فيلم "The Little Things" .. إعادة تدوير لقضايا المحققين وأزماتهم النفسية
في السنوات القليلة الماضية عادت أفلام المحققين لتحتل الصدارة في تفضيلات الجمهور، أعمال كثيرة تتبع محقق أو أكثر وهم يحاولون حل ألغاز الجرائم والقبض على المجرمين، تصور هذه الأفلام الصراع الدائر بين المتنافسين، من جانب الخير ويمثله المحققين ومن جانب الشر ويمثله المجرمين، وما بين المتنافسين هناك المئات من التفاصيل الدرامية والحبكات التي تحدد العديد من الأعمال الشهيرة التي تنتمي لأنواع فيلميه مختلفة منها الكوميديا والدراما والرعب.
لكن يظل الشكل الافضل والاكثر جذبًا في افلام المحققين هو "النوار" في الأبيض والأسود والـ"نيو نوار" في الألوان، كلا الشكلين يعتمدان على السوداوية وإبراز الدوافع النفسية بالنسبة للشخصيات، تحت هذه المظلة سنجد أفلام مثل Shutter Island وSe7en، وعلى جانب آخر سنجد أفلام افلام تركز أكثر على دوافع المحققين النفسية وتأثير عملهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية على مسار حياتهم، هذه الأفلام يتضاءل من خلالها الاعتماد في الصراع على المتنافسين التقليديين المحقق/ المجرم ليتحول الصراع إلى المحقق ومحقق آخر، أو مواجهة المحقق لحقيقته.
هناك أعمال كثيرة ناجحة تنطبق عليها هذه المواصفات منها مسلسل True Detective أو فيلم Righteous Kill وأحدث الأعمال The Little Things الذي وضعه الكثير من النقاد والمهتمين في مقارنة مع فيلم Se7en تحديدًا أو ما يشبهه من أفلام، وهي مقارنه ظالمه للفيلمين، ففي الوقت الذي يعتمد Se7en في الصراع على السباق بين المحقق/ السفاح، إلا أن The Little Things يضع المحققين أمام خلفيتهم ومعتقداتهم وأفعالهم الماضية التي شكلت حاضرهم.

البناء في الفيلم مختلف تمامًا لذلك شكليًا يبدو Se7en أكثر إثارة وجذبًا وخطفًا للأبصار، خاصة أن الصراع يحتل الجزء الأكبر من الفيلم، لكن The Little Things لا يشغل المشاهد باللغز أو الصراع التقليدي، السفاح في هذا الصراع هو عامل محفز فقط، يكتفي ألبرت سبارما (جاريد ليتو) بالتبختر وإثارة حنق المحققان جو ديكي (دينزل واشنطن) وجيم باكستر (رامي مالك) لذلك يبدو الفيلم الذي لا يحتوي على جرعة الإثارة التي نتلقاها عادة في الأفلام التي تضم حبكات وغموض عادة ما يكشف عنها اللثام في النهاية.
سنجد هنا أننا مشتبكون مع تفاصيل مطبقي القانون الذين يعانون، نلهث وراء سر ديكى المحقق الذكي الذى انحدرت حياته المهنية وقبل العمل كشرطي في مدينة صغيرة، بينما نلاحظ التزام المحقق جيم الديني والأخلاقي والمهني، ونتابع تطور الاختبار الذى وضع فيه كلاً منهما وكيف فشلا في اجتيازه، لم يعد مهمًا في الحقيقة هل أرتكب ألبرت الجرائم أم لا؟ فنحن أمام محققان يتعرضان لضغوط نفسية بشكل مستمر نتيجة تعاملهم مع جرائم بشعة بشكل دوري الأمر الذي يتسلل إلى عظامهم ويؤثر على حيواتهم الاجتماعية.

فبينما ذهب ديكي لطريق لا عودة منه خسر من خلاله أقرب أصدقائه وحياته الأسرية، وعلى نفس الطريق يسير جيم لولا دعم ديكي الذى مر بظروف مشابهة وتصرف بشكل إنساني سيساهم بالتأكيد في تحسين حياة جيم، نحن في الحقيقة أمام بشر يتعرضون لضغوط نفسية وهذه النوعية من الأعمال مصممة لإثارة التساؤل والتأمل وليس إثارة الذهن والسعي مع المحققين في سباقهم، نحن أمام أسئلة وجودية عن الخير والشر وتطبيق العدالة في مقابل تطبيق القانون، أنواع من الأسئلة التي لم تكن تثار في ستينيات القرن الماضي أو ما قبله، أسئلة نتاج التغيرات الاجتماعية والاقتصادية لذلك تبدو حقبتي الثمانينيات والتسعينيات هما الأمثل للتعامل معها كونهما المرحلة التالية لتكونها، فمع تحول الجريمة وطبيعتها بعد الحرب العالمية الثانية في المجتمع الأمريكي وتداخل الكثير من التفاصيل في إعادة تشكيل حياة البشر ورؤيتهم للحياة والموت هما السبب في عدم تغيير زمن الأحداث أو تطويرها لتتناسب مع الزمن الحالي حيث أن هناك وسائل حديثة تثبت تورط البرت من عدمه فى ارتكاب الجرائم.
محافظة جون لي هانكوك على زمن الفيلم هو الأفضل والأكثر ملائمة لطبيعة ما يناقشه من أفكار، وهو ابن زمنه حيث كتب هانكوك السيناريو عام 1993 وأخرجه عام 2021، وهذه هي نقطة الضعف الحقيقية للفيلم ليس ضعفًا فنيًا إذا ما قارناه بـ Se7en لكن العودة لطرح نفس الأفكار والأزمات الوجودية والنفسية التي طرحتها أعمال مثل Righteous Kill وInsomnia، الحقيقة أن The Little Things أسبق في الكتابة والاشتباك مع الأفكار لكن تأجيل تنفيذه جعله الأخير والعمل الفني الذى يكرر نفس الطرح، لكن العزاء في الأداء التمثيلي الأكثر من جيد في الأدوار الرئيسية الثلاثة وأبطالها دينزل واشنطن ورامي مالك وجاريد ليتو، بعيدًا عن النمطية وتحديد إطار الخير والشر للشخصيات والذي يساهم بشكل ما في توجيه في انفعالات المشاهدين للتعاطف مع شخصيات بعينها، وكذلك الحال مع الشخصيات غير الرئيسية، فالأداء التمثيلي هو العنصر الأفضل في الفيلم وهو العنصر الذي يميزه، إلى جانب تصميم الإنتاج والتصوير والإضاءة وهما العنصران الأهم في افلام النيو نوار حيث الاعتماد على الضوء والتكوينات يتحولوا إلى أدوات سردية بدورهم.
