رئيسة جناح المرأة في مدينة إكسبو دبي مها غورتون

كيف تتحول العودة إلى العمل إلى قوة وتمكين؟ حوار خاص لـ"هي" مع رئيسة جناح المرأة في مدينة إكسبو دبي مها غورتون

يورغو البيطار

مع تغيّر إيقاع الحياة المهنية، تجد كثير من النساء أنفسهن أمام تساؤلات حقيقية حول العودة إلى العمل بعد فترات انقطاع شكّلت جزءًا أساسيًا من رحلتهن الشخصية والمهنية يقدّم برنامج "العودة إلى العمل" الذي أطلقه جناح المرأة في مدينة إكسبو دبي نموذجًا عمليًا يعيد تعريف مفهوم العودة المهنية بوصفها امتدادًا للنضج لا قطيعة معه.

برنامجٌ سريع الإيقاع، عميق الأثر، يلتقي فيه الوضوح بالقدرة، وتستعاد فيه الثقة بوصفها حجر الأساس لأي انطلاقة جديدة. ومع دخول البرنامج مرحلته الثانية، تتحدث مها غورتون، رئيس جناح المرأة في مدينة إكسبو دبي، في حديث خاص لــ"هي" عن التحوّل الحقيقي الذي تعيشه النساء عند العودة إلى العمل، وعن أهمية تحويل فترات الانقطاع من "فجوات" إلى محطات قوة، وعن إيمان جناح المرأة بأن التمكين لا يُختصر في الخطاب، بل يتحقق بالفعل، بالمساحات، وبالفرص الحقيقية.

رئيسة جناح المرأة في مدينة إكسبو دبي مها غورتون

يتناول برنامج العودة إلى العمل مرحلةً لم تكن في السابق تشغل حيز الاهتمام الذي تشغله اليوم. ما السبب الذي أعاد طرحها بهذه الأهمية مؤخراً برأيك؟

لأن الكثير من النساء يواجهن في مرحلة العودة إلى العمل عقبات تدفعهن إلى التراجع أو يقابلن بقدرٍ من التجاهل. تتوقف الكثير من النساء عن العمل لأسباب جوهرية، سواءً كانت الحمل والولادة أو تربية الأولاد أو الاستقرار في مكان جديد، أو رعاية أحد أفراد العائلة أو لظروف صحية. وحين تقرر المرأة استئناف دورها في عالم الأعمال، غالباً ما ينظر إلى هذا الانقطاع عن العمل على أنه مؤشر سلبي، بدلاً من كونه مجرد فصل في مسيرة نجاحها. إن تقديم الدعم للنساء وتمكينهن من استئناف مسيرتهنّ المهنية بعد الانقطاع مسألة في غاية الأهمية، فهو يعيد ربط الكفاءات من النساء بالفرص الهادفة، ويسهم في تشكيل سياسات عمل تنسجم مع إيقاع الحياة بدلاً من التركيز على التفوق الوظيفي، وهذا بالمحصلة يعود بالنفع على النساء وعلى بيئة العمل وعلى الاقتصاد ككل.

تواجه الكثير من النساء قدراً من التردد عند العودة إلى العمل. من خبرتك، ما الذي يسبب هذا التردد لدى النساء في تلك المرحلة: هل هي المهارات، أم الثقة المهنية بالنفس، أم عدم توفر الفرص المناسبة؟

جميع النقاط التي ذكرتِها مهمة، لكن غالباً ما تكون الثقة المهنية هي النقطة الحاسمة، فمعظم النساء يمتلكن المهارات المناسبة والخبرات التراكمية اللازمة، فقد أمضت العديد منهنّ سنوات طويلة في إدارة الفرق، أو تسيير شؤون الأسرة ، أو تأسيس الأعمال أو إدارة مهام متداخلة. وغالبا ما تؤثر فترة الانقطاع عن العمل على اليقين بأهميتها. وحين تعود الثقة، يعود كل شيء لمساره الطبيعي. فتستعيد النساء القدرة على إظهار مكانتهن ودورهن، والتركيز على الفرص بدلاً من الخوف من الرفض، والمضي قدماً دون الحاجة إلى التبرير. فالمهارات يمكن تطويرها، كما يمكن فتح أبواب لفرص جديدة. لكن الثقة المهنية هي الأساس الذي يمكّن المرأة أن تشعر بالانتماء.

يقوم البرنامج على تعزيز الوعي والمهارات والثقة المهنية. أي منها تلاحظه المشاركات في البرنامج كتغيير جذري ولماذا؟

الثقة المهنية هي الجانب الذي يشهد التحوّل الأبرز، لكنّها ثقة تقوم على الوعي، فعندما تعيد النساء التواصل مع هويتهنّ المهنية، ويدركن كيفية ترجمة تجاربهنّ إلى قيمة مضافة، عندها نشهد تحوّلاً حقيقياً. وبدلاً من تبرير الماضي أو الدفاع عنه يبدأن بتقديره بشكل واعٍ. هذه الثقة المهنية الراسخة تترك أثراً عميقاً. فهي لا تقوم على المبالغة أو الادعاء بمعرفة كل الإجابات، بل على إدراك الأثر الذاتي، والثقة المهنية هي التحكّم الشخصي والقدرة على القول: هذا ما أمتلكه وما سأقدمه من إسهامات. وعندما يحدث ذلك تظهر الكفاءات والمهارات بشكل أكثر وضوحاً، وتتحول الثقة المهنية إلى حالة استقرار دائم.

