حين تحتضن عُمان الأزياء كفعل ثقافي يعكس نضج الهوية في أسبوع مسقط للموضة 2026
في مسقط، تتقدّم الموضة كفعل ثقافي واعٍ، يحمل ذاكرة المكان ويصوغها بلغة معاصرة. مع انطلاق أسبوع مسقط للموضة ضمن فعاليات ليالي مسقط 2026، تتبلور لحظة تُقرأ فيها الأزياء بوصفها امتدادًا للهوية، ومساحة حوار حي بين التراث والحداثة، وإطارًا تعبيريًا يعكس العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
تأتي هذه النسخة بدعم من وزارة الثقافة والرياضة والشباب و بلدية مسقط وبشراكة إعلامية مع مجلة هيَ، في تأكيد على حضور الموضة ضمن منظومة ثقافية متكاملة. منذ انطلاقه الأول عام 2011، رسّخ أسبوع مسقط للموضة موقعه كمنصة ريادية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، ومساحة احتفت عبر مواسمها المتعاقبة بتطوّر التصميم العُماني ضمن قراءة تجمع الأصالة برؤية معاصرة ناضجة.
تنطلق النسخة الحالية برؤية تقودها المصممة العُمانية أمل الرئيسي، وبإدارة تنفيذية من شركة ماجستيك إنترناشيونال، في نموذج يعكس نضج منظومة الموضة العُمانية وقدرتها على العمل برؤية مؤسسية واضحة. وتحتضن دار الأوبرا السلطانية مسقط هذه التجربة، بما تحمله من رمزية ثقافية وجمالية، لتشكّل فضاءً يوازي عمق الطموح الإبداعي للتصاميم العُمانية ويمنحها سياقًا يليق بلغتها البصرية.
في مساء الافتتاح، استقر المشهد على رؤية واضحة المعالم. عروض تنطلق من القماش كفكرة، ومن التصميم كلغة لقراءة البيئة، والإيقاع الاجتماعي، والتحوّلات التي يختبرها الإنسان في علاقته اليومية بالمساحة والحركة واللباس. أزياء تتشكّل من المناخ، ومن الثقافة، ومن حساسية التفاصيل، لتقدّم نفسها كلحظة قراءة بصرية، تُفهم في عمقها قبل أن تُلتقط في صورته.
ملامح اليوم الأول من عروض أسبوع مسقط للموضة
افتُتحت عروض اليوم الأول من أسبوع مسقط للموضة بتوقيع المصممة العُمانية أمل الرئيسي، في لحظة تجمع بين الرؤية الإبداعية والمسؤولية التنظيمية. حضورها في الافتتاح جاء انعكاسًا لدورها المحوري في صياغة هوية الحدث، وقيادة نسخته الحالية برؤية تنظر إلى الموضة كمنصة وطنية متكاملة، تحمل خطابًا ثقافيًا واضحًا وتعمل بمنطق مؤسسي ناضج.
قدّمت أمل الرئيسي عرضًا يعكس جوهر دار أزيائها، حيث تتقاطع التقاليد العُمانية مع لغة معاصرة هادئة. مجموعة تزيّنت بألوان المجوهرات والأحجار الكريمة، ألوان عميقة ومضيئة، تستحضر الفخامة الشرقية دون مبالغة. القصّات جاءت محتشمة في بنائها، راقية في حضورها، تُجيد التعامل مع الجسد بذكاء بصري يحترم الإيقاع الثقافي ويمنحه مساحة للتعبير. فساتين، قفاطين، وتراكيب انسيابية صيغت كامتداد لأسلوب الدار المعروف بترجمته للهوية العُمانية عبر أناقة زمنية لا ترتبط بموسم.
دار Amal Al Raisi، التي تأسست على فكرة المزج بين التراث والحداثة، تواصل عبر هذه المجموعة تأكيد موقعها كعلامة تفهم المرأة في تنوّع أدوارها، وتخاطبها بلغة تصميمية تجمع النعومة، الحِرفية، والاتزان. هي أزياء تُلبس بوصفها تجربة، وتُقرأ بوصفها سردًا بصريًا له جذوره وامتداده.



Moonlight Concept حكاية شرقية بروح بوهيمية بتوقيع المصممة القطرية منى الكعبي
جاء العرض الثاني بتوقيع المصممة القطرية منى الكعبي لعلامتها Moonlight Concept، كرحلة بصرية تحمل ملامح الشرق بروح بوهيمية، وتستحضر شخصية أنثوية تبدو خارجة من زمن قديم متخيّل. مجموعة تنسج عوالمها كما لو أنها صفحات من قصص ألف ليلة وليلة، حيث تتداخل الأسطورة مع الأناقة، ويصبح اللباس وسيلة سرد، وصورة حيّة تحمل حكايتها الخاصة.
قدّمت منى الكعبي تصاميم غنية بالتفاصيل، تعتمد على خامات فاخرة، وطبقات مدروسة، ولمسات زخرفية تمنح القطع حضورًا مسرحيًا ناعمًا. الصور الظلية تنساب بحرية، وألوان تحمل عمقًا شرقيًا، تعكس فهمًا حسيًا للأنوثة بوصفها حالة داخلية قبل أن تكون شكلًا خارجيًا. في هذه المجموعة، تتقدّم الهوية كقيمة، وتظهر الرغبة في الاحتفاء بالفرادة، وبالمرأة التي ترى في الأزياء امتدادًا لشخصيتها وإيقاعها الخاص.
Moonlight Concept تطرح الأزياء كأعمال فنية عابرة للزمن، تصاميم تحمل أثر الحلم، وتؤمن بأن الخيال مساحة إبداعية مفتوحة، تُكتب فيها الأسطورة بلغة معاصرة، وتُمنح فيها المرأة دور البطولة بكل هدوء وثقة.



