إيطالية مقابل ما يُقدّر بـ 300 مليون دولار أمريكي عام 1998، لكن فالنتينو استمر في العمل كمصمم أزياء لعقد آخر.

يُحيّي المصمم الإيطالي فالنتينو الجمهور في ختام عرض مجموعته للأزياء الجاهزة لخريف وشتاء 2007-2008 في باريس
يُحيّي المصمم الإيطالي فالنتينو الجمهور في ختام عرض مجموعته للأزياء الجاهزة لخريف وشتاء 2007-2008 في باريس

أُقيم آخر عرض أزياء له في يناير 2008 في باريس، المدينة التي كان يعتبرها موطنه الثاني ومصدر إلهامه في عالم الموضة.

وكان فالنتينو يظهر دائمًا في الصور برفقة كلابه، بشعر مُصفف بعناية، وبشرة سمراء، وبدلات مُفصّلة، مُشعًا بالفخامة التي كان يُضفيها على منصة العرض في حياته الشخصية.

يأتي رحيله بعد أشهر قليلة من وفاة أسطورة الموضة الإيطالية "جورجيو أرماني".

وكتبت دار فالنتينو في منشور على إنستغرام " سيبقى أسلوبه الفريد وأناقته الفطرية خالدة. نشارك أحباءه أحزانهم، ونؤكد التزامنا بالحفاظ على إرثه الإبداعي والثقافي والإنساني القيّم الذي أوكله إلينا، والذي قامت عليه دار فالنتينو، والارتقاء به. كانت حياته منارةً في السعي الدؤوب نحو الجمال، وبإلهام من هذا الجمال نفسه، سنواصل تكريم ذكراه بكل إخلاص وتفانٍ. شكرًا لك يا سيد فالنتينو."

وقالت الممثلة "غوينيث بالترو" في منشور لها: "أشعر وكأن حقبة قد ولّت"، في رثاء رجل "كان يُلحّ عليّ دائمًا أن أضع القليل من الماسكارا على الأقل عندما أحضر للعشاء".

كتبت دوناتيلا فيرساتشي على إنستغرام: "فقدنا اليوم مايسترو حقيقيًا سيُخلّد فنه في الذاكرة إلى الأبد".

من جهتها، عبّرت سيندي كروفورد عن مدى حزنها لرحيل فالنتينو فكتبت تعليقا على صورة جمعتهما معًا: "أشعر بحزن عميق لرحيل فالنتينو غارافاني. لقد كان أستاذاً حقيقياً في مهنته، وسأظل ممتنة للأعوام التي تشرفت فيها بالعمل معه عن كثب".

نشرت سيندي كروفورد صورة تجمعها بالمصمم الراحل
نشرت سيندي كروفورد صورة تجمعها بالمصمم الراحل

وكتب أليساندرو ميشيل، المدير الإبداعي الحالي لدار أزياء فالنتينو، على إنستغرام أنه لا يزال يشعر بنظرات فالنتينو وهو يعمل على المجموعة القادمة، التي ستُعرض في روما في مارس، بدلًا من باريس كالمعتاد. وتذكر ميشيل فالنتينو قائلًا: "رجل وسّع آفاق الممكن، وتميّز برقة نادرة، ودقة صامتة، وحب لا حدود له للجمال".

وفي واحدة من أكثر رسائل الوداع تأثيراً، نعى المصمم بيير باولو بيتشولي Pierpaolo Piccioli، المدير الإبداعي السابق للدار، معلمه وصديقه بكلمات لخصت جوهر فالنتينو الإنسان والمبدع. كتب بيتشولي: "لقد قررتَ إذاً أن الوقت قد حان. يمكنني تقبل غيابك، لكنني لن أتقبل موتك أبداً.. الذاكرة والحب يبقيان معنا للأبد."

واستعاد بيتشولي ذكرياته في المشغل، حيث تعلم من فالنتينو أن الموضة ليست مجرد ترف، بل هي "درع وحماية ومكان آمن ضد قسوة العالم". ووصف فالنتينو بأنه كان "المعلم دون الحاجة لمنصة تعليم"، مؤكداً أن أهم ما تعلمه منه هو ألا يشك أبداً في أفكاره، وكيفية صنع "أجمل الفيونكات في العالم". وختم بيتشولي رثاءه بلمسة فلسفية عن الأناقة، قائلاً: "لقد علمتني أن الدقة المطلقة دون إنسانية لا تترك أثراً، بينما الخطأ المصاغ بذكاء يمكن أن يتحول إلى أسلوب. لقد خلقتَ مكاناً من الأحلام والجمال، وهناك لا وجود للموت لأنه غير ضروري".