رئيسة جناح المرأة في مدينة إكسبو دبي مها غورتون

فترات الانقطاع عن العمل يُنظر إليها «كفجوة» في السير الذاتية. كيف يمكن لأصحاب العمل والمؤسسات التعامل معها كمحطات مهمة في مسيرة متألقة بدلاً من ذلك؟

يمكن ذلك بتغيير المنطلق الذي ينظر به إلى الأمر من مجرد غياب وانقطاع إلى فرصة للتطور، ففترات الانقطاع المهني غالباً ما تكون مراحل مكثّفة من التقدم. وأثنائها تطوّر النساء مهارات قيادية تحت الضغط، وقدرات عالية على التكيّف، والذكاء العاطفي، والمرونة النفسية. وهذه مهارات يصعب اكتسابها أو تعليمها في مساحات التدريب التقليدية. لكن التحدّي يكمن في أن هذه الخبرات والمهارات غالباً ما لا تظهر بشكل مباشر أو واضح في السير الذاتية.

وبإمكان أصحاب العمل والمؤسسات أن يبدأوا بطرح أسئلة مختلفة، فبدلاً من سؤال: «لماذا لديك فترة انقطاع؟» لسؤال: «ماذا تعلّمت من هذه الفترة؟» أو «كيف أثّرت هذه المرحلة في مهاراتك القيادية وطريقة تفكيرك ومساهماتك؟". وعندما نرى الكفاءات في سياقها الحقيقي، بدلاً عن وضعها في قالب الاستمرارية الزمنية، عندها نكتشف قيمة أعمق وأكثر شمولاً.

حدثينا عن المواقف التي عبرت بوضوح عن أثر البرنامج؟

هناك لحظات كثيرة بقيت حاضرة في ذهني، في إحدى الجلسات المبكرة التي تعقد عبر الإنترنت، طرحت إحدى المشاركات سؤالاً وهي تحمل طفلها بهدوء. كانت تتابع الجلسة بتركيز كامل. وعندما أجابها المدرّب، توقفت للحظة وعيناها امتلأت بالدموع وهي تقول: «أعذرني، لكن شكراً لك. للمرة الأولى منذ وقت طويل أستشعر بأهمية وجودي». ومباشرةً تفاعلت نساء أخريات، كونهنّ شعرن بالأمر ذاته. وبقدر ما كان هذا الموقف بسيطاً، بقدر ما ترك أثراً عميقاً. لأنه صوّر لنا أهمية هذا العمل. فبالنسبة للكثير من النساء، لا تتعلق العودة إلى العمل بالمهارات أو الوظيفة بحد ذاتها فحسب، بل بالاعتراف بهنّ كأفراد وصاحبات تأثير، وبالأدوار المتعددة التي يؤدينها، ويستحققنّ عليها التقدير والمساحة والفرص.

وهناك موقف آخر، جاء بشكل غير متوقع بعيداً عن البرنامج، اقتربت مني امرأة وقالت لي: «طبّقت ما تعلّمته في الجلسات، وقدمت على وظيفة.. وحصلت على الوظيفة التي كنت أطمح إليها». وما لفتني لم يكن النتيجة التي حققتها، بل ثقتها بنفسها. لم تكن تبحث عن اعتراف أو إشادة بإنجازها، بل كانت لديها كل الثقة المهنية لتتحدث عنها. حين تستعيد النساء ثقتهنّ بأنفسهنّ ويمضين بخطوات ثابتة، هذا هو الأثر الحقيقي لنجاح البرنامج.

لطالما عمل جناح المرأة في مدينة إكسبو دبي على نقل الحوار من النقاش النظري إلى واقع التنفيذ. كيف يجسد برنامج "العودة إلى العمل" هذه الرؤية الشاملة؟

ركّزنا في جناح المرأة دوماً على إتاحة مساحات يتاح فيها للنساء طرح قضاياهن ومناقشتها والتحاور بشأنها، والمضي أبعد من ذلك لتوفير الدعم لهن، وذلك بالأدوات والموارد التي نتيحها ليتقدمن في مختلف جوانب الحياة. ويجسد برنامج «العودة إلى العمل» هذا التوجه، بنقل قضية التمكين والشمول والتعاون في سوق العمل من مساحة النقاش إلى التطبيق العملي، انطلاقاً من تصوّر يرسخ التمكين ببنية واضحة، وفرص، ودعم مستمر. فالبرنامج يركّز على تصحيح أطر عمل لم تبن على فهم كافٍ لواقع تجارب النساء، ولأجل تسليط الضوء على الآفاق الممكنة عند دعم النساء للعودة إلى العمل، بالمهارات القيّمة والرؤى الجديدة التي يحضرونها إلى سوق العمل ويحتاجها بالفعل.

بالنسبة لقارئات "هي" اللاتي يفكرن في العودة إلى العمل، ولكن ينتابهن التردد أو التشكك، ما هي الرسالة التي تودين إرسالها لهن؟

أقول لهن إن العودة إلى العمل لا تعني الرجوع إلى نقطة البداية، وليست تراجعاً إلى الوراء، بل هي تقدّم في مسار متواصل. ما تمتلكه المرأة من تجارب حصيلة قيمة، حتى وإن لم تكن مسيرتها خطاً مستقيماً متواصلاً. فالسنوات التي قضتها في تقديم الرعاية، أو التكيّف أو التأسيس أو التطوّر تشكل ما هي عليه اليوم وما تحمله من مهارات وقدرات، وسوق العمل بأشد الحاجة لها. فكلّ تحد واجهته، وكل دور تمرّست به، أضاف إلى قدراتها منظوراً أعمق ومرونة وجدارة في اتخاذ القرار. وعودتها ليست استدراكاً لما فات، وليست بداية من الصفر، فهي تعود ممتلكة الخبرة وتنطلق من مركز قوة.