بيت الفنار: حين تتحوّل الأصالة إلى مشهد احتفالي مكتمل
العرض الثالث حمل توقيع بيت الفنار بتصميم فايزة البلوشي، وكتب لغته على إيقاع الموسيقى الشرقية وذاكرة الأصالة العربية. قدّمت فايزة مجموعة مشبعة بالألوان، كثيفة بالنقوش والتطريز، تنساب كتيار بصري من الأزياء التقليدية المسائية. خيوط ذهبية لامعة ترسم الضوء، وأغطية رأس منسدلة تكمل المشهد بإيقاع احتفالي محسوب. الختام جاء بإطلالات فاخرة وضخمة، بألوان زاهية تحتفي بزهوة العروس المتألقة، وتعلن عن حضور أنثوي واثق يعرف كيف يحتفل بذروته.



Bthaina: أناقة عُمانية تُصاغ كحالة مسائية مكتملة
العرض الرابع جاء بتوقيع علامة Bthaina، حيث تشتغل بثينة الزدجالي على الأزياء بوصفها لغة هادئة، عميقة، ومشحونة بالهوية. مجموعة مسائية ذات حس شتوي واضح، مبنية على درجات داكنة ومدروسة، تمنح اللون وزنه، وتمنح القماش مساحة ليقود السرد.
المخمل والشيفون شكّلا العمود الفقري للبناء البصري، خامات فاخرة تتحرك بثقة بين الثقل والانسياب، وتحتضن الشك والتطريز العربي بروح شرقية لا تسعى إلى الاستعراض. الروح العُمانية حضرت كإيقاع داخلي، في التفاصيل، في التوازن، في الانضباط الجمالي الذي يميّز العمل عن أي قراءة فولكلورية مباشرة.
الختام كان بيانًا بصريًا واضحًا، عروس ذهبية، بهيئة ظلية وهيكلية معاصرة، تختصر فلسفة العلامة في لحظة واحدة. حضور نحتي، أنثوي، ومتماسك، يضع التقاليد داخل إطار حديث دون أن يفقدها وقارها أو عمقها الثقافي.



أحمد تلفيت: حين تتقاطع الأوبرا مع الهندسة الراقية
العرض الخامس حمل توقيع دار Ahmed Talfit، وفتح المشهد على أناقة كلاسيكية صارمة، كأن الدخول كان إلى دار أوبرا عريقة تُدار فيها الجماليات بوعي موسيقي محسوب. مجموعة أزياء راقية تستند إلى تاريخ الصنعة، وتعيد تقديمه بصرامة معاصرة لا تعرف التردد.
قماشDuchesse Satin قاد السرد بسطحه اللامع وثقله النبيل، مُشكّلًا صورًا ظلية خالدة، جميلة، وأنيقة، تُكرّس علاقة متوازنة بين الجسد والبناء. الروح الشرقية حضرت كإحساس داخلي، بينما رسمت الخطوط الغربية المعاصرة الإطار الهندسي، في تماهٍ يعكس هوية تلفيت الإبداعية العابرة للجغرافيا.
دار أحمد تلفيت، التي تأسست عام 2012 على يد المصمم التونسي–المغربي أحمد تلفيت بعد تخرّجه من Esmod تونس، تواصل ترسيخ لغتها الخاصة في الأزياء الراقية والعرائسية. لغة تقوم على الصور الظلية المعمارية، القصّ الدقيق، والنسب المدروسة، مع التزام صارم بخامات فاخرة تُصاغ لتمجيد الأنوثة لا تقييدها.



الختام الكبير: اليو أبو فيصل وسيمفونية الحلم الشرقي
العرض الختامي لليوم الأول جاء بتوقيع المصمم اللبناني اليو أبو فيصل، في لحظة حملت ثقل الختام ومعناه. مجموعة شرقية الروح، مشبعة بإيحاءات الغناء في المنطقة، وبعشق واضح للأقمشة الفاخرة، والدرجات الداكنة، والصور الظلية الانسيابية التي تتحرك كجملة موسيقية طويلة متواصلة.
رؤية اليو المعروفة حضرت بوضوح كامل: دقة حرفة عالية، ورومانسية هيكلية تُدار بعقل معماري ناضج. كل قطعة بدت وكأنها مبنية لتُحَسّ قبل أن تُرى، في توازن محسوب بين النعومة والهيبة، وبين الانسياب والسيطرة.
المجموعة، التي عُرضت للمرة الأولى ضمن أسبوع مسقط للموضة، قدّمت المصمم اللبناني المقيم في بيروت بوصفه أحد الأصوات التي تبني الأزياء الراقية من الداخل إلى الخارج. اليو أبو فيصل ينطلق في عمله من فهم عميق للجسد، وللأنوثة، وللقصّ بوصفه لغة قائمة بذاتها. سيرته المهنية، الممتدة بين الأزياء الراقية والعرائسية، تقوم على صياغة حلم شخصي لكل امرأة، من خلال صور ظلية مصقولة، وتطريز مدروس، وحس جمالي يوازن بين الجرأة والرهافة.
الإطلالة الأخيرة جاءت كتتويج بصري مكتمل. رداء ملكي طويل ينسحب على الأرض بشاعرية خلابة، مُحمّل بالشكّ والتطريز الذهبي اليدوي الثقيل. هيبة الأزياء الراقية حضرت بكامل وزنها، وفخامة شرقية أصيلة ظهرت بثقة كاملة. قطعة تُنهي العرض كما يجب أن يُنهى: بحضور طاغٍ، وأثر بصري طويل، وصورة تستقر في الذاكرة.


